/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

تقرير في الذكرى الـ 28 لاندلاعها:من إنتفاضة الحجارة إلى إنتفاضة السكاكين... المقاومة مستمرة

2015/12/09 الساعة 07:34 ص
من الانتفاضة الفلسطينية
من الانتفاضة الفلسطينية

وكالة القدس للأنباء - خاص

بين "انتفاضة أطفال الحجارة" في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1987 التي يُحيي الفلسطينيون اليوم ذكراها الـ 28، وبين "انتفاضة القدس" في الثالث من تشرين الاول/اكتوبر 2015، التي دخلت منذ أيام شهرها الثالث، الكثير من أوجه الشبه، لجهة الظروف الموضوعية بكل فروعها وتشعباتها الدولية والعربية والفلسطينية، ام لجهة الظروف الذاتية وما يتعلق منها بالقيادة الفلسطينية التي كانت (ولا تزال) تتحكم بناصية القرار في "منظمة التحرير الفلسطينية"، وبين هذه وتلك تبقى اعتداءات العدو الصهيوني ومخططاته الإستيطانية التوسعية والتهويدية، وتدنيسه المقدسات المسيحية والإسلامية، واستهدافه الممنهج للمسجد الأقصى المبارك، الموضوع على لائحة الهدم والتدمير لإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه...

ولئن كانت تلك العوامل مستفزة للشعب الواقع تحت سلطة عدو فاشي عنصري إستعماري إجلائي مدجج بكل أنواع السلاح الأمريكي والغربي وأكثره قتلاً وفتكاً وتدميراً، فإنها وبالوقت عينه ولادة للمقاومة بكل أشكالها وفي المقدمة منها الكفاح المسلح. فهذا العدو لا يفهم سوى لغة المقاومة، لغة التخاطب الوحيدة لكونها الرد الطبيعي والشرعي على العدو الذي يحتل الأرض ويغتصب الحقوق ويعتدي على المقدسات...

هذا هو الثابت الوحيد الذي لا يتغير ولا يتبدل في معادلة الصراع الحضاري المفتوح مع الحركة الإستعمارية الصهيونية الغربية مهما تغيَّرت الظروف... فالشعب الفلسطيني في ميدان المواجهة المفتوحة منذ أكثر من قرن، عينه ثابتة على فلسطين وقلبه على المقدسات وعقله يقوده من مواجهة إلى أخرى... لا توهن من عزيمته العقبات ولا العراقيل ولا فاشبة العدو ومجازره، ولا تثبط من همته التضحيات مهما عظمت وغلت، ولا تثنيه عن مقاومته وجهاده الإمكانيات ولا تخلي البعض عنه، وتركه وحيداً في الميدان "يقلع شوكه بيده" كما يقول المثل العربي... فكل ما يصل إلى يده يتحول إلى سلاح فتَّاك يرهب العدو المدجج، من الحجر الذي صار رمزاً فلسطينياً، إلى المقلاع والكوفية إلى السكين فالسيارة... فكل ما في الأرض الفلسطينية، وما عليها يعتبر أداة في المواجهة المفتوحة كشجرة الزيتون والرشاش والقاذف والصاروخ!..

إن الظروف الموضوعية التي قدَّمت لانتفاضة الحجارة في العام 1987 وسرَّعت في تفجرها من قبل أطفال فلسطين وفتيانها وشبابها، تشبه إلى حد كبير الظروف الراهنة التي أنتجت "إنتفاضة القدس" إنتفاضة السكاكين وسيارات الدهس... فعنوان المرحلتين كان تخلي النظام العربي الرسمي عن القضية الفلسطينية، وإدارته الظهر للصراع مع العدو الصهيوني، وتسريع مسارات "التطبيع"، وافتعال معارك وهمية في جبهات ارتدت وبالاً على الشعب العربي وألحقت ضرراً كبيراً بالقضية الفلسطينية، واراحت العدو الصهيوني...

ففي العام 87 بدَّل النظام العربي الرسمي وجهته، وحرف اتجاه بوصلته من القضية الفلسطينية، قضية الأمة المركزية، إلى "الجبهة الشرقية" مفتعلين عداءاً وصراعاً وحرباً مفتوحة مع الثورة الإيرانية الوليدة التي أطاحت بواحد من أبرز داعمي العدو الصهيوني، وأغلقت سفارة الكيان ورفعت أول علم فلسطيني في فضاء الثورة...

وعشية "انتفاضة القدس"، كرَّس النظام العربي الرسمي بقيادته "البترودولارية" نهج إدارة الظهر للقضية الفلسطينية، فاتحاً أبواب جهنم على مصراعيها، واضعاً كل طاقاته السياسية وثرواته النفطية والمالية لتسعير نار الحروب الاهلية والفتن الداخلية في غير بلد عربي، وخاصة تلك المحيطة بكيان العدو، واستجرار كل أساطيل الغرب لتدمير مقدرات هذه البلدان الإقتصادية والعسكرية وتفتيت نسيجها المجتمعي، كما هو حاصل في اليمن وسوريا والعراق وليبيا ومصر وتونس، ما يعود بالفائدة على أمن واستقرار الكيان الصهيوني واستمراره، ويريحه من إمكانية اندلاع حروب قد تشكل خطراً محتملاً على حاضره ومستقبله، ويبقيه أكبر قوة عسكرية في المنطقة.

أما "منظمة التحرير الفلسطينية" (وهي العامل الذاتي في معادلة الصراع) التي أخرجت من لبنان مع قواتها العسكرية كنتيجة للإجتياح الصهيوني لهذا ابلد الشقيق في العام 1982، فقد غادرت نهج المقاومة، ووطَّنت نفسها في إطار "التسوية السياسية" وضبطت سياساتها على وقع مساراتها، وراحت تقدم "البراهين" على "واقعيتها" وتخليها عن الكفاح المسلح الذي سمَّته "إرهاباً" وقبولها بقرارات الشرعية الدولية وأولها القرار 242... واعترافها بحق "إسرائيل"في الوجود، ما أدى لفتح أبواب الحوار بين "منظمة التحرير" وواشنطن التي أكدت أن "المنظمة" وفت بشروطها ففتحت أمامها أبواب الحوار.

اما راهناً، فقد أنهت "منظمة التحرير..." و"السلطة" 22 عاماً من المفاوضات العبثية مع العدو الصهيوني، كانت وبالاً على القضية الوطنية والشعب الفلسطيني الذي جزأته إتفاقية "اوسلو"، وأعطت العدو فرصاً ذهبية لتوسيع مخططاته الإستيطانية وتسريع مشاريعه التهويدية التي طالت كل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس ومقدساتها. وما زاد طينة الحالة الفلسطينية بلة،  التنسيق الأمني بين أجهزة "السلطة" والأجهزة الصهيونية التي طاردت المجاهدين وزجت بهم في معتقلات العدو و"السلطة"، وهو ما ساهم في تحويل الوجود "الإسرائيلي" إلى احتلال رخيص وآمن... ما شجعه على التمادي في الإستيطان وسلب الأراضي ومصادرة المنازل والسعي لفرض التقسيم المكاني والزماني على المسجد الأقصى، على غرار فعلته في الحرم الإبراهيمي بالخليل.

إن تخلي النظام العربي الرسمي عن الفضية الفلسطينية وإدارته الظهر لقوى المقاومة، ومغادرة "منظمة التحرير" ميادين القتال والمواجهة مع العدو الصهيوني لم تدفع الفلسطينيين للإستسلام كما ظن اللاهثون خلف سراب التسويات، وإنما عزَّزت لديهم الثقة بنهج المقاومة والمواجهة... فكانت انتفاضة الحجارة في العام 1987 التي فاجأ فيها الشعب الفلسطيني بطاقاته الكامنة التي تفجرت غضباً على المستعمر... ولم يجد الفلسطينيون سوى الحجر الذي تحوَّل بيد أطفال وفتية فلسطين إلى سلاح عجز العدو بكل ما لديه من إمكانيات عن وضع حد له... فاستمرت الإنتفاضة وتواصلت على مدى سبع سنوات لم يستطع العدو خلالها من وقفها أو وضع حد لها. إذ تحولت إلى أسلوب حياة شامل لكل المجتمع الفلسطيني على كامل الأرض الممتدة من الناقورة إلى رفح ومن البحر إلى النهر... في حين تبدَّلت حكومات العدو وتغيَّرت القيادات العسكرية والأمنية على وقع عجزهم وفشلهم في وقف الإنتفاضة بالرغم من كل الأساليب الوحشية والفاشية وسياسة تكسير العظام التي واجهت بها الأطفال والفتية.

إن عجز العدو عن وقف الإنتفاضة أو وضع حدٍ لها دفعه للإستنجاد بأصدقائه الغربيين وبعض دول "الإعتدال" العربية لتسهيل عبور "منظمة التحرير" إلى غرف المفاوضات التي انتجت فيما بعد إتفاق أوسلو الذي كان من أولى نتائجه وقف الإنتفاضة وملاحقة المجاهدين. وتحويل جزءٍ من المقاومين إلى جهاز أمني لحماية الإحتلال.

اليوم تنتفض كل فلسطين التي توحدت بفعل بطولات فتيانها وفتياتها، شبابها وشاباتها دفاعاً عن القدس والأقصى، وها هم يلاحقون جنود العدو وميليشيات المستوطنين بسكاكينهم وسياراتهم في كل الميدان الفلسطيني، ما أدخل الرعب والهلع في نفوس الصهاينة الذين أعلن قادتهم: السياسيين والأمنيين أكثر من مرة عجزهم عن وضع حدً لانتفاضة السكاكين، إنتفاضة القدس التي دخلت منذ أيام شهرها الثالث، وهي أكثر تجذرا واستمراراً على كامل الأرض الفلسطينية رغم إجراءات العدو القمعية وقوانينه العنصرية...

فبين انتفاضة الأمس وانتفاضة اليوم مسار واحد وخط بياني صاعد عنوانه رفض الشعب الفلسطيني نهج الإستسلام والخضوع لمشيئة العدو والإذعان لمخططاته ومشاريعه، وتمرده على الواقع وتجديد نهج المقاومة واستمرارها بكل الأشكال المتاحة بما فيها الكفاح المسلح، لمواجهة العدو على التحرير والعودة...

إن تجربة إنتفاضة الحجارة وما آلت إليه بفعل سياسة الإلتفاف عليها ومحاصرتها، تدعونا لأقصى درجات اليقظة والحذر من المساعي الأمريكية والغربية وبعض العربية التي تستهدف عبر شتى الأساليب والوسائل واستخدام كل أشكال الضغوط المادية والمعنوية، وأد الإنتفاضة والعودة إلى مربع المفاوضات العبثي.  

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/83863

اقرأ أيضا