أتقن الاحتلال "الإسرائيلي" فنّ التفاوض والمراوغة والتسويف والضحك على ذقون العرب والفلسطينيين، عقودا من الزمن. هذه السياسة، وإن كانت عوجاء من وجهة نظرنا، تخدم "الإسرائيليين" ومشروعهم الاستيطاني في المنطقة، بخاصة في الأراضي الفلسطينية.
أوهم "الإسرائيليون" الفلسطينيين بتوقيعهم اتفاق "أوسلو" المشؤوم، فمنّوا الطرف الفلسطيني أمانيّ كثيرة اطمأنوا لها، فراحوا يخطّطون ويعقدون الآمال العريضة على مآلات المفاوضات، وما سيتمخّض عنها من إقامة دولة فلسطينية مستقلة وحلّ باقي الملفّات العالقة.
واليوم، وقد بات في حكم المؤكد رفض الاحتلال، من حيث المبدأ، فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وتفكيك المستوطنات والانسحاب من شرقي القدس، والتخلي عن الوجود الأمني والسيطرة على المعابر، فإن موضوع فرض القانون المدني "الإسرائيلي" على سكان الضفة الغربية وضمها أصبح أقرب من أي وقت مضى، وأضحى مسألة وقت لا غير.
استغلّ الاحتلال الصراع والحروب على مستوى الإقليم، وحالة الانقسام الفلسطيني، وانشغال الكل العربي بمشاكلهم الداخلية المترتبة على ما عرف بالثورات العربية، فزادت من عربدته في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، من خلال تسريع وتيرة البناء في المستوطنات، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، وتشجيع ممارسات المستوطنين والحركات الإرهابية اليهودية بهدف فرض سياسة الأمر الواقع، وتفويت الفرصة على الفلسطينيين حاضرا ومستقبلا بالتفكير في إقامة دولة لهم، أو حتى مجرّد الحديث عن أراض عربية محتلة اسمها الضفة الغربية.
إن الرهان على المفاوضات، أو عقد هدنة مع الاحتلال "الإسرائيلي" وهمٌ! فمنذ متى التزم "الإسرائيليون" بهدنة أو بقرارات؛ ابتداء من قرارات الأمم المتحدة الكثيرة ومؤسساتها الرسمية الأخرى، مرورا بمباديء اتفاق "أوسلو" وما التزمت به، غير عابئة لا بشرعية دولية ولا مرجعية عالمية ولا قانون دولي. ولهذا فالاحتلال "الإسرائيلي" لا يزال يعيش مرحلة العلو في الأرض، ولم يصل بعد إلى سقف ذلك، حتى إنه مرشح ليصول ويجول ويفرض حقائق جديدة على الأرض، ما دامت الأمة العربية - ومنها الشعب الفلسطيني - تعيش في التيه وفي بحر من السراب والأوهام التي لا تغني من الحق شيئا، وما دام العرب أيضا يلهثون وراء "تطبيع" العلاقات مع تل أبيب، وينسّقون معها، بل وتشارك بعض الدول العربية أمنيا في ضرب بعض الحركات الموصوفة بالإرهابية في قاموسهم الأمني والسياسي.
يترقبّ "الإسرائيليون" الآن ذلك اليوم الذي تصبح فيه الضفة الغربية قد هوّدت تماما، وهذا لن يحصل قبل ارتفاع نسبة المستوطنين فيها، الذين بلغوا الآن قرابة نصف مليون، يعيشون في أكثر من ثلاثمائة مستوطنة، ناهيك عمّا صودر وجرى الاستيلاء عليه من الأراضي وتهويد الحيّز، ثم "تطبيع" العلاقات مع الفلسطينيين سكان الضفة الغربية أيضا من خلال البوابة الاقتصادية والمصالح المشتركة، وفق قاعدة التعايش بين اليهود والعرب، كما فعلوا مع فلسطينيي الداخل، مستعينين بجمعيات ومؤسسات مجتمع مدني وحقوق إنسان وأخرى تعمل في إطار حوار الأديان والحضارات.
وتطرح في هذا السياق عدة أسئلة واستفسارات منها: إلى متى يستمر صمت الفلسطينيين عن المشاريع الظلامية "الإسرائيلية"؟ ولماذا يأتي الرد الفلسطيني في أغلب الحالات باردا؟ أليس الفلسطينيون على دراية بالمخططات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية؟ إلى متى يبقى هذا الصمت؟
ومن جهة أخرى حق للبعض أن يسأل: ما جدوى تجريب المجرب فيما يخص هدنة مع تل أبيب؟ ألا يصب ذلك في المحصلة في مصلحة الاحتلال؟
لقد غدا الاحتلال "الإسرائيلي" قريبا جدا من ضم الضفة الغربية المحتلة، ولن يتورّع في إنفاذ ذلك عندما يحين الوقت المناسب، ما داموا يعتبرونها دينيا وتاريخيا وأيديولوجيا جزءا من أرض "إسرائيل"، كما يدّعون، يحرم التنازل عنها في شريعتهم، فهل سننتظر إلى ذلك اليوم؟!
المصدر: فلسطينيو 48