قائمة الموقع

ما المطلوب فلسطينياً لمواجهة المخاطر في الأقصى؟

2015-09-16T10:04:28+03:00
شارون يقتحم المسجد الأقصى (أرشيف)
سمير أحمد

تحل في الثامن والعشرين من هذا الشهر الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة الأقصى المبارك، التي اندلعت رداً على انتهاك المجرم آريئيل شارون للحرم القدسي. فما الذي تغيّر بعد كل هذه السنوات؟  وما الذي يحول – داخلياً – دون اندلاع انتفاضة جديدة؟ وما هو المطلوب لتحصين الوضع الفلسطيني ليكون قادرا على مواجهة المخاطر والتحديات الراهنة والداهمة التي تهدد حاضر القضية الفلسطينية ومستقبلها؟..

لقد شكّل تدنيس شارون لقدسية الحرم شرارة أشعلت الغضب الفلسطيني في كامل الأراضي المحتلة، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948؛ واندلعت في الأيام الأولى للانتفاضة، مواجهات ومظاهرات، قدّم فيها الشعب الفلسطيني مئات الشهداء والجرحى، وشكلت بوابة العبور للانتفاضة الثانية، التي عرفت باسم "انتفاضة الأقصى".

كان للانتفاضة أسبابها وموجباتها، ولا سيما بعد فشل المحادثات التي أجراها رئيس السلطة الراحل ياسر عرفات في "كامب ديفيد" مع رئيس حكومة العدو آنذاك، إيهودا باراك، برعاية رئيس الولايات المتحدة الأسبق، بيل كلينتون، وانسداد آفاق الرهان على المفاوضات.  كما جاءت في وقت بلغت فيه معاناة الأسرى حداً لا يطاق، في ظل تعنت حكومة العدو بعدم الإفراج عن الأسرى والمعتقلين لديها (ما قبل أوسلو)، وتنكرها كذلك  لقيام "دولة فلسطينية" كان موعدها أيار من العام 1999.

كما جاءت انتفاضة الأقصى غداة تسجيل المقاومة باكورة انتصاراتها في الجنوب اللبناني، حين فرّت عصابات العدو من الجنوب المحتل، وأغلقت وراءها البوابات مع فلسطين المحتلة، تاركة خلفها عملاء يجرون أذيال الخيبة والهزيمة... وقد ارسى هذا الانتصار العظيم لمعادلة جديدة قوامها أن العدو الصهيوني يمكن أن ينهزم بلا قيد ولا شرط.

لقد كانت انتفاضة الأقصى تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني، وإثباتاً لخياراته الحقيقية في الصراع مع العدو، والردّ على انتهاكاته وسياساته العدوانية. وكان موقف الشعب الفلسطيني بالنزول إلى الشارع سابقاً لكل قرار سياسي أو ميداني، ودون انتظار لقرار من هنا أو هناك.  وفرض شعبنا إرادته على جميع القوى، سواء التي كانت في "السلطة" أو في المعارضة أو في المقاومة، واستمرت الانتفاضة لسنوات طويلة، سجل فيها شعبنا أروع الملاحم، وطوّرت فيها المقاومة أداء المواجهة الميداني.

في ظل إصرار الشعب الفلسطيني على خوض معركة كسر الإرادة، ما كان من رئيس السلطة وقتها، المرحوم ياسر عرفات، إلا إمساك العصا من وسطها؛ وتحدثت كثير من التقارير عن غض عرفات الطرف عن مشاركة بعض المقربين منه في أعمال المقاومة، ومنها على سبيل المثال سفينة (كارين – أيه) المحملة بالأسلحة، والتي اتهم عرفات شخصياً بالوقوف وراءها، إضافة إلى مشاركة أفراد من "الأمن الوطني" ببعض فعاليات الانتفاضة، وهو ما استجلب ردود فعل صهيونية عسكرية ضد مقارها، وكذلك الدور الذي لعبته "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة فتح في الانتفاضة.

كان عرفات يريد تحقيق عدّة أهداف من وراء سلوكه هذا، في مقدمتها الضغط على الحكومة الصهيونية للإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها التي جاءت في اتفاق "اوسلو" وفي المقدمة منها  قيام "دولة فلسطين".

وقد ردّت الحكومة الصهيونية، برئاسة آريئيل شارون، مدعومة من قبل الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش (الابن)، على ما قام به عرفات، فاتخذت خطوات عدّة، منها: اقتحام مقر المقاطعة وفرض الحصار على عرفات، واجباره على التنازل عن جزء  كبير من صلاحياته لرئيس وزراء تم استحداث منصبه لهذا الغرض، شغله محمود عباس (والذي اضطر لتقديم استقالته بعد أشهر قليلة)، وصولاً إلى تصفية عرفات جسدياً من خلال تسميمه على أرجح الروايات.

اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً، ما الذي تغيّر؟

إذا كان انتهاك شارون لحرمة المسجد الأقصى قد أشعل انتفاضة استمرت خمس سنوات متتالية، فإن العدو اليوم لا ينتهك الأقصى بشكل يومي، وبقرار حكومي، وبرعاية رسمية للمجموعات الدينية التي تقدم لها الحكومة كل الدعم والتمويل اللازمين، كما تؤمن عصابات جيش العدو وشرطته للمقتحمين كل الحماية اللازمة، فحسب... وإنما يسعى لفرض التقسيم المكاني والزماني على باحات المسجد الأقصى، لتكرار فعلته بالمسجد الإبراهيمي في الخليل. فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ وماذا يمكن ان تنتج الإنتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى؟  

على المستوى السياسي، لا تزال حكومة العدو تتنكر لكل الاتفاقات والتفاهمات التي وقعتها مع الفريق الفلسطيني المفاوض، وتصر على عدم الاعتراف بـ "دولة فلسطين"، وعلى إبقاء وجودها العسكري والأمني في الضفة وغور الأردن وكافة المعابر، وكذلك على التحكم بالسيادة الجوية، وبإبقاء المستوطنات التي زرعتها في كل قرية ومدينة ومفترق طرق في طول الضفة المحتلة وعرضها. وكذلك التحكم بمفاصل الحياة الاقتصادية والمعيشية لأهل الضفة... وتواصل حصارها لقطاع غزة.

بصراحة تامة، لقد مهدت سياسات السلطة للعدو الصهيوني كل ما يلزم للوصول إلى هذه النتيجة الكارثية على المستوى الفلسطيني.  فقوات أمن "السلطة" أٌعيد تشكيلها وفق معايير الجنرال الامريكي كيث دايتون، بما يجعل من "التنسيق الأمني" – وهو عبارة ملطفة من معان أخرى – أداة في يد العدو الصهيوني وحده، لا تملك السلطة فيه قراراً، ببساطة لأنها لا تقدر على وقفه، حيث أن إعادة هيكلة أجهزة أمن السلطة تحرم السلطة نفسها من هذا "الترف"، فيما لو فكرت فيه.

وكذلك ربطت سياسات السلطة الاقتصادية، تحت حجة الانماء والازدهار الاقتصادي، مصير الشركات والمؤسسات والأفراد في الضفة المحتلة بالاقتصاد الصهيوني عبر تشجيع سياسة الإقراض والاستهلاك، ما جعل الحياة اليومية للفلسطينيين رهينة البنوك والشركات الصهيونية، ناهيك عن قيام سلسلة من الشركات (المختلطة) التي يقوم عليها متنفذون في السلطة مرتبطين بالكامل بالعدو الصهيوني.

وعلى المستوى الأمني، استغلت "السلطة" حالة الانقسام والصراع مع "حماس" في غزة للانقضاض على المقاومين في الضفة المحتلة، وملاحقتهم والزج بهم في المعتقلات، وتقديم خدمات أمنية ما كان العدو يحلم بها. والدليل على ذلك أن أجهزة أمن "السلطة" لا تقتصر في اعتقالاتها على رجال "حماس"، بل تشمل كذلك كوادر المقاومة التابعين لحركة الجهاد الإسلامي في الضفة، مع إدراك الجميع بأن حركة الجهاد لم تكن في يوم من الايام طرفاً في الصراع المفتوح بالقطاع المحاصر، وأنها ليست جزءاً من الصراع على "السلطة"؛ ومع ذلك تتعمد أجهزة أمن "السلطة"  إلقاء القبض على كوادر الحركة ومجاهديها، بل وحدث أكثر من مرة أن قامت أجهزتها باعتقال أسرى للجهاد بعد ساعات من خروجهم من معتقلات العدو، ومن بينهم الأسير المحرر بطل معركة الأمعاء الخاوية الشيخ خضر عدنان!..

وعلى المستوى السياسي، ورغم كل ما تقدم، يصر رئيس "السلطة" على التمسك بمقولته الشهيرة: "لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات"، وذلك رغم عدم وجود مفاوضات أصلاً – بشكل علني على الأقل -!

والسؤال الآن: ما الذي يمنع العدو الصهيوني من المضي في سياساته، وخصوصاً باتجاه فرض اقتسام زماني ومكاني للمسجد الأقصى، تمهيداً لهدمه، ما دام هناك من مهد الطريق له، وأزال من أمامه كل العقبات، وجعل أهل الضفة رهينة الديون الثقيلة، وأنشأ له جهازاً أمنياً يكفيه كل مقاومة؟!  ويصر على المضي في المفاوضات، اللا موجودة (في العلن) أصلاً؟!

وللحقيقة، فإن محمود عباس لا يتحمل وحده مسؤولية كل ذلك. ثمة مسؤولية تتحملها الدول العربية التي كانت تدعم خياراته، وجعلت من اجتماعات مجلس "جامعة الدول العربية" على مستوى الوزراء والقمة المنصة التي تمهد الطريق أمام عباس لتقديم المزيد من التنازلات.

إن الأقصى اليوم في خطر حقيقي وفعلي ووجودي. ومواجهة هذا الخطر تتطلب تحديد المسؤوليات، ليس من باب تقاذف التهم، ولا تبرئة الذات، بل من باب تحديد متطلبات المواجهة، وفي مقدمتها:

أولاً: إعلان موت إتفاق "أوسلو" ودفن كل مفاعيله على ارض الواقع، والذي سبق لقادة العدو الصهيوني ان اعلنوا موته، وهم يعملون على تأكيد "سيادتهم" على الضفة المحتلة...

ثانياً: وقف كل أشكال الإتصال والتنسيق، وبخاصة الأمني منها مع العدو الصهيوني.

ثالثاً: دعوة الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية لعقد جلسات مفتوحة تستهدف إعادة إصلاح وبناء م. ت. ف. ومؤسساتها، كمطلق اساسي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيق بالقضية الفلسطينية، وتستهدف تحقيق التالي.

أ - وضع استراتيجية وطنية فلسطينية واضحة وموحدة بوصلتها ثابتة باتجاه فلسطين، تقوم على قاعدة استمرار المقاومة بكل اشكالها، وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة، لتحرير الأرض واستعادة الحقوق 

ب - العمل بشكل جاد لاعادة انتاج مؤسسات جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية على اسس ديمقراطية تنهي حالة الانقسام والتشرذم القائمة في الساحة الفلسطينية.

ت -  إنتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد، تشارك فيه كافة تجمعات وشرائح الشعب الفلسطيني في كل مكان داخل فلسطين وخارجها، بدون أي استثناء.

ث -  انتخاب لجنة تنفيذية جديدة كقيادة يومية للعمل الفلسطيني الموحد.

رابعا: وضع رؤية سياسية كفاحية واضحة لإشراك اللاجئين الفلسطينيين في المعركة ضد العدو الصهيوني، لتحرير أرضهم، وحماية مقدساتهم، وتحقيق عودتهم. إذ لم يعد مقبولاً تكديس ما يزيد على خمسة ملايين لاجىء في مخيمات الانتظار رهائن لمخططات مشبوهة تستهدف تدمير المخيمات...  أو طعماً لاسماك البحار...

خامساً: إعادة الاعتبار لقضية فلسطين، كقضية مركزية، ودعوة كل الدول العربية والإسلامية، وكل الجماعات والأحزاب والحركات والأحرار في العالم لتوحيد جهودها وجهادها نحو المسجد الأقصى.

إن إعادة ترتيب القوى الفلسطينية أوراقها وأوضاعها من شأنه أن يعيد الإعتبار للقضية الفلسطينية، ويعيد فرضها كأولوية مطلقة على كل ملفات المنطقة...  بعدما ظن كثيرون أن قضية فلسطين قد أنهيت عقب الحضور الأمريكي في المنطقة عام 1991...

اليوم، ورغم كل الغموض الذي يكتنف مصير المنطقة في ظل المتغيرات الكبيرة الحاصلة، فإن الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة لا يزال في موقع يمكنه من إعادة فرض قضيته على رأس الاهتمامات فيما لو أحسنت القوى الفلسطينية وضع استراتيجيتها، واستعاد الشعب الفلسطيني دوره في ميدان الصراع مع المشروع الاستعماري الصهيوني...

سمير أحمد، أمين عام اتحاد الكتاب الفلسطينيين

اخبار ذات صلة