وكالة القدس للأنباء - خاص
بمرارة تصل حد الصدمة، يبتعد الإعلام العربي عن نصرة قضايا أمته، وبخاصة انتفاضة القدس التي يخوضها الشعب الفلسطيني اليوم، فيما الإعلام الصهيوني مجتمعاً، يخوض أشرس معارك التحريض والتشويه تجاه الانتفاضة، ويدعو إلى المزيد من سفك دماء الأطفال والنساء والشيوخ.
يبدو الإعلام الإعلام العربي وكأنه في خندق رديف، يتعاطى مع هذا الحدث بأسلوب خجول وباهت، بل وبعضه يدافع عن الصهيانة أيضاً للأسف الشديد.
فبعض وسائل الإعلام العربية وصلت بها الوقاحة حد تبرير مجازر العدو، واعتبار أن ما يقوم به الفلسطينيون "عمل تخريبي"، ووصف شهداء الانتفاضة بالقتلى، بينما أصبغ صفة "الشهداء" على القتلى "الإسرائيليين"؛ ورأى بالأعمال البطولية والاستشهادية التي ينفذها شباب الانتفاضة بأنها "ممارسات شغب" ضد الجنود والمستوطنين، قالباً بذلك كل الحقائق، ومساهماً مع الإعلام الصهيوني في حملة التضليل والتشكيك وزرع الفتنة.
ولو تابعنا ما يكتب اليوم على صفحات بعض وسائل الإعلام العربية الصفراء، لأدركنا أي درك وصلنا إليه في هذا السياق، فاعتبر البعض أن بطولات الفلسطينيين "جرائم يرتكبها الفلسطينيون بحق الصهاينة"، وهو ما أكد عليه كاتب كويتي في مقال له بالقول: "هكذا ينتصر الحق الإسرائيلي على قلة مناصريه، ويهزم البطل الفلسطيني على الرغم من كثرة المصفقين له".
ولم يكن معظم الإعلام العربي في حديثه عن الانتفاضة، بعيداً عن هذا الطرح السيء، فاستضافت إحدى المحطات الشهيرة والتي كانت تعتبر رائدة فيما مضى في تغطية أخبار الانتفاضة مثلاً ضيوفاً صهاينة عدة، وأفسحت لهم المجال كي يدلوا بدلوهم في تقزيم الحدث، وتحريف أهدافه ومهاجمة أبطال السكاكين. وعلى سبيل المثال، استضافت هذه المحطة في إحدى حلقاتها، متحدثاً باسم وزارة خارجية العدو، فقدم للمشاهد وللرأي العام في كل مكان، أن "إسرائيل" مسالمة، وتوفر كل مستلزمات الخدمات الإنسانية للفلسطينيين، فتسمح للتلاميذ بالذهاب الى الجامعات والمدارس دون أية مضايقات، وتساعد المسنين، وتتيح لهم المجال للصلاة في المسجد الأقصى، وتسهل للعمال العمل والتنقل.
يقدم المتحدث كل هذه الترهات والأكاذيب، دون أي تدخل من قبل المذيع للتصحيح أو المقاطعة أو الرد، فيستغل المتحدث هذه الفرصة ليحث الدول والحلفاء والأصدقاء، على إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن "العنف" والعيش بـ"أمان".
أما نشرات وبرامج قناة عربية أخرى، من المفترض أنها وجدت لتنافس الأولى، فاستخدمت مصطلحات تسيء كثيراً للشعب الفلسطيني وانتفاضته، ودماء الشهداء، حيث وصفت مراراً شباب الانتفاضة بـ"المعتدين"، واعتبار الشهداء "قتلى".
وفي التدقيق ببقية النشرات أو التغطيات الإعلامية العربية، فإننا نلحظ أن خبر الانتفاضة ثانوي، مهمش، مختصر، بينما التركيز ينصب على عناوين وأخبار عادية، وقد تكون سخيفة تحاكي العامة بأسلوب سطحي.
لقد طغى هم ومشاكل بعض الدول على إعلامها، فتحول بوقاً للدفاع عن هذا الزعيم أو ذاك، أو ناقلاً لتصريحات رسمية، أو لمعلومات أوردتها وسائل إعلام غربية، هي في الأساس داعمة لـ"إسرائيل" ومتعاطفة معها، وبذلك يصبح هذا الإعلام ناقلاً للباطل عن دراية أو دون دراية.
كان الشعب الفلسطيني، وفي مقدمه أبطال اتنفاضة القدس، يتوقعون دعماً وانحيازاً إعلامياً عربياً لهم، غير أن ما شاهدوه وقرؤوه خيب آمالهم كثيراً، فهذه الانتفاضة نجحت في إرباك العدو، وهذا ما عكس نفسه على إعلامه، حيث نلحظ ضياعاً في مصطلحاته، فمرة يستخدم تعبير "انتفاضة" ومرة اخرى يصفها بـ"موجة إرهابية" وثالثة يراها "حريقاً في المناطق".
أمام هذا الواقع الإعلامي العربي، الذي يسير على نهج أنظمته، لا يملك المرء إلا أن يتألم للدرك الذي وصلنا إليه. وبدل أن يكون هذا الإعلام سنداً قوياً للمظلوم ضد الظالم، أصبح سكيناً في ظهر الأول.
ألا يوجد شيء من الخجل، لتبديل هذه الصورة، أم أن قاعدة "إن لم تستح فافعل ما شئت" هي السائدة؟ وكل ما تسمح لنا أخلاقنا قوله: "يا عيب الشوم.." تحلوا بشيء من الأخلاق والمهنية، لعلكم تستعيدون بعضاً من ماء الوجه.
