تشهد ضاحية بورجيه شمال باريس اليوم الاثنين اجتماعا لزعماء العالم للتوصل إلى حل بشأن التغير المناخي الذي يشهده كوكب الأرض، ومحاولة الوصول إلى تعهدات بخفض إنتاج ثاني أوكسيد الكربون، وإن كان بدرجات متفاوتة، باعتباره أحد أهم مسببات ارتفاع درجة حرارة الأرض.
ويصل زعماء العالم الذين يقدر عددهم بـ 150 مسؤولاً، من بينهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والروسي فلاديمير بوتين إلى محادثات الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس مسلحين بوعود ومصحوبين بتوقعات كبيرة. آملين أن يتم خلال هذا المؤتمر التوصل الى أول معاهدة عالمية بشأن المناخ. وستتواصل اعمال المؤتمر بين الثلاثين من تشرين الثاني الى 11 كانون الاول 2015.
وتهدف المعاهدة المرجوة إلى الحد من ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بمعدل درجتين مئويتين أو أقل، فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وذلك عن طريق الحد من انبعاثات الكربون المسؤولة عن التغير المناخي.
وفي حال فشل القادة في التوصل إلى مثل هذه المعاهدة، فإن العلماء يحذرون من أن العالم سيصبح غير صالح للحياة البشرية، وسيشهد عواصف شديدة، وجفاف، وارتفاع منسوب مياه البحر لتغرق مساحات واسعة من اليابسة...
وتأتي هذه المحادثات بعد سنوات من المفاوضات الشاقة التي اتسمت بإخفاق قمة سابقة في كوبنهاغن قبل ست سنوات، ولكن هذا المؤتمر مصحوب بجو من التفاؤل، حيث من شبه المؤكد التوصل لشكل ما من الاتفاق بحلول منتصفكانون الأول، وهو ما سيعتبر اتفاقا تاريخيا إن حدث، كما تشير وكالة أنباء "فرانس 24".
وقد زادت الضغوط لخفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، التي يُنحى باللوم عليها في ارتفاع درجة حرارة الأرض، بعد تحذيرات من علماء المناخ ومطالب من ناشطين ونصائح من زعماء دينيين مثل البابا فرنسيس، مصحوبة بتحقيق تقدم كبير في مصادر أنظف للطاقة مثل الطاقة الشمسية.
ويحذر معظم العلماء من أن الاخفاق في الاتفاق على إجراءات قوية في باريس سيجعل العالم يشهد متوسط درجات حرارة مرتفعة بشكل لم يحدث من قبل، وتجلب معها عواصف أكثر فتكاً وموجات جفاف أكثر تكرارا، وارتفاع منسوب مياه البحر بسبب ذوبان القمم الجليدية القطبية.
وفي مواجهة مثل هذه التوقعات المثيرة للقلق يأتي زعماء أكثر من 150 دولة مسؤولة عن نحو 90 في المئة من انبعاث الغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض وهم يحملون تعهدات بخفض إنتاج بلادهم من الكربون وإن كان بدرجات متفاوتة .
ماهو الرابط بين التغير المناخي والنزاعات العالمية؟
يشهد العالم اليوم نزاعات طاحنة تولدت عنها موجات هجرة كثيفة عبر العالم زادت في حدة الأزمات الإنسانية، وهو محور سيكون جوهريا في قمة المناخ التي ستفتتح اليوم في العاصمة الفرنسية، لأن الاختلال المناخي، كما يؤكد خبراء، عامل مسبب لتفاقم النزاعات.
وعشية افتتاح القمة حذر الاختصاصي في الجغرافيا السياسية للمناخ في جامعة العلوم السياسية في باريس فرانسوا جيمين، على غرار العديد من الخبراء، من أن الاختلال المناخي سيسهم في تفاقم الأزمات والنزاعات. ولمواجهته شدَّد على "وجوب التفكير في آليات تعاون بين الدول".
فكيف يمكن أن يغذي التغير المناخي النزاعات؟
أجاب الاختصاصي فرانسوا جيمين على هذا السؤال بالقول، إن التغير المناخي يؤثر على الأمن الغذائي والصحي والمائي، ونعلم أن هذه الرهانات تشكل عوامل قوية للاحتجاج والثورة. وثمة دول ضعيفة قد لا تكون قادرة على تلبية الحاجات الحيوية لشعوبها.
وقد تنشب نزاعات أيضا حول الموارد، علما بأن ثلثي أحواض الأنهار تتقاسمها دولتان أو أكثر.
وربما تكون مرتبطة كذلك بإدارة تدفق للمهاجرين. وهو ما تؤكده حالة الارتباك التي تشهدها أوروبا أمام التحدي الذي يطرحه اللاجئون من سوريا، وذلك لا ينبئ بشيء إيجابي لجهة قدرتها على إدارة حركات التدفق المقبلة المرتبطة بالتغير المناخي.
مصير الأراضي
وثمة رهان آخر قلما يجري الحديث عنه وهو مصير الأراضي. ففي فيتنام سيرتفع مستوى البحر بمقدار المتر وستغمر المياه 25 ألف كيلومتر مربع، أي 10% من الأراضي بحلول نهاية القرن. وسيكون من الصعب بناء سد عملاق لذلك سيتعين على الحكومة اختيار أي جزء ستحمي. وذلك يشكل موضوعا نزاعيا بامتياز لدى الشعوب.
لا بد أيضا من توقع مشكلات قانونية. ففي بداية الألفية الثانية أراد "أرخبيل توفالو" إحالة الولايات المتحدة وأستراليا أمام محكمة العدل الدولية لانتهاك سيادة أراضيه بدافع أن هاتين الدولتين الملوثتين للجو تاريخيا لا تعتزمان التصديق على بروتوكول كيوتو المتعلق بالمناخ. لكن المحاكمة لم تحصل لأن أستراليا والولايات المتحدة هددتا بقطع المؤن عن الأرخبيل.
إلا أن دولا أكثر اقتدارا قد تطلق هذا النوع من الخطوات ويمكن تصور أن ذلك سيتسبب بنزاعات".
إلى أي حد سيتحمل العالم آثار الارتفاع الحراري؟
وفق فرانسوا جيمين "هذه المشاكل ستشتد إذا لم يتم التحسب لها بشكل جيد. يجب التفكير بآليات تعاون".
فعلى سبيل المثال بشأن المياه، فبقدر ما لهذا المورد من أهمية حيوية لاحظنا تاريخيا أن البلدان كانت تميل بالأحرى للتعاون. والجزر المهددة بالغرق قلقة لما ستصبح عليه مياهها الإقليمية التي تحدد قياسا إلى المسافة من الشاطىء. لكن يمكن ترسيم هذه الحدود مع إحداثيات جغرافية أخرى.
والرابط بين التغير المناخي والأمن قد أقر مع منح جائزة نوبل للسلام في 2007 إلى آل غور نائب الرئيس الأمريكي السابق ومجموعة الخبراء الحكومية حول التغير المناخي. وعلى المستوى السياسي فإن الأمر بدأ يظهر.
فهناك وزارات دفاع لديها أقسام مخصصة للمناخ. لأن مهمات الجيش ستتطور على الأرجح (عمليات إجلاء وغيرها). وكذلك المعدات، حتى المروحيات التي يختلف توازنها عندما يكون الهواء ساخنا وسيتعين بالتالي بناؤها بصورة مختلفة".
إحتجاجات عالمية
عشية انعقاد قمة المناخ، نظمت مظاهرات احتجاجية في أنحاء مختلفة من العالم للمطالبة بضرورة توصل الزعماء المجتمعين إلى معاهدة تحول دون تدهور الأوضاع المناخية، أثناء مشاركتهم في قمة المناخ التي تنعقد في العاصمة الفرنسية باريس.
وخرجت مسيرات احتجاجية في مختلف أنحاء العالم السبت لمطالبة قادة العالم بالتوصل إلى اتفاق قوي لمكافحة الاحتباس الحراري أثناء قمتهم في باريس. واتخذت تدابير أمنية مشددة لاحتضان فعاليات القمة بعد الاعتداءات الإرهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية في 13 تشرين الثاني الجاري.
فمن أستراليا إلى نيوزيلندا والفيليبين وبنغلادش واليابان، شارك المحتجون في تظاهرات في أول أيام عطلة نهاية الأسبوع، التي ستشهد مسيرات تدعو القوى الكبرى إلى تجاوز الخلافات عند افتتاح قمة المناخ رسميا في باريس اليوم الإثنين.
واحتشد آلاف المتظاهرين في مدينة ملبورن الأسترالية، وحملوا لافتات كتب عليها "احموا بيتنا المشترك".