تمر الأيام طويلة على الطفل محمود أبو نصر (14عاماً)، والذي يعاني من مرض "أنيميا البحر المتوسط" منذ خمس سنوات، تكبّد بسببه كثير من الآلام التي لم يعد جسده الهزيل قادراً على تحمّلها، حيث بات فتح معبر رفح البري طوق نجاته الوحيد، بعدما خضع لعملية زرع نخاع شوكي في مصر، وأصبح بحاجة لمراجعة كل أربعة أسابيع، لتثبيت النخاع الشوكي، وعمل بعض الإجراءات الطبية اللازمة للحفاظ على حياته.
السفر عبر معبر "رفح" الواصل بين الجانب المصري والفلسطيني بات حلماً يراود سكان قطاع غزة المحاصرين منذ سنوات طويلة، فقد ألقى إغلاقه المستمر بظلاله على المرضى والطلبة والحالات الإنسانية، وانعكس على حياة الغزيين الاجتماعية.
حياةٌ ينتظرها الموت
يقول والد محمود "لوكالة القدس للأنباء": ابني يصارع آلامه، وبحاجة ماسة للسفر لاستكمال علاجه، وهو لا يزال على قائمة الانتظار، ولم يتمكن من مغادرة القطاع، مبيناً أنه توجه قبل أيام قليلة بطلب لوزارة الداخلية في غزة، شرح فيه ظروف ابنه الصحية، وطالب بضمه لأسماء المسافرين إلا أن طلبه لم يقابل بالاستجابة.
ويبدي أبو نصر قلقه من احتمال تدهور حالة ابنه الصحية في حال عدم سفره لتلقي العلاج، مشيراً إلى أن الأدوية التي يتناولها يومياً شارفت على النفاد، ولا تكفيه إلا لأسبوعين قادمين، ولا تتوفر إلا في مصر.
وناشد السلطات المصرية بفتح المعبر للحالات الإنسانية والمرضى والطلبة، مؤكداً أن هذه الشرائح هي التي تدفع ثمن الخلافات السياسية، رغم أنها ليست طرفاً فيها.
كومة حجار وأسلاك لَعينة
أم سليمان بحلق، سيدة لبنانية متزوجة من فلسطيني، قدمت إلى القطاع من لبنان قبل قرابة الستة أشهر استجابة لطلب ابنتها التي رغبت بأن تمسك بيدي والدتها حينما تضع مولودها الأول، فحضرت قبل الموعد المحدد للولادة بأشهر لتتمكن من مساعدتها بأكبر قدر ممكن، ظناً منها بأن مهمّتها ستنتهي بمجرد ولادة ابنتها واطمئنانها عليها في الأسابيع الأولى، ولكن أشهراً أخرى مرت دونما تتمكن من العودة إلى لبنان.
وتتضح معاناة أم سليمان بحاجتها الماسّة للسفر بسبب مرض زوجها الذي يتطلب منها التواجد المستمر معه، حيث يصاب في كثير من الأحيان بنوبات إغماء، وهبوط في نسبة السكر بالدم، وتقول: أرتقب فتح المعبر وأعصابي مشدودة لحد يجعلني لا أقوى على التفكير بأي شيء آخر، وأتمسك بأي طاقة أمل حينما تتوارد أنباء عن فتحه، ولكني سرعان ما أصاب بخيبة أمل حينما أجد أن اسمي لم يدرج ضمن كشوفات المسافرين.
تواصل حديثها: لقد أصبح الأمر مثيراً للحنق.. متسائلة: كيف يمكن لكومة من الأحجار، وبعض الأسلاك –وتقصد المعبر- أن يتحكم بمستقبل الناس وأرواحهم، لقد أضحى الدخول إلى القطاع أو الخروج منه مخاطرة كبيرة.
إغلاق المعبر يُقابله إنهاء العمل
وتؤكد مها سالم (33عاماً) أنها مهددة بترك عملها في إحدى المدارس الخاصة في تركيا، إن لم تغادر القطاع خلال فترة وجيزة، حيث مددت لها إدارة المدرسة إجازتها لأكثر من مرة بناء على طلبها، وشرحها ظروف إغلاق المعبر.
تقول: لم أرَ أهلي الذين يعيشون في غزة منذ خمس سنوات، فكنت أخشى زيارتهم بسبب المعبر، وخوفاً من إغلاقه وعدم تمكني من العودة إلى اسطنبول حيث أعيش أنا وعائلتي، ولكن اشتياقي لهم جعلني أفكر في السفر إليهم، سيّما وأن بعض وسائل الإعلام كانت تتحدث عن مباحاث مصرية فلسطينية بشأن تحسين وضع معبر رفح.
وتبين أنها حصلت على إجازة من إدارة المدرسة لمدة شهرين، ولكنها قضت أضعافها، حيث أنها تتواجد في غزة منذ حوالي العام بسبب استمرار إغلاق المعبر، مشيرة إلى أن المدرسة حذرتها من إنهاء عملها عدة مرات وعادت لإعطائها فرصاً أخرى، ولكنها أكدت بأن هذا هو التهديد الأخير لها.