لم تكن مشاهد التحقيق مع الطفل المقدسي أحمد المناصرة التي تم تسريبها على وسائل الإعلام بغرض إرهاب الشعب الفلسطيني، وتصوير العدو الصهيوني على أنه واحة من الديمقراطية، إلا ذر الرماد في العيون، فما يجري في أقبية التحقيق من تعذيب وانتهاك صارخ لكافة الشرائع وحقوق الإنسان يصعب سرده أو الحديث فيه.
وكانت عدة منظمات معنية بحقوق الإنسان، إضافة إلى عدد من الأسرى الذين تعرضوا للتنكيل والتعذيب من قبل "الشاباك" تقدموا بشكاوى عديدة ضد ما يقوم به الجهاز، وضد ظروف الاعتقال الصعبة في السجون، لكن كافة شكواهم ضربت بعرض الحائط ولم يأخذ بها، بل تمادى المحققين في تعذيبهم للأسرى الفلسطينيين، وخاصة مع بدء اندلاع انتفاضة القدس المباركة.
تعذيبٌ مشروع
ويقول الباحث المختص في شؤون الأسرى فؤاد الخفش :"إن حكومة الاحتلال الصهيوني الوحيدة التي تُشرّع قضية التعذيب في السجون".
وتابع الخفش خلال قائلاً: "الكيان لا يعترف بالاتفاقيات الدولية التي تحرم التعذيب خلال التحقيق، كما أنها لم توقع على أية مادة تجرّم هذا النوع من التحقيق".
وطوال سنوات عديدة لم يقبل الكيان أية شكوى قدمت لها بشأن التعذيب أثناء التحقيق كي لا تسجل سابقة ضده ولا تفتح الطريق أمام الأسرى الفلسطينيين لرفع شكاوى لكثرتها.
وبحسب الخفش فإن "جهاز "الشاباك" استغل هذه البيئة التي تتيح له استخدام كل أنواع التعذيب والضغط على الأسرى خلال التحقيق لممارسة شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي وخاصةً ضد النساء والأطفال".
ورغم إغلاق الباب لرفع شكاوى أمام القضاء الصهيوني، إلا أن هذا الباحث يرى أن هناك طرقاً أخرى لإثارة هذه القضايا وخاصةً بعض التقارير المصورة التي تفضح الاحتلال، وخاصة تلك التي تتعلق بالتعذيب ضد الأطفال الفلسطينيين في الأسر، مؤكداً أن الفيديو الذي تم تسريبه للطفل أحمد المناصرة كان الهدف منه إرهاب الأطفال الفلسطينيين، وتحسين وجه الاحتلال الصهيوني أمام العالم، لكن تلك الصورة تعد جزء قليل من الممارسات العدوانية التي مورست وتمارس بحق الأطفال الفلسطينيين التي لم توثقها الكاميرات.
ودعا الخفش المؤسسات المعنية بشؤون الأسرى والمستوى السياسي الرسمي للاستفادة من هذه الصورة وغيرها من التقارير بهدف الضغط على كيان الاحتلال عبر المحافل الدولية لوقف هذه الإجراءات ضد الأسرى، وملاحقة القائمين عليها دولياً.
وطالب السلطة الفلسطينية بشكل خاص بالعمل على حشد كل تأييد دولي لتدويل قضايا الأسرى وفضح الممارسات الصهيونية بحقهم.
ممارسات ممنهجة تتصاعد
بدوره حذر مدير مركز الأسرى للدراسات الأسير المحرر رأفت حمدونة من سياسة استهداف ممنهجة تنال من الأسرى الفلسطينيين في أعقاب الاعتقالات العشوائية بالعشرات يومياً وارتفاع عدد المعتقلين في السجون الصهيونية في أعقاب انتفاضة القدس.
وقال مدير مركز الأسرى للدراسات: "هنالك الكثير من الانتهاكات التي لا تعد ولا تحصى، قامت بها أجهزة الأمن بشكل ممنهج ومدروس قد ضاعفت معاناة الأسرى في الأسابيع الأخيرة، فقامت بحملات التنقل الواسعة في أوساطهم بغية إعاقة استقرارهم، وصعوبة استيعاب المعتقلين الجدد من قبل القدامى والقيادات، وإرباك الأهالي في الزيارات لعدم معرفة مكان اعتقال أبناءهم في السجون والمعتقلات الصهيونية"، مؤكداً تعرض العديد من الأسرى للاعتداءات والضرب والإذلال والإرهاب وخاصة شريحة الأطفال والأسيرات، عدا عن الاكتظاظ في الغرف بشكل لا يقبله العقل والمنطق".
وحذر حمدونة من خطورة تمادي إدارة مصلحة السجون في عدم توفير الاحتياجات الخاصة لهم والمتمثلة بالأغطية والطعام الكافي الذي يقتات منه الأسرى في ظل أجواء البرد القارص، متهماً حكومة الاحتلال بالاستهتار الطبي وخاصة بحق المصابين الأسرى والجريحات الأسيرات في المستشفيات ومع ذوى الأمراض المزمنة، ولمن يحتاجون لعمليات عاجلة.
ودعا مدير مركز الأسرى المؤسسات الدولية بمتابعة الانتهاكات في السجون، من حيث وسائل التعذيب وقسوتها، والتعامل اللإنساني معهم منذ لحظة اعتقالهم، وأماكن الاعتقال المزدحمة والخالية من أدنى الشروط الأساسية التي نصت عليها الاتفاقيات والمواثيق الدولية، والتي حفظت لهم الحقوق الأساسية، مطالباً المؤسسات الحقوقية والدولية بالضغط على الاحتلال للالتزام بالقانون الدولي الإنساني في التعامل مع الأسرى، وتطبيق الاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة التي تؤكد على الحقوق الأساسية والإنسانية للأسرى والمعتقلين في السجون الصهيونية.
الضغط سيولد الانفجار
ومن جهته قال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع: "إن استمرار الضغط الصهيوني على الأسرى بالسجون وتنفيذ قوانين وإجراءات تعسفية وعنصرية بحقهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية سيطلق شرارة انتفاضة شعبية جديدة في الأراضي المحتلة".
وأشار إلى أن الوضع بدأ لا يحتمل، وإن الأسرى قادرون على استقطاب الشارع الفلسطيني في أي تحرك، وإن تداعيات الإضرابات المفتوحة عن الطعام ضد الاعتقال الإداري أخذت بعدا انتفاضياً في الضفة الغربية.
وقال قراقع أن حكومة الاحتلال العنصرية تتحمل المسؤولية عن كل ما يجري في السجون بعد أن وضعت الأسرى هدفاً انتقامياً لها، وسنت قوانين خطيرة على المعتقلين تنتهك كافة المعايير الدولية.
وحذر قراقع أن سقوط شهداء في صفوف الأسرى سوف يفجر الأوضاع في ظل استمرار سياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى المرضى الذين باتت حياة بعضهم مهددة بالموت في أية لحظة، بالإضافة إلى التعذيب القاسي الذي يتعرض له الأسرى في أقبية التحقيق.
واعتبر قراقع أن وضع الأسرى مقلق للغاية، ولم تمر الحركة الأسيرة في ظروف صعبة وتتعرض لعدوان شامل من قبل حكومة الاحتلال كما يحدث في السنوات الأخيرة.
وطالب قراقع " إن على المجتمع الدولي القيام بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية لتوفير الحماية للأسرى وفق القانون الدولي، وإن انفجار الوضع بالسجون سيهدد الأمن والسلم العالميين".
المصدر: الإعلام الحربي