قائمة الموقع

تقرير مقابر الأرقام عقاب يطال الفلسطينيين الأحياء منهم والأموات

2015-11-07T11:24:47+02:00
شهداء تم تسليم جثامينهم بعد احتجازها في مقبرة الأرقام (أرشيف)

أن تفرض "إسرائيل" عقوبات قاسية بحق الفلسطينيين الأحياء، أصبح أمراً مألوفاً لدى العالم بأسره، فالحصار والحواجز العسكرية، والإعتقالات والإغتيالات، وهدم المنازل واقتلاع الأشجار، ومصادرة الأراضي.. كلها أشكال وأجزاء من هذه العقوبات، لكن الأمر الذي لا يمكن أن يستوعبه عقل بشر، أن يتخطى حد معاقبة الأحياء إلى الأموات!!.

هذا ما يحدث بالفعل في مقابر الأرقام.. تلك المقابر الجماعية التي أنشأها الإحتلال "الإسرائيلي" منذ بداية الصراع العربي – "الإسرائيلي"، لتحتجز فيها جثامين وأشلاء الشهداء الفلسطينيين والعرب، الذين قضوا في المعارك، بعد أن نفذوا عمليات فدائية ضد أهداف "إسرائيلية"، أو قضوا داخل معتقلات الإحتلال، أو تم اغتيالهم في عمليات لما تسمى «القوات الخاصة الإسرائيلية»، ومنذ ذلك الوقت، وهذه المقابر تعتبر مناطق عسكرية مغلقة، يحظر دخولها أو حتى الوصول اليها.

تاريخ وعدد مجهول

سميت مقابر الأرقام بهذا الإسم؛ لأن لكل جثمان فيها رقم مسجل على لوحة من الصفيح، وتقول "إسرائيل" أن هذه الأرقام هي أرقام ملفات الضحايا وليست لرقمهم التسلسلي وفقاً لتاريخ قتلهم ودفنهم، ولا يوجد تاريخ محدد يبين متى أُنشئت أول مقبرة للأرقام. غير أن أول عملية دفن جماعي للذين قتلوا على أيدي قوات الإحتلال بدأت في حرب العام (1948)، وكانت بشكل عشوائي، ثم أصبحت رسمية وأكثر تنظيماً وتخضع لإشراف وزارة جيش الإحتلال بعد حرب حزيران العام (1967). ثم زادت عمليات الدفن الجماعي خلال اجتياح لبنان في العام (1982)، مع الإزدياد المطّرد في أعداد الضحايا الذين وقعت جثامينهم في أيدي قوات الإحتلال.

وحتى الآن تم الكشف عن أربع مقابر للأرقام. إلا أن جهات في السلطة الفلسطينية ترجح وجود عدد سري آخر يخضع لرقابة وزارة جيش الإحتلال. وتعد مقبرة «جسر بنات يعقوب» الواقعة في منطقة عسكرية عند ملتقى حدود فلسطين وسوريا ولبنان، أكبر هذه المقابر حجماً، حيث تضم وفق إحصائيات "إسرائيلية" رفات (500) شهيداً، من جنسيات فلسطينية ولبنانية وسورية وأردنية وأخرى عربية مختلفة.

وليس ثمة ما يدل على هويات من فيها سوى لوحات الصفيح التي تحمل أرقاماً مُحيت بمرور الزمن. وتعتبر مقبرة «ريفيديم» في غور الأردن، والتي تسميها "إسرائيل" مقبرة «قتلى الأعداء»، ثاني أكبر هذه المقابر، حيث يرقد فيها رفات نحو (100) شهيد، نصفهم من جنسيات عربية مختلفة سقطوا بعد حرب (1973)، والنصف الآخر لمواطنين استشهد معظمهم في عمليات أو اشتباكات مع قوات الإحتلال أو تمَّ اغتيالهم من قبل "إسرائيل"، ومن بينهم نحو (30) مواطناً، نفذوا عمليات فدائية منذ العام (1994)، كما سُربت أنباء عن مقبرتين أخريين للأرقام، غير معلوم كم تضمان من الرفات. لكن قيل أن إحداهما مجاورة لمقبرة "ريفيديم"، والأخرى تسمى بـ"مقبرة شحيطة"، الواقعة في قرية واد الحمام شمالي طبريا حيث وقعت معركة حطين.

يقول عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى، لـ"الدستور": إن حكومة الإحتلال لا تزال تحتجز رفات أكثر من (150) شهيداً من أبناء الضفة والقطاع، منذ عدة سنوات وترفض تسليمهم إلى ذويهم، مشيراً إلى أن هؤلاء الشهداء محتجزين منذ استشهادهم في مقابر الأرقام، وفي أوضاع مهينة دينياً وأخلاقياً، حيث تخضع هذه المقابر لرقابة عسكرية، مشدداً على أن القوانين الدولية وإتفاقيات جنيف الرابعة تمنع إحتجاز رفات الشهداء، وتلزم دولة الإحتلال بتسليمهم إلى ذويهم، معتبراً أن احتجاز جثامين هؤلاء الشهداء لسنوات طويلة يشكل عقاباً لا إنسانياً ومضاعفاً لذوي الشهداء وأحزانهم، وهو سياسة عقاب جماعي لامثيل لها في التاريخ الإنساني.

عقاب وابتزاز سياسي

ورغم أن الإحصائيات المختلفة تشير ألى أن عدد الشهداء في مقابر الأرقام يتراوح ما بين (200 – 600)، إلا أنه لا يوجد رقم محدد لعدد هؤلاء الشهداء، هذا إضافة إلى أن مصادر أخرى أكدت أن الرقم الحقيقي لشهداء مقابر الأرقام أعلى بكثير من الرقم المذكور، وأن هناك آلاف المفقودين الفلسطينيين والعرب الذين اختفوا بعد أسرهم أو اختطافهم من قبل قوات الإحتلال، أو أولئك الذين لم يُعرف عن مصيرهم شيء، خلال الحروب والمعارك المختلفة.

وتدَّعي سلطات الإحتلال أن الموجودين في مقابر الأرقام هم «مخربين»، وأنها لا تعرف أنسابهم أو أصولهم أو هوياتهم، زاعمة أنها أعادت كل من تمَّ التعرف على هوياتهم إلى ذويهم، الأمر الذي يتنافى مع ما تورده سجلات مؤسسة «رعاية أسر الشهداء» في مدينة رام الله، والتي تشير إلى أن سلطات الإحتلال تحتجز جثامين (108) شهداء، غالبيتهم معروفين تماماً لدى عائلاتهم، إضافة إلى تواريخ استشهادهم، وفي حالات أخرى تدَّعي سلطات الإحتلال أنها تحتجز بعض الجثامين إلى حين الإنتهاء من تشخيصها وفحصها، والتأكد من هوية أصحابها، الأمر الذي تدحضة سجلات «رعاية أسر الشهداء» أيضاً.

وبحسب المؤسسة ذاتها، تتبع "إسرائيل" أحياناً سياسة إنتقائية في احتجاز جثامين الشهداء، فلا يوجد لديها تفسير واضح حول أسباب احتجاز الشهداء من غير «الإستشهاديين»، الذين تحتجزهم كنوع من العقاب على عملياتهم، كما أن لديها نهج واضح في عملية الإفراج عن رفات الشهداء، حيث تستخدم هاتين الورقتين للإبتزاز السياسي.

حتى الأموات لم يسلموا

في أحدث تقرير صدر عن "السلطة الفلسطينية" قال مدير دائرة الإحصاء في وزارة الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة: «إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعاقب الميت»، مؤكداً أنه إلى جانب مقابر الأرقام الجماعية، فإن "إسرائيل" تحتجز العديد من الجثث لفلسطينيين وعرب داخل ثلاجات، كمعاقبة لأجساد الشهداء بعد موتهم، وحرماناً لذويهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة، الأمر الذي تؤكده مصادر فلسطينية مطلعة، حيث أكد غير مصدر في "السلطة الفلسطينية".

المفقودون.. هل ضمتهم مقابر الأرقام؟

قد تختلف الأسماء أحياناً في وصف حالات الضحايا الفلسطينيين، الذين خلفتهم آلة الدمار والقمع الإحتلالية، لكن المصير غالباً ما يكون مشتركاً، أن لم يكن مشابهاً تماماً. فإلى جانب شهداء مقابر الأرقام، هناك عدد كبير من الأسرى الذين تم تصنيفهم على أنهم «مفقودون»... وعن ذلك يقول حسام الحاج حسن، عضو الهيئة الوطنية للبحث عن المفقودين: إن الهيئة تجري باستمرار اتصالات مع الجهات الفلسطينية والأردنية والدولية، للضغط على حكومة الإحتلال لفتح مقابر الأرقام التي تعتبر مناطق عسكرية مغلقة أمام عائلات الضحايا، لكن هذه المحاولات عادةً ما تبوء بالفشل، مؤكداً أن فتح هذه المقابر سيشكف عن مصير مئات المفقودين، الذين يمكن أن يكونوا دفنوا في هذه المقابر دون علم من ذويهم.

شهداء مجزرة جنين.. أين دفنوا؟

في شهر نيسان من العام (2002)، وخلال الإجتياح الشهير لمناطق الضفة الغربية، جعل الإحتلال "الإسرائيلي" من مخيم جنين عنواناً لجريمة جديدة، تضاف إلى سجل جرائمه، حيث استباحت قوات الإحتلال المخيم تحت سمع وبصر العالم أجمع، فقتلت العشرات إن لم يكن المئات من سكانه واختطفت جثامينهم، وما زال الغموض الشديد يلف موضوع نقل جثامين الشهداء التي جمعت من مخيم جنين وشحنت بمراقبة القيادة العسكرية "الإسرائيلية" في شاحنات مبردة إلى مقبرة حفرها وأعدَّها الجيش "الإسرائيلي" بالقرب من جسر دامية في وادي الأردن، تمهيداً لدفنها في مقابر الأرقام.

وفي هذا السسياق، يؤكد النائب العربي في الكنيست محمد بركة، أن لديه معلومات مؤكدة عن دفن عدد من ضحايا مجزرة جنين في مقبرة جماعية، إضافة إلى عدد آخر نقلوا في شاحنة "إسرائيلية" دون أن تعرف وجهتها.

إنتهاك الحد الأدنى للكرامة

كانت الصحافة "الإسرائيلية" قد تحدثت في وقت سابق عن كلاب برية شوهدت في إحدى مقابر الأرقام وهي تلتهم أشلاء جثث نبشتها من القبور التي تفتقر إلى الحد الأدني من المقاييس الإنسانية في عملية دفن الميت، موضحة أن أجساد الشهداء تُلقى في حفر لا يتجاوز عمقها المتر الواحد وعرضها الخمسين سنتيمتراً، فيما دفنت جثث أخرى بشكل جزئي، ووضعت أخرى في أكياس بلاستيكية يمكن رؤية ما فيها بالعين المجردة.

مقابر الأرقام من جديد

في الأيام الأخيرة، عادت قضية مقابر الأرقام للظهور مجدداً في المشهد الفلسطيني، وهي التي لم تختفِ أصلاً من ذاكرة أهالي من دُفنوا فيها، حيث تحتجز سلطات الإحتلال جثامين (11) شهيداً، ارتقوا منذ بداية الشهر الجاري، خلال المواجهات مع قوات الإحتلال ضمن ما بات يُعرف بـ"الإنتفاضة الثالثة" أو «إنتفاضة القدس»، وأعلنت هذه السلطات صراحة، أنها لن تُسلّم هذه الجثامين، وستنقلها إلى مقابر الأرقام، الأمر الذي أثار مخاوف شديدة لدى أهاليهم، بأن يواجه أبناؤهم مصير من سبقوهم من الشهداء، والذين لم تحل قضيتهم منذ سنوات الإحتلال الأولى، وحتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من السعي الجاد للعديد من المؤسسات الحقوقية والإنسانية، المحلية والعربية والدولية، لفتح  ملف المقابر الجماعية والإنتهاء منها بتسليم جثث الشهداء إلى ذويهم، إلا أن هذا الملف الضخم والغامض، يحتاج إلى جهود مضنية على المستوى الفلسطيني والدولي، للضغط على "إسرائيل" وإجبارها على وقف انتهاكاتها للحقوق الإنسانية، لا سيما تلك المتصلة بإكرام الميت ودفنه.

المصدر: الدستور الأردنية

اخبار ذات صلة