قائمة الموقع

مرحلة المقايضات

2015-08-10T07:40:25+03:00
عضو الكونغرس الجمهوري جون ماكين
حافظ البرغوثي

لا أحد يستطيع التكهن بما يحدث وسيحدث في المنطقة، بل لا أحد توقع ما حدث أصلاً لأنها أحداث لا تخضع للمنطق فهي خارج المنطق السياسي والأخلاقي، لكننا الآن دخلنا مرحلة المقايضات العلنية والمستترة فكل دولة تدخل في مقايضة سياسية مع دولة أخرى.

قبل سنة من الآن أو في مطلع العام الماضي كان "السيناريو" المرتقب كالتالي كما رسمه عضو الكونغرس الجمهوري جون ماكين في لقاء عقده في فندق الملك داود في القدس وحضر اللقاء شخصيات وفعاليات «إسرائيلية» مختلفة من كافة الاتجاهات والكتل البرلمانية ووزراء سابقون ورؤساء أركان سابقون وقادة مخابرات.

قال ماكين إنه قد آن الأوان لنفكر بجدية وبحرص على مستقبل «إسرائيل» فسياسة دفن الرؤوس بالرمال والهروب من الواقع أصبحت غير مجدية الآن.

ما حدث في محيطكم وفي الدول العربية خاصة الذي كان مجال ارتياح لكم لفترة أصبح الآن مصدر قلق حقيقي وخوف لكم ولنا. بعضكم في لقاءات منفردة ينظر برعب حقيقي لما حدث في مصر وأنا أشاطرهم هذا الرأي فلقد كنا في الولايات المتحدة نفتقد البوصلة ونتصرف بشكل ارتجالي ومع تسلم "الإخوان المسلمين" السلطة في مصر اعتقدنا جازمين إن ما حدث في مصر هو نهاية الرحلة وأن الأمور قد أسفرت عن نتائج إيجابية ولم يخطر ببالنا وأنا أولهم ولا الإدارة الأمريكية ولا معارضيها بأن ما حدث في مصر في بداية 2011 لم يكن النهاية بل بداية ثورة حقيقية، ولم تكن أوضاع مصر الداخلية فقط هي المحرك وحده فيما حدث ولكن كان هناك هدف آخر وأكبر من ذلك هو هيبة مصر وعودة الاعتبار لها.

وأضاف ماكين "كنا نظن في أمريكا أن وجود الإخوان المسلمين في حكم مصر قد يريح المنطقة ويريحنا لعشرات السنين ونكون فيها قادرين على دراسة المنطقة بهدوء وروية خاصة لأننا كنا ندرك تماماً إنه ليس في أجندة الإخوان المسلمين أي مواجهة مع «إسرائيل» إلى أن يسيطروا على كل مفاصل الدولة وعلى المدى القريب لا يشكل الإخوان المسلمون خطراً على «إسرائيل»، بل كان اتجاههم نحو العالم العربي وبالذات نحو دول الخليج لتعميم ثورتهم هناك وخلق قواعد صلبة لهم في كل دول العالم العربي ومن بعد ذلك ستكون «إسرائيل» في أولوياتهم وهذا كان سيستغرق وقتاً طويلاً ربما عقوداً من الزمن وربما كانوا سينجحون أو يفشلون".

وقال أيضاً "ولكن الزلزال الحقيقي حدث فأفسد علينا طول الوقت الذي كان متاحاً لنا للتفكير بهدوء ففرض علينا التفكير السريع وأقول السريع وليس المتسرع في مواجهة ما يحصل".

فما حصل في مصر من سقوط سريع للإخوان المسلمين فرض علينا مناقشة وضع المنطقة من جديد وقد أعجبت ببعضكم الذي كان ينظر بخطورة لما حصل في مصر على «إسرائيل» وأمنها.

بعضكم يقول إن مصر ستكون مارداً مخيفاً لـ«إسرائيل» بعد سنة أو بعد سنتين وأنا أقول ربما سيستغرق ذلك خمس سنوات على الأقل ولكن مصر السابقة والمريحة لـ«إسرائيل» انتهت ولن تكون.

مصر الآن تدخل في عالم النظام الشعبي الذي سيكون فيه الشعب هو المؤثر والمقرر على الحاكم.
النظام الجديد القادم في مصر مهما كان ومن كان سيكون قادراً على توحيد الصف الوطني المصري والالتفاف الشعبي حوله حتى ولو جاعوا وسيكون أول بؤرة نظام عربي قومي جديد ستلتف القوى والدول العربية حوله، منهم بدافع الخوف من المستقبل ومنهم بقناعة، وستسقط حالة الخوف العربي من «إسرائيل» عاجلاً أم أجلاً.

إن غياب دور مصر الحقيقي في المنطقة سيساعد «إسرائيل» على اختراقات عربية في دول الخليج وغيرها لكن مصر قوية وفاعلة ستحول دون ذلك بعد الآن.

هذا ما قاله ماكين عن مصر ودورها.. وهذا هو الذي أعاد قلب السياسات في المنطقة سواء الأمريكية أو الروسية او الإيرانية لأن مشروع الإخوان الحليف لأمريكا سقط ونحن الآن نشهد سقوطه الذريع في تركيا حيث تعيش إرهاصات داخلية من شأنها إضعاف الدور القيادي لتركيا في جماعة الإخوان.

الآن نشهد مرحلة المقايضات.. الغرب قايض إيران حول ملفها النووي.. وإيران تقايض مصر ودول الخليج حول الحفاظ على أمنها بعد أن وجدت يديها مطلقتين في سوريا والعراق وربما لبنان وها هي تهجر الحوثيين حفاظاً على اتفاقها النووي مع الغرب. وروسيا تقايض إيران حول ضرورة الحفاظ على أمن الخليج وتقايض دول الخليج حول ضرورة تداخل الأزمتين اليمنية والسورية وحلهما بشكل متواز والرياض تقايض تركيا باعتبارها تخدم الأمة العربية.

بقي هناك الموقف الأمريكي من "الإخوان المسلمين" فكما حاول جون كيري في زيارته الأخيرة للقاهرة أن يردد على مسامع المصريين بضرورة فتح حوار معهم وإعادة الاعتبار اليهم سياسياً ليشاركوا في الحياة السياسية. لكن الموقف المصري سواء تجاه الخطوة السعودية باستقبال خالد مشعل أو في الأفكار الأمريكية لإعادة الاعتبار للمعتدلين منهم ظل كما هو، وهو أن جماعة "الإخوان" تشكل الحاضنة للإرهاب ولجماعاته وأنه لا مجال للحوار مع من يمارسون الإرهاب في مصر وأن "حركة حماس" جزء من الاختراق الأمني في مصر ولا يمكن الثقة فيها.

حتى الآن ثمة مخاض في المقايضات أسفر عن اتصالات سعودية - سورية وعن محاولات لكسر الجمود في العلاقات الإيرانية السعودية وعن احتمال حوار عربي إيراني وليس خليجياً - إيرانياً وعن خفوت المحور التركي القطري.. وعن انفراج في الأزمة اليمنية سواء على طريق الحل السياسي أو العسكري، مرحلة المقايضات باتت أفضل من مرحلة المحاور لأنها تفرز تهدئة وتفاهمات هنا وهناك. ولم يفرض هذه الوقائع على الأرض سوى التغيير في مصر.

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية 

اخبار ذات صلة