بدأت الأعياد اليهودية اعتبارا من يوم الأحد الثالث عشر من أيلول (سبتمبر)، ومع أن الاقتحامات للمسجد الأقصى كانت قد بدأت طوال أيام وأسابيع سابقة، إلا أن وتيرتها تصاعدت منذ بداية أيام الأعياد، وفي الأيام التالية، بهدف فرض واقع جديد؛ يتمثل في تقسيم زمني ومكاني للدخول واقتحام المسجد الأقصى، حيث تخطط قوى الاقتحام الصهيوني لإقامة هيكل سليمان الذي لم يكتشف حتى الآن أي أثر له لا تحت الأرض ولا فوقها على أنقاض المسجد الأقصى، وهذا الأمر يأخذ أبعادا مرحلية تدرّجيّة، تجس وتتحسس ردود الأفعال، لتتحدى وتصل إلى هدفها المنشود، إذا ما وجدت أن ما تقوم به يمكن أن يمر، حتى وإن كان هناك من خسائر.
إن العنف الوحشي الذي تمارسه سلطات الاحتلال، ويتعرض له سكان القدس، ومن يرابط في المسجد الأقصى، ومن يحاول الوصول إليها معا، من سكان المدن والقرى الفلسطينية الأخرى، فإنه يتعرض للمنع وإلى أقسى الإجراءات وأشدها تنكيلا وتعذيبا. وكثيرا ما صلى فلسطينيون على اسفلت الطرق التي تحيط بالمسجد الأقصى في حال وصولهم إلى هناك.
إن الهجمة الشرسة الأخيرة والتي تم فيها اقتحام المسجد، وتدمير بعض نوافذه وتكسير بعض زجاجه وحرق أجزاء منه؛ إن ذلك يوحي ويؤكد بأن قرارات قد اتخذت في أعلى المستويات الرسمية، وبالتنسيق بين قيادات المستوطنين، وقيادات الجيش والشرطة، بهدف تنفيذ وفرض التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، وما اقتحام قائد الجيش ومسؤول الشاباك قبل أسابيع قليلة لباحات الأقصى، إلا تكرارا مماثلا لذاك الاقتحام الذي نفذه إرييل شارون في العام 2000.
هم روادهم
بدلا من أن تمنع الحكومة "الإسرائيلية" بعد اجتماعها مساء الخامس عشر من الشهر الماضي (أيلول/ سبتمبر)، اعتداءات المستوطنين، وأفراد الشرطة ضد المرابطين والمرابطات، فإنها بحثت في تشديد العقوبات على من يرمي الحجارة أو الزجاجات الحارقة، أو حتى المفرقعات على مكونات العدوان، أي المستوطنين وأفراد الجيش والشرطة.
علينا التذكير بأن المستوطنين هم مكون أساس من مكونات السلطة في "إسرائيل"، كما وعلينا التذكير في هذا المجال بأن وزير الحرب في غير حكومة "إسرائيلية"، أي موشيه دايان ذكر في نهاية ستينيات القرن الماضي: «إن المستوطنين هم روادنا». كما ان ما يسمى رئيس الدولة الحالي رؤوبين ريفلين قال منذ أيام قليلة عن المستوطنين «إن حركة الاستيطان في مختلف أنحاء فلسطين هي بمثابة الدرع الواقي الأخلاقي والعملي لإسرائيل».
إن سياسة ردود الأفعال التي دأبت قيادات فلسطينية وعربية وإسلامية، على اتباعها في التعامل مع قضايا مصيرية وخطيرة، تجعل من اللهاث قاصرا وعاجزا عن الرد، ومواجهة المخاطر التي تحيق بقضايانا ومشاكلنا، وعلينا أخذ العبرة المتأخرة مما تم في المسجد الإبراهيمي في الخليل. أفلم يدق ناقوس الخطر منذ أن تم تقسيم ذلك المسجد زمانيا ومكانيا، ليتم التعامل بجدية مطلقة وبتخطيط مدروس، وباستشراف مسؤول لما يمكن أن يتعرض له المسجد الأقصى..
هكذا تتم الاستهانة بالأخطار الداهمة. فإلى متى يبقى بعضنا كالنعامة يدفن رأسه في الرمال؟ ولا يمارس غير الزعيق ورفع الصوت عاليا من دون ما أدنى فعل، تجاه الأخطار التي باتت محدقة بأقدس أقداس المسلمين والمسيحيين في المدينة المقدسة؟
المصدر: المستقبل اللبنانية / سليمان الشيخ
