على مدار سنوات، يتكرر مشهد المعاناة والانتظار ذاته مع كل مرة تفتح فيها بوابة معبر رفح البري، وتتحول إلى عنوان عريض لمأساة عشرات آلاف الفلسطينيين في القطاع، بسبب إغلاقه المتواصل، وفتحه على فترات متباعدة لسفر أعداد محدودة من أصحاب الحالات الإنسانية. لم يكن يعلم الطالب فادي العشي، الذي يدرس السنة الثالثة في كلية الهندسة المعمارية في دولة الجزائر، أن مسافة قصيرة لا تتجاوز الـ50 متراً داخل معبر رفح البري والحدودي، بين قطاع غزة ومصر ستكون بمثابة ضياع لحلمه في التخرج ووضع مستقبله على طاولة "الانتظار والمصير المجهول".
وفور سماع خبر فتح معبر "رفح" البري من الجهات الرسمية، سارع الطالب فادي إلى مراكز التسجيل، داخل أبو خضرة وهيئة الشؤون المدنية لتسجيل اسمه، ضمن المسافرين خلال فتح أيام المعبر والتي استمرت من الإثنين حتى اليوم الخميس من نفس الأسبوع.
إلا أن الأمل بخروجه خلال أيام فتح المعبر، اصطدم بعد إعلامه بأن اسمه، سيكون ضمن السجلات التي ستوزع خلال فتحه المعبر المقبلة وليست الحالية، نظراً لوجود آلاف من الطلاب والمرضى وأصحاب الاقامات كانوا قد سجلوا قبله في الكشوفات الرسمية.
وجع مستمر
ويقول العشي: هذا هو وضع قطاع غزة الصعب للغاية، وهذه هي المعاناة الكبيرة التي نعيشها بسبب الأزمة المستمرة، في إغلاق الجانب المصري للمنفذ الوحيد لسكان غزة للخارج".
ويضيف: "أصارع الزمن حتى أتمكن من الخروج من غزة واللحاق بجامعتي في الجزائر، واستكمال دراستي في السنة الثالثة في كلية الهندسة المعمارية، والفصل الدراسي الجديد سيبدأ، بعد أسابيع قليلة ومستقبلي الآن أصبح في خطر كبير".
ويتابع وملامح والإرهاق والخوف من مصير مجهول يسيطران عل ملامح وجهه: في حال لم أتمكن من السفر خلال شهر واحد فقط عبر معبر رفح، سأفقد العام الدراسي بأكمله ولن استطيع الدراسة، وسأتأخر عاماً كاملاً، هذا أمر خطير للغاية ولا يمكن أن أتقبل حتى التفكير به".
ويقول: "لا يعني لي الكثير من يتحمل مسؤولية إغلاق المعبر، وما يهمني الآن هو فتح المعبر والسفر لاستكمال دراستي، وإلا سأبقى بلا دراسة ولا حتى مستقبل".
هذا وينتظر آلاف الفلسطينيين العالقين في قطاع غزة من الطلبة، وذوو الحالات الإنسانية الماسة لقضاء حاجاتهم وتمكنهم من السفر عبر معبر رفح البري الذي تغلقه السلطات المصرية لأيام وتفتحه جزئياً ولا تسمح بالسفر إلا لأعداد محدودة جداً.
وتعمل وزارة الداخلية وهيئة المعابر في قطاع غزة بآلية عمل، تتم من خلال نشر كشوفات مسافرين بها أسماء من كافة الفئات المذكورة وفق تسلسل رقمي مُتبع من قبل دائرة التسجيل في مُجمع أبو خضرة الحكومي، لكن على الرغم من ذلك يتفقد الآلاف المعبر طمعًا في اقتناص فرصة للسفر .
عقاب جماعي
معاناة الطالب العشي، لا تختلف كثيراً في تفاصيلها بل كانت أخف نوعاً ما، بعد الحديث مع المواطن ناصر سمور، من سكان مدينة غزة، والذي ينتظر فتح معبر رفح على أحر من الجمر ، ليتمكن من معاجلة ابنه علي ( 12 عاما)ً، والمصاب بمرض السرطان.
ويقول سمور: انتظر فتح معبر رفح على أحر من الجمر، وكنت اتابع كل خبر ينشر لفتح المعبر، حتى أتمكن من المغادرة مع ابني علي إلى أحد المستشفيات المصرية، لاستكمال علاجه بعد أن أصابه مرض السرطان".
ويضيف :"موعد سفري أنا وإبني المريض تأجل أكثر من 10 مرات، بسبب إغلاق معبر رفح، وكل ما يوضع من ذرائع فلسطينية أولا بخصوص الكشوفات والتحويلات، أو مصريا باستمرار إغلاق المعبر بسبب الأوضاع الأمنية في سيناء".
ويقول: "ابني مريض وحالته الصحية تسوء بشكل كبير يوماً بعد يوم، والمطلوب سفره بشكل عاجل إلى مصر للعلاج، وانا الان انتظر دوري اليوم الخميس، حتى أتمكن من السفر برفقه علي ومغادرة غزة للعلاج".
وحمل المواطن سمور، حركتي" فتح وحماس" والحكومة الفلسطينية والسلطة، المسؤولية الكاملة عن استمرار إغلاق معبر رفح، وتنفيذ عقاب جماعي لسكان القطاع، مؤكداً أن الأوضاع بغزة لا تطاق والأزمات فيها تتفاقم والمنفذ الوحيد مغلق أمام سكانها المحاصرين.
وفتحت السلطات المصرية بوابة معبر رفح البري، يوم الاثنين الماضي ، لمغادرة ووصول المسافرين في كلا الاتجاهين في أول أيام الفتح الاستثنائي والتي ستستمر حتى اليوم الخميس.
وفي إحصائيات محلية، فاق عدد المحتاجين المسافرين عبر المعبر حاجز الـ90000 مواطن، منهم 15 ألفا بحاجة ماسة للسفر موزعين على فئات المرضى والطلاب وأصحاب الاقامات والجوازات الأجنبية والتجار.
ويربط معبر رفح البري، قطاع غزة بمصر، وهو معبر مخصص للأفراد فقط، والمنفذ الوحيد لسكان القطاع (1.8 مليون فلسطيني) على الخارج، وتغلق السلطات المصرية معبر رفح الواصل بين قطاع غزة ومصر بشكل شبه كامل منذ تموز/ يوليو 2013، وتفتحه استثنائيًا فقط لسفر الحالات الإنسانية.
وتقول الجهات الرسمية المصرية، إن فتح المعبر مرهون باستتباب الوضع الأمني في محافظة شمال سيناء، وذلك عقب هجمات تستهدف مقرات أمنية وعسكرية مصرية قريبة من الحدود.
المصدر: صحيفة الإستقلال
