/الصراع/ عرض الخبر

القدس تفتح أفقاً لانتفاضة الواجب التاريخي

2015/10/06 الساعة 11:47 ص
مواجهات القدس
مواجهات القدس

ماجد الشّيخ

ما يجري في القدس اليوم، وعلى امتداد الفترة القريبة الماضية، محاولات "إسرائيلية" دؤوبة، تشارك فيها كل قوى الكيان، من أجل فرض سيطرة "إسرائيلية" كاملة و"سيادية" على القدس، بحجة ومزاعم أنها العاصمة لكيان الاحتلال الاستيطاني. وفي السياق يحاول "الإسرائيليون" تكرار ما كان قد جرى في الخليل من اقتسام الحرم الإبراهيمي زمانا ومكانا؛ بينهم وبين الفلسطينيين. وها هم يحاولون تكرار التجربة في القدس مرة أخرى، في ظل وضع عربي ودولي متغير، يأملون من خلاله النجاح في تهويد ما لم يستطيعوا تهويده حتى اللحظة من أماكن فلسطينية.

هكذا وعلى خطى أرييل شارون، يحاول رئيس الوزراء الحالي، اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، أن يستغل ما يجري في المنطقة من متغيرات، لفرض سياسة التقاسم في القدس، وتهويد ما أمكن من المدينة، الأمر الذي يستدعي انتفاضة جديدة في أفق الصراع، لا يبدو أنها جاهزة، أو يوجد نوايا لإطلاقها من جانب الوضع القيادي الفلسطيني. إلا إذا أدت تداعيات تحديد فلسطينيي الـ 48 في الجليل والمثلث والنقب، يوم 27 أيلول (الماضي) "يوم النفير العام" للدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته من المساعي "الإسرائيلية" لاقتسامه، وسط تصعيد في لهجة نتنياهو ضد حماة الحرم القدسي، إلى مزيد من التصعيد الصدامي مع الشرطة والجيش والمستوطنين في كامل رقعة فلسطين التاريخية.

ومن المقرر أن تنظم فعاليات يوم النفير مؤتمراً شعبياً لنصرة القدس وحمايتها من التقاسم الذي تحاول فرضه "إسرائيل" بالتزامن مع ما يسمى "عيد العرش اليهودي" الذي تسعى جماعات يهودية خلاله لاقتحام الحرم القدسي مجدداً. واعتبر قادة فلسطينيي الـ 48 أن "تهديدات نتنياهو تعني استمرار إمعان إسرائيل في مخططها بتقاسم الأقصى بالمكان والزمان، وسط استغلال انشغال العرب والعالم بقضايا أخرى".

وقبل أيام أعاد نتنياهو وأثناء زيارته إلى لندن، تصريحاته التي قال فيها "إن الشرق الاوسط يتغير أمام أعيننا، وإن الترتيبات التي استمرت عشرات السنين آخذة في الانهيار". لذلك، وبحسب رأيه، فان "على إسرائيل أن تلائم نفسها كي تدافع عن أمنها". ويمكن البدء في تطبيق ذلك في قلب ما أسماه "عاصمتها وأساس وجودها"!.

في معمعان معركة تهويد القدس واقتسامها، هدد نتنياهو، بإطلاق النار على المتظاهرين، وتشديد العقوبات على راشقي الحجارة، وفي خطوة تصعيدية لافتة ضد المقدسيين والسعي إلى كسر شوكتهم، أقر نتنياهو، بالاتفاق مع وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، سلسلة من الخطوات الانتقامية ضد الفلسطينيين في القدس المحتلة، في مسعى من حكومة الاحتلال لقمع كل أشكال المقاومة الشعبية.

خطة العقاب الجماعي

وقالت صحيفة "هآرتس" إن الخطة "الإسرائيلية" الجديدة، تقوم بداية على تكثيف تواجد عناصر الشرطة "الإسرائيلية" في مختلف أنحاء القدس، وزيادة نحو 800 عنصر، إضافة إلى كتيبتين من حرس الحدود، إلى جانب ما أعلن عنه في الأيام الأخيرة، وخصوصاً تغيير إجراءات إطلاق النار، والسعي إلى تكريس حد أدنى من العقوبة بالسجن الفعلي على راشقي الحجارة، وذلك وفقاً للخطة التي اقترحتها الشرطة "الإسرائيلية" في جلسة المشاورات الطارئة التي عقدها نتنياهو، وسط ترويج "إسرائيلي" وتهويل من عمليات مقاومة الاحتلال ورشق الجنود بالحجارة.

ووفقاً للصحيفة "الإسرائيلية" فإنه إلى جانب الخطوات القمعية "الأمنية" كتغيير أنظمة إطلاق النار على راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة، وفق ما توعد به نتنياهو، فإن الخطة "الإسرائيلية" الجديدة ترمي، أيضاً، إلى إنهاك أهالي القدس المحتلة مالياً وفرض غرامات مالية عالية، وشن حملات جباية مكثفة لجباية "الديون المستحقة لبلديات الاحتلال" أو شركة الكهرباء "الإسرائيلية" وحتى مخالفات السير العادية.

وتقوم الخطة في شقها العقابي الجماعي على تجهيز بنك معلومات وملفات عن كل أسرة، ودخلها، مقابل الديون المستحقة عليها، ليتم مطالبة الأسرة بدفعها عبر إخطارات فورية في حال تبين أن أحد أبناء الأسرة، وخصوصاً إذا كان طفلاً قاصراً لا يمكن محاكمته جنائياً.

على هذه الخلفية، رأى النائب جمال زحالقة (القائمة المشتركة ـ العربية للتغيير) أن تهديدات نتنياهو خطيرة وتنذر بالمزيد من الانتهاكات، داعياً القيادة الفلسطينية "للقيام بواجبها التاريخي بتوحيد صفوف الشعب الفلسطيني والمساهمة في إنقاذ الأقصى". وأشار إلى أن "إسرائيل تمتحن الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وتعمل بسياسة فرض الوقائع على الأرض؛ حتى تحقق مآربها الواضحة بتقاسم الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل"، مشدداً على "حيوية الوحدة الميدانية في القدس، وتكاتف الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر".

وإزاء تلك التوجهات "الإسرائيلية"، أكد النائب أحمد الطيبي (القائمة المشتركة ـ العربية للتغيير) أن "نتنياهو يلعب بالنار، وأن انتهاك حرمة الأقصى والإصرار على تقاسمه هما عبث ببرميل بارود"، محذراً من أن "استمرار هذه الاعتداءات على الفلسطينيين ومقدساتهم سيشعل انتفاضة ثالثة، لأن الأجواء محتقنة، ويكفي استشهاد أحد الشباب في الأقصى كي تندلع". وأضاف الطيبي أن "الخطر يستدعي تفعيل العرب والمسلمين، وانضمام مدن الضفة الغربية المحتلة للاحتجاجات وتصعيد فلسطينيي الداخل احتجاجاتهم، إذ إن الأقصى بحاجة للمزيد من الاحتجاج والمرابطين، وعلينا أن نغلق شوارع وأزقة القدس القديمة بآلاف المرابطين وعرقلة المستوطنين الراغبين بدخول الحرم القدسي".


استعمال سياسي لعلم الآثار

في هذه الأجواء المحتقنة والملتهبة، كشف تقرير "إسرائيلي" أصدرته "الأكاديمية القومية الإسرائيلية للعلوم" حول وضع علم الآثار في إسرائيل، أن هناك استعمالا سياسيّا واضحا للتهويد والسيطرة على الأراضي من خلال الحفريات الأثرية، وخاصة في القدس القديمة، ومحيطها، حيث انتقد أعضاء لجنة الفحص الخاصة التي عُينّت قبل خمس سنوات لفحص وضع النشاط الأثري، الاستعمالات السياسية للمواقع والمكتشفات الأثرية، ومن بينها الحفريات في منطقة مدخل وادي حلوة، التي تديرها جمعية (إلعاد) الاستيطانية، وكذلك في ملف «الحديقة التوراتية" في منطقة العيسوية.

واشار التقرير إلى وجود ظاهرة بدأت تتشكل بشكل مُلفت أكثر في السنوات الأخيرة، حول استعمال عملية الحفريات الأثرية كرافعة ووسيلة لتمرير مواقف سياسية تسعى إلى تهويد منطقة القدس القديمة، ومحيطها، وبالذات منطقة سلوان، وأعطت مثالاً على ذلك، مجريات الأمور في منطقة سلوان وقيام جمعية (إلعاد) الاستيطانية بتمويل وإدارة مواقع حفريات واسعة ومنها مدخل وادي حلوة، مستغلة الأمر لمزيد من السيطرة على الأرض العربية وتكثيف التواجد اليهودي فيها، وكذلك تمرير الرواية التلمودية من خلال منشورات مكتوبة ومرشدين ينقلون هذه الرواية ويُركّزون عليها، مع وجود معلومات واضحة حول أيديولوجيا النشاط الاستيطاني لهذه الجمعية.

وأكد التقرير من وجهة نظر عدد من أعضاء اللجنة استغلال "علم الآثار" أو النشاط الأثري للسيطرة على الأرض الفلسطينية في بلدة العيسوية شمال القدس. وبحسب التقرير فإنّ الحكومة "الإسرائيلية" وفي معرض سياساتها السيطرة على أرض واسعة تابعة للعيسوية، وبهدف تمرير مخطط الحديقة الوطنية "الحديقة التوراتية" ادعت وجود منطقة أثرية في الموقع، مع أنه عمليًا لم تثبت فحوص أثرية ميدانية أجريت في الموقع، وجود أي منطقة أثرية في الموقع المذكور.

هكذا هم "الإسرائيليون" دائما، لا يتورعون عن استغلال أي شيء من أجل تبرير مخططاتهم وخططهم التهويدية، وما يجري في القدس اليوم محاولات في هذا السياق، وصولا إلى تحقيق مرامي وأهداف تتعلق بيهودية الكيان ومزاعمه التوراتية والتلمودية، ولو على حساب الحقائق التاريخية التي لا يمكن دحضها، من قبيل تلك المكتشفات الآثارية التي لم تؤكد تلك المزاعم طوال فترات الاحتلال لا الأول ولا الثاني، بعد حرب العام 1967، رغم طول البحث وعناء الحفر، حتى لقد خرج موشيه دايان وزير حرب الكيان في وزارات عدة بنتيجة قاطعة، تقول بعدم وجود أي آثار أو مكتشفات توراتية. وكل ما يجري اليوم محاولات تدليسية وتزويرية، لإلباس الحقائق التاريخية أثوابا زائفة، اخترعها ويخترعها العقل التوراتي المريض بأوهامه.

فهل تفتح أحداث القدس اليوم أفاقا رحبة، لانتفاضة الواجب التاريخي التي يقع عاتقها على الوضع القيادي والوطني الفلسطيني بالتأكيد؟.

صحيفة المستقبل

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/80330

اقرأ أيضا