/الصراع/ عرض الخبر

الحركة الأسيرة: النشأة والتطور

2015/09/15 الساعة 08:49 م
الأسرى في سجون العدو (أرشيف)
الأسرى في سجون العدو (أرشيف)

وثق المؤرخون الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة من العام 1967 في أعقاب هزيمة حزيران، واحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية، وزج الآلاف من أبناءها في معتقلات العدو وارتفاع عددهم بشكل كبير، بحيث أصبحت حياة المعتقل ظاهرة بارزة في حياة الشعب الفلسطيني

 ككل، في أعقاب بلورة القواعد الأساسية وظهور الحركات والتنظيمات الفلسطينية وبروز الأعمال الفدائية ضد الاحتلال "الإسرائيلي" .

وقع الألاف من الفلسطينيين في أسر القوات "الإسرائيلية" لأسباب تتعلق بالمقاومة، وكذلك كانت هذه القوات تطارد العشرات اللذين لم يسلموا أنفسهم، فقامت باعتقال ذويهم، وبرزت تساؤلات أين سيتم حجز هذه الأعداد الهائلة وكيف سيتم إيجاد الوسائل القضائية لاحتجازهم، فأقام العدو العديد من معسكرات الاحتجاز "الأمن" في سيناء.

توثيق الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة بالعام 1967، لا يعني غياب حالة النضال الفلسطيني ضد المحتل، "فتعود فكرة إنشاء أماكن اعتقال إسرائيلية إلى ما قبل إعلان دولة إسرائيل بعدة سنوات، ويبدو أن تصاعد حالة الصدام بين المنظمات الصهيوينة ومجموعات المقاومة العربية والفلسطينية كانت وراء هذا التفكير.

فالحركة الأسيرة هي مجموع الأسرى والأسيرات الفلسطينيين اللذين تعرضوا للاعتقال منذ بداية الاحتلال العسكري الإنجليزي لفلسطين عام 1917 إلى الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 إلى الآن، وحينما نقول إبداعات الحركة الأسيرة نقصد "جموع الأسرى والأسيرات اللذين دخلوا السجون "كون أن إسرائيل اعتقلت منذ بدء احتلال فلسطين آلاف النساء من بينهن أمهات وقاصرات وكبيرات سن، شاركن في المقاومة، ورفعن أصواتهن عالياً مطالبات باسترداد حقوقهن المغتصبة وأرضهن المسلوبة، فساهمت المرأة الفلسطينية وشاركت بفعالية وعطاء في كل مجالات العمل النضالي الكفاحي، والمجتمعي، والأدبي، والثقافي بتميز وتفاني، فتعرضن للاعتقال والإبعاد والإقامة الجبرية، وقادت المرأة الفلسطينية العديد من المظاهرات والاحتجاجات الوطنية ضد العدو، وامتشقت البندقية وقاومت وخاضت غمار الكفاح المسلح واستشهدت وجرحت واعتقلت وأصبحت أسيرة خلف القضبان، وبعد الاعتقال خاضت الأسيرات العديد من النضالات والخطوات الاحتجاجية والاضرابات المفتوحة عن الطعام في سبيل تحسين شروط حياتهن المعيشية، والتصدي لسياسات القمع والبطش اللواتي تعرضن لها.

وفيما يتعلق بجذور الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة فتعود لمرحل الانتداب البريطاني لفلسطين الذى سجن الثوار وأعدمهم في سجن عكا "عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازى" في العام 1933م والشيخ المجاهد فرحان السعدي والشيخ يوسف أبو دية في العام 1939م واعتقل العشرات من المقاومين أمثالهم، وتشير الوثائق إلى أن العصابات الصهيوينة أقامن معسكرات اعتقال للفلسطينيين وتصفية البعض منهم خلال حرب 1948 م، وهناك صعوبة كبيرة في تحديد عدد الأسرى اللذين تم اعتقالهم في السجون "الإسرائيلية" في الفترة ما بين 1948 – 1949 في أعقاب الحرب من الفلسطينيين والعرب، ذلك بأن الأفراج كانت تأتي وتروح وكانت الإحصاءات تأتي وتروح، وكانت الإحصاءات المتوفرة جزئية في فترات محددة وعليه فقد تباينت المصادر بشأن العدد الدقيق الذي يتراوح ما بين 7000 معتقل كحد أدنى و 12000 معتقل كحد أقصى، وتعمل الحركة الأسيرة بشكل جماعي لتحقيق الوحدة الاعتقالية، وتحقيق حياة أفضل للأسرى والمعتقلين، يسودها لغة مشتركة قائمة على التفاهم، والوقوف صفاً واحداً لإحباط مخططات ومؤامرات إدارة مصلحة السجون.

ظروف الاعتقال الأولى :

منذ بدء الحركة الفلسطينية الأسيرة في العام 1967 "لم يكن لدى العدو سياسة محددة في كيفية التعامل مع الأسرى، فقد اعتمد على قرارات الطوارىء في العام 1945م، والموثقة بالعديد من الكتب، والموروثة من الاحتلال البريطاني، أما طبيعة معاملة الأسرى فكانت وسائل العنف الأسلوب الوحيد، سواء لانتزاع الاعتراف، أم لكيفية التعامل عندما يحط الأسير داخل السجن.

حرصت سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" منذ أن استخدمت السجون كوسيلة لمعاقبة المناضلين الفلسطينيين على ابقائهم في ظروف اعتقالية متدنية للغاية في تلبيتها للاحتياجات الإنسانية الأولية، وما نقصده بشروط الاعتقال هي مجمل الشروط المادية التى يوفرها السجن لقاطنه لأجل ممارسة حياته بصفته كائناً حياً أي السكن والمنام والملبس والمأكل والعلاج الطبي.

في هذه المرحلة تجرع المعتقلون الأوائل مرارة سياسة استهدفتهم من أبواب كثيرة وطنية ونفسية واجتماعية وفكرية، فقد اتبعت حكومة "إسرائيل" في هذه المرحلة كل الأساليب الممكنة لأجل تحقيق هدفها في تطويع المناضل الأسير لاخضاعه تمهيداً لشطبه وطنياً وإنسانياً، فسياسة الاستنزاف العصبي المرهق وسياسة التجويع النفسي والمادي والحرمان المطلق من كل الضرورات الأولية لحياة بشرية معقولة، وسياسة الإسقاط الوطني والاستهداف الأمني، وسياسة التجهيل الثقافي وغيرها دل كل هذا على أن السجن في المفهوم "الإسرائيلي" هو أداة لقمع ومواصلة قمع مقاومة الشعب الفلسطيني المحروم من حقوقه الإنسانية والسياسية.

ولقد كانت بدايات الاعتقال لا تصلح للحياة الآدمية ، وبعيدة كل البعد عن شروط الحياة الانسانية، والاتفاقيات والمواثيق الدولية التى وضعت قوانين وقواعد لمعاملة الأسرى وقت النزاعات والحروب، ولم تكن تلك المعاملة عفوية أو نتيجة لظروف سياسية معينة بل كانت ممنهجة وتشرف عليها حكومة العدو ووزارة الأمن الداخلي التي تشرف مباشرة على السجون والتي تغطي من الكنيست "البرلمان" والمحاكم العليا في "إسرائيل"، ولقد مرت الأوضاع في السجون بمراحل عدة مرتبطة بمتغيرات مختلفة كالأوضاع السياسية وقوة الحركة الأسيرة وطبيعة الحكومة "الإسرائيلية" وأوضاع الشعب الفلسطيني والمنطقة، ولكن أسوأ ظروف الاعتقال كانت في البدايات من حيث :

• الطعام كان يعد ويقدم من قبل السجناء الجنائيين، وكان سيئاً من حيث الكمية والنوعية، فالوجبة الواحدة لا تتعدى نصف بيضة مسلوقة، وبضع حبات من الزيتون مع 3-4 قطع من خبز القوالب.

 •السوائل اقتصرت على الشاي الذي كان يقدم بسطل المنيوم، حيث يوزع على الأقسام والغرف حسب عدد الأشخاص، يقدم قليل السكر ويصلهم على الأغلب بارداً ومختمراً.

• أما الوجبة الصباحية الغير يومية في فصل الشتاء والمحلاة قليلاً كانت عزاء الأسرى وتسمى الديسة، والمكونة من الدقيق والسميد والسكر والقليل من الحليب مع الماء والسمن.

 •وجبات الغداء والعشاء كانتا سيئتان من حيث الكمية والنوعية والإعداد.

 •النزهة اليومية المسماة "الفورة " كانت لنصف ساعة فقط، حيث يسير الأسرى بشكل فردي أو ثنائي وكأنهم بمارش جنائزي صامت وحزين، رؤوسهم على الأغلب إلى الأرض ويمنع الحديث فيما بينهم.

 •زيارات الأهل مرة واحدة بالشهر لمن قدر لأهله والصليب الأحمر من معرفة مكان اعتقاله، أو زيارته، ومدة الزيارة نصف ساعة وأغلب الأحيان تنتهي قبل الوقت المقدر لها.

• الملابس كانت بائسة هي الأخرى حيث يمنع على الأسير الاحتفاظ بأكثر من غيارين في الفصل الواحد، ومصلحة السجون هي التي تختار الألوان التي يجب أن يلبسها الأسرى وتحدد نوعيتها، ولا يسمح للأسير الخروج للنزهة أو زيارة الاهل أو العيادة أو العمل دون ملابس الإدارة، ومن يتلف ملابسه قبل الموعد المحدد فلن يحصل على بدل منها.

• الأسير المحظوظ يملك أربع بطانيات غير مستعملة، وفي الأغلب يمتلك الأسرى بطانيتان جديدتان والبقية مستعملة، مع ما تحمله الكلمة من معنى، استخدامها بمراكز التوقيف أو الزنازين، وغيرها من الأماكن غير النظيفة، الأمر الذي يعني تعرض الأسير لشتى الأمراض التي كانت تنتقل لبقية الأسرى عبر الملابس والبطاطين (وتحديداً الفطريات بأنواعها، والأمراض الجلدية المتعددة).

 •إضافة للبطانيات يقدم لكل أسير مفرش من البلاستيك، وهو بديل للفرشة التي أدخلت في الثمانينات مع الأسرةّ.

• النوم بطبيعة الحال على الأرض وليس من حق الأسير الاحتجاج على العدد الذي تزجه إدارة السجن بالغرف، وإن عبر أحد الأسرى عن احتجاجه، فإن الزنزانة هي مكان مبيته وعقابه لعدة أيام على أي احتجاج أو اعتراض.

• الأسير ملزم بالاستيقاظ ما بين الساعة الخامسة والنصف إلى السادسة صباحاً مستعداً ومنتظراً العدد المسمى "السفيراه " ثلاث مرات يومياً في الصباح والظهيرة والمساء، وكلما اقتضت الحاجة لذلك، وعلى الأسير حين سماع صافرة العدد، أن يقوم بطي فرشته وبطانيته بطريقة عسكرية، حيث يمر ضابط القسم من فترة لأخرى للكشف على حالة الانضباط والانصياع للأوامر، ومنها مراقبة إذا ما كانت البطانيات مطوية بالطريقة التي يريدها،  أم أن الأسير لم يلتزم بالتعليمات، وأثناء العدد على الأسير أن يجلس منتعلاً حذائه، مستعداً للعدد القادم وعليه أن لا يرفع رأسه بالنظر إلى ضابط العدد لأن ذلك يعتبر وقاحة وقلة احترام للضباط، إضافة "لجلوس كل خمسة على فرشة بلاستيكية واحدة إلى أن ينتهي العدد".

 •يمنع الأسير من العودة إلى النوم أو استخدام بطاطينة أثناء النهار.

• يمنع الأسرى من رفع الآذان فإن ذلك يدعى من المحرمات، حيث ولمجرد القيام بذلك يتم معاقبة القسم بأشد العقوبات، ويتم عزل المؤذن لمدة تفرض عليه.

• هذا إضافة لمنع إقامة الصلاة الجماعية، أو صلاة الجمعة أو صلاة الأعياد أو أي شكل من أشكال التجمع الديني أو العبادات.

• كما كان يمنع إطلاق اللحى (شعر الوجه)، وعلى الأسير أن يقوم بحلاقة ذقنه ثلاث مرات بالأسبوع، حيث يقوم السجان بتوزيع الشفرات على الأقسام والغرف ويتولى السجانون إعادة جمعها، وعلى الأسرى بالغرف أن ينهو عملية الحلاقة بالوقت الذي يحدده السجان ومن لم يتمكن من الحلاقة يوبخ وربما يعاقب ويحرم من الفورة "ساحة النزهة".

• أما حلاقة الشعر فهي عادة مرة بالشهر، حيث كان يتم إحضار أسرى جنائيون في بداية الاعتقال خوفاً من قيام الأمنيين من إخفاء أدوات الحلاقة الحادة، لكن لاحقاً سمح للأمنيين بالحلاقة في أماكن محددة مع الرقابة من قبل شاويش النزهة.

• التدخين مسموح ولكن تحت رحمة السجان، حيث كان يطلب من السجين إنهاء تدخين الأربع سجائر بساعة النزهة، ومن يريد إشعال سيجارته عليه أن يطلب بأدب من السجان ويقول له لو سمحت أريد ولاعة يا سيدي.

• كما كان يمنع على الأسير امتلاك الأوراق أو الأقلام أو الكتب، ومن يضبط بحوزته أياً من أدوات العلم والثقافة كان يحرم منها فوراً وتتعرض غرفته لتفتيش دقيق يتم خلاله قلب الغرفة وتحطيم محتوياتها والعبث بأغراض وملابس الأسرى الآخرين، كان من حق السجان أن ينادي على أي أسير بالغرفة أو ساحة النزهة وعلى الأسير الانصياع وترديد كلمة نعم يا سيدي، هكذا كان يتم معاملة الأسير "يتم منعه من السهر ليلاً والاعتداء عليه جسدياً، ولم يكن يمتلك أكثر من بنطلون أو قميص أو بطانية، أو صحن أو كاسة، والأكل كان لا يليق بالبشر ولم تكن هناك عناية صحية، لقد كانت مرحلة من القهر والجهل والمعاناة الكبيرة ".

في هذه الحقبة لم يهتم المعتقلون بالانتماء الفصائلي لأنهم لم يكونوا على معرفة وافية بالتنظيمات من حيث بناءها الإدارى وهيكلها التنظيمي وأيضاً فإنهم لم يكونوا يميزون كثيراً بين الفصائل المختلفة فهم كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء حركة وطنية فلسطينية واحدة، هذا بالإضافة إلى ضعف التجربة فإن مسألة إقامة أطر تنظيمية وتشكل هياكل إدارية، لم تستحوذ على اهتمام خاص لدى المعتقلين، ومن ناحية ثانية فإن كثيراً من الروابط والعلاقات التي كانت تسود بين المعتقلين في السنين الأولى بعد عام 1967 كانت تقوم على أساس بلدي أو عشائري أو شخصي وأحياناً أخرى على أساس الانتماء لمجموعة أو خلية واحدة قبل الاعتقال، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، ولقد استطاع الأسرى تجميع قواهم واتخاذ مواقف جماعية كان أولها رفضهم حلق اللحية، وأعقبها النضال ضد كلمة "يا سيدى" وغيرها، وبعد ذلك برزت بعض الأشكال التنظيمية المتأثرة بالشخصية القيادية ومن ثم تم وضع أسس تنظيمية وهياكل ولوائح داخلية، كانت أساس لحماية الحركة الأسيرة من استهداف إدارة مصلحة السجون والسياسات "الإسرائيلية" وبدأت مراحل جديدة من النضال والوسائل النضالية كالاضرابات المفتوحة عن الطعام كخطوة استراتيجية، بالإضافة إلى الخطوات التكتيكية كإرجاع بعض الوجبات وأساليب ووسائل أخرى  .

واضح جداً أن الهدف من التعامل بهذه العقلية مع الأسرى كان تطويع الدماغ، وتحويل المعتقلات لمختبرات لكسر الإرادات الوطنية، وتحطيم المعنويات، وإفقاد الإنسان أبسط معاني الإحساس بآدميته وانحداره من سلالة البشر، وقتل محتواه القيمي والوطني، أو تصفيته جسدياً إذا ما تعذر ذلك.

إعداد الباحث: رأفت حمدونة

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/79613

اقرأ أيضا