تميّزت عملية تل أبيب الأخيرة بتشكيلها مؤشّراً قويّاً على إمكانية إسقاط الرهانات "الإسرائيلية" على نجاح سياسة التكيّف والتعايش مع واقع الانتفاضة الفلسطينية، التي لم تجد لها القيادة "الإسرائيلية" خياراً بديلاً...
000
أيّاً كانت خلفية منفذ عملية تل أبيب قبل يومين، الذي لم يُقبَض عليه حتى حينه، فإن المؤكد أنها تأتي في سياق العمليات التي فرضت نفسها مساراً، وباتت تشكل عبئاً ضاغطاً على الجمهور والقيادة في الواقع "الإسرائيلي"، ومن جهة أخرى، تمثّل ارتقاء في هذا المسار، خصوصاً أنها أتت في قلب الكيان "الإسرائيلي"، وفي المكان الأكثر حساسية بالنسبة إلى "الإسرائيليين"، في العاصمة تل أبيب.
بناءً على ذلك، تنبع خصوصية هذه العملية من كونها تشكل خروجاً على الضوابط التي حرصت عليها الأجهزة الأمنية والعملانية "الإسرائيلية"، بعدما فشلت في إخماد الانتفاضة.
لذلك، عمدت هذه الأجهزة على حصر الحراك الفلسطيني ضمن بعض مناطق الضفة الغربية، وراهنت على أداء السلطة لتضبط تمددها، كي لا تشمل قطاعات أوسع من الشعب الفلسطيني في الداخل. وتشكل الضوابط الشروط "الإسرائيلية" الأساسية لـ«إمكانية التعايش» مع هذه الانتفاضة، على أمل الحد من تأثيرها العملاني، نسبياً، والحد من مفاعيلها النفسية والسياسية الداخلية.
لكن عملية تل أبيب رفعت مستوى القلق من آفاق مسار، تتسع فيه دائرة نطاق العمليات، لتضرب في قلب العمق "الإسرائيلي". وعزّزت المخاوف من سيناريو «نقل ثقل العمليات» إلى الداخل "الإسرائيلي"، وهو أمر لا يستطيع "الإسرائيلي" تحمّله كثيراً.
ولا يُتوقع أن يؤدي استمرار الانتفاضة، وإن اتسع نطاقها، إلى تليين الموقف السياسي للحكومة "الإسرائيلية"، على مستوى المفاوضات مع السلطة. والمفارقة في المنطق "الإسرائيلي" أن الهدوء الأمني يعني بالنسبة إلى القيادة السياسية مؤشراً على إمكانية الإصرار على خياراتها السياسية القائمة على التسويف وتخليد الوضع القائم، ما دام لا يوجد أي مفاعيل وأثمان مؤلمة. وفي حال الضغط الأمني، فإن أي مرونة سياسية في ظل العمليات، تشكّل رسالة ضعف للطرف الفلسطيني، وتعزيزاً لمنطق الضغط المجدي، وبالتالي سيشكّل دفعاً لاستمرار واتساع الضغط الشعبي الفلسطيني
أما المفارقة الأخرى، في الواقع "الإسرائيلي"، فأنه رغم إخفاق رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، وحكومته في قمع الانتفاضة، فإن معارضة سياسية تستطيع الاستفادة من هذا الواقع الأمني المتدهور، لم تتبلور بعد. بل إن معسكر اليمين، عامة، ونتنياهو، خاصة، لا يزال يتمتع بنسب تأييد لا تختلف كثيراً عن المراحل السابقة. بل لا يكاد يوجد منافس جدّي لنتنياهو على قيادة الحكومة.
يأتي ذلك كله، في ظل استمرار النزف "الإسرائيلي"، الذي بلغ نحو 30 قتيلاً في أقل من أربعة أشهر، وهو ما يشكّل بالمقاييس "الإسرائيلية"، وفي ظل الظروف المحيطة، ارتقاء في مفاعيل العمليات الفلسطينية التي استُخدمت في معظمها الوسائل البدائية. والأخطر من هذه النتائج، حالة الرعب والقلق التي اتسع نطاقها في الساحة "الإسرائيلية"، وبرزت معالمها في استطلاعات الرأي والإقبال المتزايد لدى الجمهور "الإسرائيلي"، على امتلاك وسائل الحماية الذاتية.
في مقابل كل ما تقدم، يشير استمرار الانتفاضة وطبيعة العمليات، التي يغلب على الكثير منها طابع العمل الاستشهادي، إلى حقيقة أن الشعب الفلسطيني، بالرغم من المحيط العربي والإقليمي، لا يزال يتمتع بإرادة صلبة وتمسكاً متيناً بخيار المقاومة والانتفاضة، بما توافر من وسائل.
في الجهة المقابلة، يكشف الواقع القائم عن حجم نجاح "إسرائيل"، من خلال أجهزتها الأمنية وعلاقاتها الإقليمية، في فرض طوق حول فلسطين، ويحول دون وصول السلاح إلى هذا الجمهور، الذي لو توافرت له أدنى الإمكانات لغيّر مجرى الأحداث في فلسطين وأحدث تحولاً تاريخياً في حركة الصراع.
وفي محاولة للتغطية على فشله، في توفير الأمن المنشود للمواطن "الإسرائيلي"، حرص نتنياهو من موقع تنفيذ العملية في شارع ديزينغوف، وسط تل أبيب، التي أدّت إلى مقتل "إسرائيليين" وإصابة 8 آخرين، على ربط تنفيذ العملية بـ«انعدام تطبيق القانون في البلدات العربية». وأوضح نتنياهو قائلاً: «لا أستطيع أن اقبل بدولتين في إسرائيل، دولة قانون لغالبية المواطنين، ودولة داخل دولة لجزء من المواطنين في جيب لا يطبق فيه القانون»، مؤكداً «بلورة خطة لزيادة خدمات فرض القانون في القطاع العربي». وأضاف: "لا يمكن القول أنا إسرائيلي في الحقوق، وفلسطيني في الواجبات. من يرد أن يكون إسرائيلياً فعليه أن يكون كذلك في الاتجاهين، والواجب الأول هو الرضوخ لقوانين هذا البلد".
وشدّد نتنياهو على أن حكومته ستخصص ميزانيات كبيرة لفرض القانون ومراقبة تنفيذه في المدن والقرى العربية، وستتخذ خطوات عديدة لتحقيق هذا الهدف، منها إنشاء مراكز للشرطة في قرى ومدن العرب، وزيادة عدد رجال الشرطة وتوسيع انتشارهم فيها.
وامتداداً لهذه المواقف، افتتح رئيس وزراء العدو جلسة الحكومة، يوم أمس، بالحديث عن أن «قوات الأمن ـ الشاباك والشرطة، تواصل عمليات البحث عن القاتل من تل أبيب. وقد بذلت جهوداً كبيرة، وتعمل في هذا الإطار قوات كثيرة، بالتوازي مع تواصل الجهود الاستخباراتية".
وأضاف: "عندما شكلنا هذه الحكومة طلبت من وزير الأمن الداخلي، إردان، وبعد ذلك من المفوض العام للشرطة، أن يبذلا جهوداً عملاقة لتغيير واقع يوجد في الدولة، منذ 70 عاماً، هو عدم تطبيق القانون في الوسط العربي".
من جهة أخرى، لم يوجّه رئيس المعارضة، إسحاق هرتسوغ، لدى زيارته لمكان العملية، أي انتقاد لنتنياهو وحكومته، بل اكتفى بوصف ما جرى على أنه «مأساة مرعبة». وعبَّر عن مواساته للعائلات المصابة. وأضاف هرتسوغ: «أشد على أيدي القوى الأمنية، شرطة إسرائيل، والشاباك». وشدّد "على ضرورة عدم إظهار أي تسامح مع الذين يختارون طريق الإرهاب".
بدورها، هاجمت عضو الكنيست والقيادية في حزب «المعسكر» الصهيوني، تسيبي ليفني، نتنياهو ورأت أنه «نجح فقط بزرع الكره والخوف في خطابه في شارع ديزينغوف، وأنه حان الوقت لأن يتصرف كرئيس حكومة للجميع». وأضافت: "هذه ليست موجة إرهاب، هذه هجمة طويلة الأمد يتعرض لها المواطن الإسرائيلي للخطر والإرهاب طوال الوقت".
أما رئيس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، فكان له منطقه المتوقع والمتكرر؛ فقد هاجم نتنياهو واعتبر أن «ضعف الحكومة الإسرائيلية هو ما يشجع ويسمح لتنفيذ عمليات إرهابية ويسمح بارتفاع وتيرتها، لأن الحكومة لا تنتهج أي سياسة للتعامل مع الوضع القائم». واتهم ليبرمان الحكومة بالكذب واختراع مصطلح «إرهاب الأفراد»، وأكّد أن لا وجود لعمليات فردية، بل كل العمليات خطط لها بعناية منذ البداية.
الأخبار اللبنانية