منذ الأيام الأولى لانتفاضة القدس، عمّت المسيرات الاحتجاجية المدن والبلدات في فلسطين المحتلة عام 1948، من يافا إلى الناصرة، وأم الفحم وحيفا، ثم في عكا، وسخنين وعرابة البطوف وغيرها من القرى الجليلية وفي المثلث، رفضاً لتهويد مدينة القدس والمسجد الأقصى. منذ انطلاقة شرارة الانتفاضة، والجماهير الفلسطينية، لا سيما الشباب منها، تواجه بطش وإرهاب الشرطة الصهيونية، التي اعتقلت حتى اليوم المئات من المنتفضين، ومن بينهم قاصرين وقاصرات، أثبتوا، كما يقول المحامي رياض محاميد أنهم "جدعان" يعون تماماً ما يفعلون، وصامدون في غرف التحقيق.
لم تكن مشاركة فلسطينيي 48 في انتفاضة القدس مفاجأة، إذ تحتل مدينة القدس ومقدساتها المكانة الأعلى في وجدانهم واهتمامهم، لا سيما بعد إطلاق الحركة الإسلامية صرخة "الأقصى في خطر" قبل أكثر من عشر سنوات، خلال انتفاضة الأقصى. منذ تلك الأيام وما بعدها، أصبح المسجد الأقصى في صدارة اهتمام الجماهير الفلسطينية في الداخل، الذين يتابعون عن قرب التهويد الزاحف والقاتل لمدينة القدس المحتلة. منذ تلك الأيام، وتتجند جماهير الداخل المحتل في 1948 لحماية المقدسات، في القدس ومناطق أخرى في فلسطين، كما تتجند لحماية حق عودة اللاجئين إلى قراهم وبلداتهم ومدنههم، وحماية ذاكرة النكبة، إلى جانب معركتهم ضد مصادرة أراضيهم وتهويد أحياءهم وتدمير قراهم وبيوتهم في النقب والجليل.
بعد محاصرة مدينة القدس من قبل العدو ومنع أهل الضفة والقطاع من التنقل إلى مدينتهم، شعر فلسطينيو 48 بمسؤولية الدفاع عن القدس والمقدسات وحمايتها ضد حملة التهويد والتطهير العرقي والديني. فاستنفروا وجعلوا من زيارة القدس والمسجد الأقصى واجباً وطنياً ودينياً. فكانت بداية حملة "مسيرة البيارق" اليومية، التي نظمتها الحركة الإسلامية، حيث كانت العائلات الفلسطينية تتوجه إلى القدس لعمارة المسجد الأقصى والتسوق في البلدة القديمة، والتعرف على معالم المدينة وزيارة أهلها. أحدثت "مسيرة البيارق" وعياً جماعياً في الداخل المحتل عام 1948 حول أهمية مدينة القدس والأخطار التي تواجهها، ما شجع الكثير إلى مواصلة التواجد في المسجد الأقصى من خلال مصاطب العلم، إلى جانب المقدسيين، وإلى تكثيف زيارات النواب العرب في الكنيست الصهيوني للتأكيد على رفضهم لعملية التهويد.
ولكن إضافة إلى حماية المقدسات، شارك فلسطينيو 48 بشكل متواصل في حملات عديدة لحماية مدينة القدس من التهويد، من خلال تواجدهم في خيم الاعتصام للاحتجاج على تدمير المنازل (منزل أم كمال في الشيخ جراح مثلاً)، واعتقال النواب المقدسيين، ورفض تحويل مقبرة مأمن الله إلى محتف صهيوني، وعدد من المناسبات التي شهدت تواجد جماهيري وحزبي من كافة الاتجاهات لمساندة التحركات المقدسية ضد مخططات العدو، كما تابع وما زال يتابع الإعلام الفلسطيني في الداخل المحتل مجريات الأمور في المدينة المقدسة، أكثر من أي مكان آخر في فلسطين، لفك الحصار الإعلامي والبشري والسياسي عنها، بعد تخلي السلطة الفلسطينية عن مسؤولياتها اتجاهها.
ومنذ تولي أقصى اليمين الصهيوني زمام الحكم في الكيان، اعتقد رئيس حكومة العدو بأن الأوضاع العربية الإقليمية تمنحه فرصة لتسريع عملية تهويد القدس وباقي المناطق الفلسطينية وتقسيم المسجد الأقصى. فشنت قواته الأمنية الهجوم على مصاطب العلم ومنعت المناسبات التي كانت تقام في باحاته، لتفريغ المسجد من المسلمين وتسهيل اقتحامات اليهود، كما منعت المصلين، وحتى القادمين من قرى ومدن فلسطين 48، من الوصول إلى المسجد والصلاة فيه. أصدرت القوات الصهيونية العشرات من أوامر منع التواجد في المسجد الأقصى والقدس، بحق العديد من فلسطينيي 48، كما هو حال الشيخ رائد صلاح الممنوع من القدوم إلى القدس منذ عدة أشهر. وفي الآونة الأخيرة، قام الإعلام الصهيوني بحملة تهديد وتشهير بحق النواب العرب، لأنهم يشاركون في الدفاع عن المقدسات، من خلال زياراتهم وتصريحاتهم المنددة لاقتحامات الصهاينة.
ولكن غضب فلسطينيي الداخل الذي انفجر في انتفاضة الأقصى له أسباب أخرى، منها الاعتداءات العنصرية، الرسمية وغير الرسمية، على الكل الفلسطيني، في أماكن العمل والجامعات، وفي ما يسمى "المدن المخطلة"، والاعتداءات المتكررة على المقدسات والمقابر الإسلامية والمسيحية، باسم مجموعات "تدفيع الثمن"، والقوانين الإلغائية (إلغاء الهوية والذاكرة الفلسطينية، فرض التعاليم الصهيونية على المدارس العربية)، وعملية تهويد النقب المستمرة عبر مصادرة ما تبقى من أراضي وتدمير همجي لقرية العراقيب، ومؤخراً شرعنة تدمير قرية أم الحيران – عتير لإقامة مستوطنة يهودية على أنقاضها، وتهويد ما تبقى من الممتلكات العربية في المدن الساحلية، والملاحقات الأمنية من قبل أجهزة الكيان، بعد كل مظاهرة ومسيرة تضامن مع أهل النقب ومع الأسرى (لا سيما مع الشيخ خضر عدنان والأسير محمد علان، حيث تم الإعتاء على المتظاهرين أمام المستشفى)، ومحاولة منع مسيرات العودة في ذكرى النكبة، كلها ممارسات قمعية تصعيدية من قبل العدو لإحباط أي تحرك شعبي في الداخل، وفصل "المواطنين العرب" عن شعبهم الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي اللجوء، إضافة إلى محاولات شق صفوف الفلسطينيين بين المسيحيين والمسلمين، عند طرح مسألة "تجنيد المسيحيين"، ما يدلّ على رفض المؤسسة الصهيونية الاعتراف بالهوية الفلسطينية الجامعة والتصرف على أساس "أقليات" تعيش في الكيان الصهيوني، مهددة بوجودها كلما تخطت "المسموح به"، الذي حددته مؤخراً صحيفة هآرتس الصهيونية ب"حق العرب في إسرائيل استخدام الوسائل الديمقراطية فقط للتصدي للتمييز والعنصرية وللمطالبة بإنهاء الاحتلال (للأراضي المحتلة عام 1967)".
ولكن شكّلت مسيرات الدعم لأهل النقب تحت شعار "برافر لن يمر" انطلاقة جديدة للشباب الفلسطيني، الذي خرج عن "المسموح به" برفع الأعلام الفلسطينية وقطع الطرق الرئيسية في الكيان (أي أنه كسر الحصار المفروض على الفلسطينيين حيث يسمح لهم الاحتجاج في "مناطقهم" فقط)، وتحدى القيادة السياسية وشعاراتها المتماهية مع الفصل بين أراضي 48 وأراضي 67. ومنذ هذه المسيرات "الاستفزازية" للمشاعر الصهيونية ولجزء من القيادة السياسية العربية، لم يتوقف الشباب الفلسطيني في الداخل من التحرك، تارة لدعم أهل غزة والمقاومة، وتارة أخرى لدعم إضراب الأسرى عن الطعام، وتارة أخرى للاحتجاج على منع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى أو على جرائم قطعان المستوطنين. وفي أغلب المناسبات، لعبت "اللائحة المشتركة" العربية، التي فازت في انتخابات الكنيست الصهيونية على 12 مقعداً، دور الفاصل بين المحتجين وأدوات القمع الصهيونية، بمنع الشباب من الاشتباك معها. تحاول القوى المنضوية في إطار "اللائحة المشتركة" لعب نوعاً ما دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، كما حصل في المظاهرة الأخيرة في سخنين، حيث أكدت القوى السياسية تأييدها لحماية الأقصى والقدس، ولكنها حاولت تأطير الحراك في الداخل والسيطرة على مجرياته، خشية من الإنزلاق إلى "حرب دموية". وفي هذه الأوضاع، إلى أي مدى يمكن للشباب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 كسر القيود التي تكبلّه، بحجة الحفاظ على "المواطنة" والمكتسبات السياسية، في ظل الهجمة الصهيونية الشرسة ضد الكل الفلسطيني ؟ تصاعدت بعض الأصوات الصهيونية للتنديد بالقمع الحالي، والعودة إلى "التعقّل" من الجانبين، ما يؤكد على الأزمة الداخلية التي يعيشه الكيان في مواجهة فلسطينيي الداخل. ما هو السبيل إلى تعميق هذه الأزمة دون إحداث شرخ كبير في الصف الفلسطيني المهدّد بوجوده على أرضه ؟
راغدة عسيران