*مقدّمة
الأغوار الفلسطينية، وخاصة الشمالية منها، هي أكثر المناطق المستهدفة في جميع أنحاء فلسطين، فعلى مدار عشرات السنين تجري هناك عمليات تهجير ممنهجة من قبل قوات الاحتلال دون أنْ تلقى ردة فعل شعبية قوية أوْ رسمية تذكر، ولذلك رأينا أنّه لا بدّ أنْ يكون جزء من نشاطنا في هذه المناطق لمساندة أهلنا في الأغوار الشمالية، وللفت الانتباه إلى هول الجرائم التي يمارسها الاحتلال سواءً الجيش منه أو المستعمرون.
تُشكّل مساحة الأغوار الفلسطينية حوالي 28 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، بينما يبلغ عدد سكان الأغوار الفلسطينيين، بما فيها مدينة أريحا، حوالي 55000 نسمة ويشكلون نحو 2 بالمائة فقط من عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما سكن في الأغوار حتى العام 1967 حوالي 320000 نسمة. بعد الاحتلال أعلنت "إسرائيل" عن مساحة 400000 دونم من المناطق المحاذية للحدود الأردنية كمناطق عسكرية يُمنع دخول الفلسطينيين إليها، وأقامت عليها 90 موقع عسكري. كما أقامت 35 مستعمرة زراعية يسكن فيها نحو 7500 مستعمر وصادرت لهذا الهدف 28000 دونم من الأراضي الزراعية الخصبة، بينما بقي الفلسطينيون يملكون حوالي 50000 دونم من الأراضي الزراعية.
تكتسب الأغوار أهميتها لموقعها على الحدود الأردنية، ولذلك اعتبرتها الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة كحدود "إسرائيلية" يجب عدم التنازل عنها، وتتعامل معها كجزء لا يتجزأ من الأراضي المحتلّة عام 48، بالإضافة لذلك فإنّ أراضي الأغوار خصبة جدًا وتصلح للزراعة على مدار السنة ويشكل إنتاجها الزراعي نحو نصف الإنتاج الزراعي في الضفة الغربية، وتتركز فيها مصادر مياه كبيرة جدًا. وتُشكّل مناطق C (سيطرة إسرائيلية عسكرية ومدنية تامة) حسب اتفاقية أوسلو حوالي 89 بالمائة من أراضي الأغوار، وهي تضم معظم التجمعات والتي تعاني ممارسات الاحتلال من هدم وملاحقة وتهجير. تمّت مصادرة معظم الأراضي في الأغوار لأهداف عسكرية، وتمّ الاستيلاء على مساحات شاسعة أخرى بادعاء أنها أملاك غائبين، كما فعل الاحتلال في النكبة عام 1948، وتُحاصر الأغوار الحواجز العسكرية تمنع تواصل الفلسطينيين والانتقال من مكان إلى آخر.
كما اتبعت "إسرائيل" إبان الاحتلال الطرق المباشرة في تهجير أهالي الأغوار من بيوتهم، أمّا بعد ذلك فاتبعت الطرق غير المباشرة، حيث تخلق ظروفًا تتسبب بمعاناة شديدة وخطر حقيقي على حياة الناس تُجبرهم في النهاية على ترك بيوتهم، ففي حين أنّ هذه الطرق تأتي بنتائجها، إلّا أنّها من جهة يعتبرها المؤيدون أنّها لا ترتقي إلى جرائم ضدّ الإنسانية، ولم تنجح حتى اليوم بإثارة الرأي العام المحلي والدولي بحيث تمنع "إسرائيل" من الاستمرار بممارسة عمليات التطهير العرقي هناك.
وقد نجح الاحتلال بتحقيق أهدافه إلى حد كبير، ففي حين نرى أنّ عدد المستعمرين والأراضي المصادرة لصالحهم في ازدياد مستمر، فإنّ عدد سكان الأغوار والأراضي التي يملكونها في تقلص مستمر. على سبيل المثال بلغ عدد العائلات في تجمع الحديدية شمال الأغوار عام 1967 ما بين 250-300 عائلة أي حوالي 2500-3000 نسمة، بحيث أنّه حسب النمو الطبيعي للفلسطينيين في الأغوار كان يتوقع أنْ يكون عدد سكان تجمع الحديدية اليوم بين 8000-10000 نسمة، أمّا في الحقيقة فتسكن تجمع الحديدية اليوم 14 عائلة ويشكلون 114 نسمة فقط.
*طرق التهجير والتشريد
تختلف طرق ووسائل التشريد والتهجير في فلسطين من منطقة إلى أخرى، ومن زمان إلى زمان آخر، بحيث يصعب على المرء تتبع وملاحقة جميع هذه الوسائل، ويكون أيضًا من الصعب وضع جميع عمليات التهجير تحت إطار واحد لعملية تطهير عرقي ممنهج إلّا بعد دراسة وتعمق كبيرين.
هذا التباين والاختلاف والذي يجعل لكل منطقة أوْ بلدة خصوصياتها يصعب من عملية توحيد النضال وإدارته تحت قيادة وطنية موحدة. فطرق التهجير والتشريد والاستيلاء على الأملاك في عكا ويافا تختلف عن طرق التهجير في الأغوار الشمالية، وتلك أيضًا تختلف عمّا يجري في الجليل وتختلف أيضًا عمّا يجري في الخليل أوْ في مناطق جدار الفصل العنصري، والطرق التي اتبعتها السلطات قبل عشرات السنين تختلف عمّا تتبعها اليوم في نفس المكان، بحيث تتبع سلطات "الابرتهايد" أكثر الطرق معاناةً وضررًا للسكان الفلسطينيين التي تُحاول أنْ تحملهم على القبول بالواقع الاستعماريّ وعدم التصدي له.
إنّ ما يميز التجمعات السكانية في الأغوار الشمالية اعتماد معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي، ولذلك تركزت عمليات التهجير والتشريد في الأغوار الشمالية على المس بهما. فبدأت السلطات بمصادرة واسعة لأراضي الأغوار عامّةً، والأراضي الزراعية والمراعي بشكل خاص، وتمّ تحويل معظمها إلى مناطق عسكرية ومحميات طبيعية يمنع السكان الفلسطينيون من دخولها، وصودرت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لصالح المستعمرات هناك، حيث أقيمت هناك حتى اليوم نحو 35 مستعمرة وفي المقابل تتقلص عدد التجمعات السكانية الفلسطينية في الأغوار الشمالية . وتسيطر "إسرائيل" على نحو 90 بالمائة من أراضي الأغوار الفلسطينية بينما يسيطر الفلسطينيون على 10 بالمائة فقط.
يُمنع الفلسطينيون من رعي مواشيهم في المناطق القريبة من تجمعاتهم السكانية، والتي اعتادوا عليها عشرات السنين قبل الاحتلال، ويُغرَّم الفلسطينيون بدفع غرامات باهظة إذا دخلت مواشيهم إلى “المناطق العسكرية” أو “المحميات الطبيعية”، وإذا استمرت المواشي بدخول “المحميات الطبيعية” المجاورة تقوم السلطات بحرق هذه المناطق غير آبهة بقتل الطيور والحيوانات الفريدة من نوعها كالأرانب والغزلان والحجل، الذين يعيشون هناك، وبحرق نباتات نادرة تعيش في هذه المناطق، والتي يدعون حمايتها. فعلى سبيل المثال قامت السلطات عام 2001 بحرق آلاف الدونمات جنوب بردلة، والتي استعملت كمراعي للمواشي لسكان المنطقة. تجدر الإشارة إلى أنّ ادعاء السلطات أنّ منع رعي المواشي في هذه المناطق يأتي إلى حمايتها هو ادعاء كاذب، حيث أنّ هذه الطيور والحيوانات والنباتات تكاثرت عندما كانت المواشي ترعى في نفس المناطق.
وتُقيم "إسرائيل" في الأغوار الشمالية سجن وحيد من نوعه في العالم، تعتقل به الحيوانات المخالفة لقوانينهم حيث يتّم إيداع الأبقار والأغنام المصادرة في هذا السجن إلى حين يدفع صاحبها الغرامات الباهظة، بالإضافة إلى مصاريف نقل ومبيت هذه المواشي، بحيث تصل إلى عشرات آلاف الشواقل يصعب على صاحبها تأمينها بحيث يتنازل في النهاية عن هذه المواشي وعن الاستمرار في تربيتها. ومن مراقبة أعداد رؤوس المواشي في الأغوار يكتشف أنّ عددها في تنازل مستمر جدًا.
*عقاب قطع المياه عن الفلسطينيين
ولمّا كانت الزراعة وتربية المواشي بحاجة ماسة إلى المياه توجهت السلطات إلى حرمان التجمعات السكنية من المياه وعدم إيصال مساكنهم بها. فترى مواسير المياه الضخمة تمر من بين التجمعات الفلسطينية في طريقها إلى المعسكرات والمستعمرات الصهيونية دون أنْ تتوقف في هذه التجمعات. فترى التجمعات الفلسطينية قاحلة، بينما المستعمرات الصهيونية خضراء يانعة. أمّا التجمعات السكنية القائمة حول ينابيع المياه فقد تمّ تجفيف هذه الينابيع عن طريق إيصال مواسير لضخ المياه من مصادر النبع وتحويلها إلى المعسكرات والمستعمرات الصهيونية المجاورة، وفي حين استمر السكان الفلسطينيون بالوصول إلى هذه الينابيع ونقل المياه على حميرهم يقوم المستوطنون بتوجيه كلابهم لإخافتهم وحملهم على عدم العودة.
نتيجة حرمانهم من المياه اضطر السكان الفلسطينيون إالى استعمال الآبار المائية فمنعت السلطات الصهيونية منهم ترميمها، وقامت بهدم المئات من الآبار بادعاء أنّ هذه المياه ملك للسلطات وليست ملك للأفراد. فاضطر الفلسطينيون في التجمعات السكنية في الأغوار الشمالية إلى شراء المياه من أماكن بعيدة ونقلها بواسطة الصهاريج بحيث كان يكلف كوب الماء الواحد عشرات الشواقل مما حتم على الكثير من السكان بيع مواشيهم وترك أماكن سكناهم. ونتيجة لمصادرة أراضيهم ولانعدام فرص العمل اضطر الآلاف من الفلسطينيين إلى العمل في الزراعة في المستعمرات المجاورة في اجر بخس يصل إلى 50 شاقل يوميًا مقابل 12 ساعة عمل يوميًا.
وأكثر ما يُثير الحزن أنّ الكثير من الفلسطينيين وجدوا أنفسهم يعملون في أراضٍ صودرت منهم أوْ من آبائهم مقابل أجرة يومية توازي سعر كوب أو على الأكثر كوبين من الماء. كما تقوم السلطات الصهيونية بمحاصرة التجمعات السكنية في الأغوار بالحواجز العسكرية تصعب على انتقالهم من منطقة إلى أخرى وتعمل على إذلالهم واهانتهم، ولكي لا يقوم الفلسطينيون أوْ مواشيهم بتجاوز نقاط التفتيش فقامت السلطات بحفر أنفاق يصعب تجاوزها.
*عقاب إضافيّ: منع الخدمات
تمنع "إسرائيل" عن سكان التجمعات السكانية ابسط الخدمات، فبالإضافة إلى عدم وصلهم بالماء والكهرباء تمنع بناء المدارس وتمنع عنهم الخدمات الصحية والشوارع وغيرها من ابسط الخدمات، ومن خلال الزيارات إلى مناطق الأغوار الشمالية نستمع إلى عشرات القصص عن وفاة فلسطينيين نتيجة عدم تلقيهم ابسط الخدمات الطبية، وقسم منهم توفى نتيجة تأخيره على الحواجز العسكرية، وفي حين يقوم الفلسطينيون ببناء مدارس بسيطة تصدر السلطات أوامرها بهدم هذه المدارس ومعاقبة المبادرين.
كما يقوم الجيش الإسرائيلي بتدريباته العسكرية داخل المناطق السكنية الفلسطينية في الأغوار الشمالية وبين مساكن المواطنين في ساعات اليوم والليل غير مهتمين بالأطفال الذين يرتعبون من أصوات المتفجرات، ويقوم الجيش بترك بعض من ذخيرتهم في مناطق التدريبات ممّا أدى في الكثير من الأحيان لقتل وجرح العشرات من الفلسطينيين.
أمّا عن هدم مساكن الفلسطينيين هناك فحدث بلا حرج، حيث يتم كل أسبوع هدم مساكن في الأغوار الشمالية بادعاء عدم الترخيص، في حين أنّ السلطات ترفض إعطاء التراخيص في هذه التجمعات السكنية، فيقوم الفلسطينيون بنصب الخيام من جديد وتُلاحقهم السلطات "الإسرائيلية". أضف إلى ذلك الاعتقالات والملاحقات لكلّ من يناضل ضد هذا الممارسات الفاشية.
*نشاطات فلسطينيّة في الاغوار
في ظل التجاهل الرسمي الفلسطيني لما يجري في الأغوار الشمالية، وعدم مساندة السكان هناك، فإنّ هناك حاجة ماسة للعمل الشعبي لمساندة السكان الفلسطينيين، لذلك قامت فلسطينيات بالتوعية والنشر لما يجري في مناطق الأغوار الشمالية وربطها بعمليات التطهير العرقي لما يجري في جميع أنحاء فلسطين، وبادرت إلى إقامة زيارات واتصال معونات. مع بدء الزيارات إلى الحديدية والمالح ومكحول وغيرها ونشر الصور والمعلومات حول ما يجري هناك بدأ الناس يرون ويشعرون بوجود فلسطينيين قد تجاهلتهم عشرات السنين يتعرضون إلى أسوأ عملية تطهير عرقي. هذه النشاطات آدت إلى توعية محدودة حول ما يجري في الأغوار الشمالية من عملية تطهير عرقيّ، وفي أعقاب ذلك قامت الكثير من المجموعات والأفراد بنشاطات داخل الأغوار الشمالية وإيصال المعونات، إلّا أنّه سرعان ما توقفت هذه الحملات.
*مشاريع مستقبلية
تنظيم زيارات إلى التجمعات السكانية في الأغوار الشمالية لمساندة أهلنا هناك.
تنظيم حملة إعلامية واسعة لتوضيح ما يجري في الأغوار الشمالية من ممارسات فاشية هناك.
المبادرة إلى مشروع “مسيرة الحق في الحياة والماء”. النشاط يتضمن إقامة مسيرة سيارات تخرج من كل بلدة في فلسطين تحمل الماء باتجاه نقطة معينة في الأغوار الشمالية، هذه المياه توزع على الناس هناك. المسيرة تنتهي باجتماع شعبي بحضور واسع للإعلام. هذه المسيرة تكون بشراكة مع اكبر عدد ممكن من الهيئات والمؤسسات والحركات والناشطين الفاعلين في فلسطين والشتات وتكون بشراكة مع كل الهيئات في الأغوار الشمالية. قبيل هذه المسيرة، وكجزءٍ من التعبئة والتجنيد لها تكون حملة إعلامية واسعة محلية ودولية في قضية المياه وربطها في كون "إسرائيل" دولة "ابرتهايد". لتحقيق هذا الهدف يجب التواصل مع مختصين من البلاد والخارج، فلسطينيين وأجانب. نقسم العمل إلى لجان: لجنة تتواصل مع الهيئات والمؤسسات والحركات الناشطة في البلدان المختلفة، لجنة تتواصل مع شركات المياه، لجنة تتواصل مع أهل الأغوار، لجنة تعمل على تنظيم شاحنات، لجنة مهنية، لجنة إعلامية، وهذا النشاط يوازيه المسار القضائيّ.
إعداد المحامي جهاد أبو ريّا - ـ”رأي اليوم”