مفتاح شعيب
ربما يعتقد قادة الكيان الصهيوني أن مجرد توجيه الاتهام رسمياً إلى اثنين من صغار المستوطنين بالمسؤولية عن حرق عائلة الدوابشة في قرية دوما بالضفة الغربية سيمحو معالم الجريمة الشنعاء ويطوي أوراقها إلى الأبد، فالإعلان عن اسمين لحدثين الأول 21 عاماً والثاني 17 عاماً بمسؤوليتهما «الجنائية» عن تلك الفعلة لا يقدم شيئاً جديداً، بقدر ما يزيد في طمس الحقيقة ويمنح الفاعلين الحقيقيين حصانة مطلقة وفرصة للإفلات من الملاحقة والعقاب للاستمرار في سياسات الإبادة العنصرية المتبعة ضد الفلسطينيين.
ليس دفاعاً عن المجرميْن المتهميْن من كيان الجريمة والقتل، وإنما بحثاً عن الحقيقة وفضحاً للفاعلين الرسميين، فالاتهام مفتعل شكلاً، فلا شيء يدفع قاتليْن في هذا العمر إلا قاتل أكبر يمثل المرجعية والقوة على إدارة جريمة منظمة لم تتوقف عند استشهاد عائلة الدوابشة، بل تكررت في أكثر من مناسبة وبأدوات مختلفة.
ولن تنطلي على أحد الدعاية إلى أن من يقومون بهذه الجرائم هم أفراد معزولون أو «بلطجية»، بينما يخفي الواقع آلة جبارة تدير هجمة شرسة على الفلسطينيين بالضفة الغربية عموماً وفي القدس المحتلة خصوصاً، وحكومة كيان بقيادة بنيامين نتنياهو ضالعة في هذه الإبادة وتوفر للقتلة المستوطنين، من غير جيش الاحتلال، الحماية والمسوغات القانونية والأفكار المتطرفة. والدليل أنه منذ احتراق أسرة الدوابشة، المكونة من الرضيع علي الدوابشة ووالديه، في يوليو/ تموز الماضي نجت عائلات كثيرة من هجمات مشابهة، وسقط عشرات الشهداء في عمليات إعدام مفضوحة لا تقل فجاجة عن أي جريمة ارتكبت بحق الفلسطينيين خلال الانتفاضة الجارية منذ أواخر سبتمبر/أيلول من العام الماضي.
لقد حرصت نيابة الاحتلال على توصيف الجريمة بأنها عمليات «رُعب عنفية ضد عربٍ وممتلكاتهم» مجردة الاتهام من البعد السياسي المتمثل في الحملة الاستيطانية الشرسة التي يتعرض لها فلسطينيو الضفة، ويعمل على تنفيذها حاخامات متطرفون وعصابات محترفة في القتل والترويع، وإذا كان أحد مسؤولي الكيان قد اعترف مؤخراً بوجود إرهاب يهودي «طارئ»، فقد حاول أن يخفي الحقيقة الكاملة، وهي أن الإرهاب سياسة رسمية يتبعها كيان الاحتلال منذ اغتصابه الأراضي الفلسطينية في أربعينيات القرن الماضي ويتواصل إلى اليوم بصور أشد بشاعة وبطرق مغرقة في التمويه والتزوير.
في الوقت الذي تتآكل فيه الضفة الغربية بفعل المشاريع الاستيطانية وهدم منازل أصحاب الأرض الأصليين، يتآكل البشر في قطاع غزة بفعل الحصار القاتل، والجريمتان تكملان بعضهما في خطة تصفية الوجود الفلسطيني على مراحل وعلى جبهات تبدو لا صلة بينها، بينما هي سياسة إرهاب شامل، وإذا كان البعض لم يعثر بعد على مفهوم للإرهاب الصهيوني في الأراضي المحتلة فهذه صورة منه، فجريمة القتل أو الحرق أو الاغتيال مجرد تفصيل في الإرهاب الأعظم الذي يتم بتخطيط محكم وبأطراف تتحالف في ما بينها لصياغة واقع مختلف. وبإمكان أي مراقب أن يستشرف سنوات قليلة في المستقبل ليكتشف الحال الذي سيكون عليه الفلسطينيون وقضيتهم إذا استمر التدمير الممنهج في الضفة وغزة مضافاً إليه انقسام شامل قتل روح المصالحة بين أبناء الشعب الواحد، وفوق ذلك كله محيط عربي يُصفى بقوة بالغة الخبث والمكر. وحين تجتمع كل هذه التفاصيل لا يبدو أن الغد سيكون طيباً، ولكن لا أحد يمتلك الجرأة ليعتبر.
الخليج الاماراتية
