بإرادتهم الصلبة، وعزيمتهم التي لا تخمد، أفشل المصلون في ساحات المسجد الأقصى، اقتحاماً استيطانياً كبيراً كانت قد دعت إليه جمعيات استيطانية الأحد الماضي، في ذكرى ما يسمى بـ"خراب الهيكل"، في مشهد عكس تصدي المقدسيين وحدهم للاحتلال ومستوطنيه دون دعم أو مناصرة رسمية من الدول العربية.
وكان مرابطون في المسجد الأقصى قد تصدوا الأحد الماضي، لاقتحام نفذه مستوطنون، على رأسهم وزير الزراعة الإسرائيلي "أوري أرئيل"، في ذكرى ما يسمى "خراب الهيكل"، وأسفرت المواجهات عن إصابة 17 فلسطينيا، و4 من أفراد شرطة الاحتلال.
وعقب فشل اقتحام المستوطنين تعمد عدد منهم للإساءة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث ادعت شرطة الاحتلال أول من أمس، توقيف مستوطن خارج أبواب المسجد الاقصى، بعد أن هتف بعبارات مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ويعد هذا هو الحادث الثالث في غضون أقل من أسبوع، الذي تتم فيه الإساءة للنبي محمد من قبل مستوطنين يهود.
فقد قامت مستوطنة اسرائيلية الخميس الماضي بالإساءة إلى النبي قرب إحدى بوابات المسجد وجرى الافراج عنها من قبل الشرطة بعد توقيفها.
كما أفرجت محكمة الصلح الاسرائيلية في القدس الاثنين الماضي، عن مستوطن سجل هتافه ضد النبي محمد على شريط فيديو في شوارع البلدة القديمة في القدس، حيث أمرت المحكمة بإبعاده عن مدينة القدس لمدة ٤٥ يوما حتى اتخاذ القرار بشأنه.
ومن المتوقع أن يشهد غداً الجمعة، مسيرات احتجاجية واسعة في الضفة الغربية والقدس والأردن، كما أعلن مسئولون، احتجاجاً على تدهور الأوضاع في القدس والانتهاكات التي يمارسها المستوطنون بحق المسجد الأقصى.
معركة ملحمية
عبد المجيد أبو معمر، أحد حراس المسجد الأقصى المبارك، يصف ما جرى الأحد الماضي بـ"المعركة الملحمية"، معتبراً أن الأوضاع تتطلب تكثيفاً فلسطينياً في التواجد داخل المسجد الأقصى بصورة مستمرة.
وقال أبو معمر: "قام نحو 120 مستوطناً بشكل مفاجئ بصحبة وزير زراعة الاحتلال أوري أرئيل، باقتحام الأقصى على دفعات متتالية برفقة قوات الاحتلال، ولكن هذا الأمر لم يرق للمصلين الفلسطينيين الذين تصدوا لهذه المجموعات وأخرجوها من حيث أتوا بعد اشتباكات استمرت لساعات وأدت إلى إصابة العديد من المصلين بالإضافة إلى إصابة أفراد من شرطة الاحتلال". وأضاف: "إن قوات الاحتلال حاصرت الجامع القبلي وأغلقت أبوابه بالسلاسل الحديدية، وأخرجت الحراس منه بعد الاعتداء عليهم، كما منعت دخول موظفي الأوقاف للمسجد الأقصى".
وبيّن أبو معمر أن المواجهات امتدت خارج بوابات المسجد المبارك في القدس القديمة، أعقبها إغلاق المسجد أمام المواطنين، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المسجد لقمع المعتكفين بداخله.
ولفت النظر إلى أن الاحتلال حول الأقصى بالأمس إلى ساحة حرب، حيث أن ما لا يقل عن 600 جندي وعنصر من قوات الاحتلال اقتحموا المسجد.
وأوضح أن المستوطنين وبعد فشل اقتحامهم في ذكرى خراب الهيكل المزعوم، تعمدوا استفزاز المصلين المسلمين حيث أطلق بعضهم شعارات مسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي لم يحتمله عدد من المرابطات المقدسيات على أبواب القدس، حيث حاولن مهاجمة من تعمد الإساءة للرسول الكريم إلا أن شرطة الاحتلال قمعتهن.
جمعة غضب
ونددت السلطة والفصائل والقوى الفلسطينية باقتحام المستوطنين والشرطة الإسرائيلية المسجد الأقصى، وطالبت في بيانات منفصلة المجتمع الدولي بالتدخل العاجل "لوقف مسلسل الانتهاكات والجرائم بحق المقدسات الإسلامية".
كما حظي اقتحام المستوطنين هذا، بإدانة من قبل دول عربية وهيئات رسمية وشعبية، تفتقر لأفعال الدعم الحقيقي الذي يتطلع إليه المقدسيون.
ووجهت فعاليات حزبية ونقابية أردنية دعوة إلى جمعة غضب في الأردن، يوم غد الجمعة، نصرة للمسجد الأقصى، فيما دعا الأزهر إلى تدخل دولي، كما دان مجلس الوزراء الكويتي اقتحام المسجد من قبل مستوطنين إسرائيليين، الأحد الماضي. كما أكدت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية أن اقتحام قوات الاحتلال بمرافقة مغتصبين ومتطرفين للمسجد الأقصى المبارك وإغلاق بواباته، والتعدي على المصلين الموجودين في باحاته يعدُّ انتهاكًا لحرمة المسجد، واستفزازًا لمشاعر المسلمين.
وأكدت مكانة القدس والمسجد الأقصى العظيمة في الدين الإسلامي، وما يمثلانه من منزلة كبيرة في وجدان المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها.
فيما دانت كل من جامعة الدول العربية والأردن اقتحام عناصر من الشرطة الإسرائيلية، ومجموعة من المستوطنين والمتطرفين اليهود، باحات المسجد الأقصى المبارك، ووصفت الجامعة الاقتحام بأنه "أمر خطير"، وبأنه يتم بحماية الأمن ومشاركة مسؤولين إسرائيليين من داخل الحكومة.
أقوال لا أفعال
وزير الأوقاف والشئون الدينية، يوسف ادعيس، رأى أن الصمود المقدسي أمام الاحتلال ومخططاته ينقصه الدعم العربي اللازم والجاد، داعياً إلى ضرورة التحرك السريع لحماية المسجد الاقصى.
وقال ادعيس: "من المهم جداً تعزيز صمود المقدسيين، من خلال تمكينهم من مقاومة الاحتلال ومخططاته الرامية إلى تهجيرهم من القدس المحتلة من خلال التضييقات والضرائب والغرامات وفرض أوضاع أمنية مشددة وحياة بوليسية صعبة".
وأضاف: "إن المسجد الأقصى يمر بمرحلة عصيبة جدًا، ويبدو أن هناك قراراً إسرائيلياً سياسياً واضحاً باستهداف المسجد، وتصعيد الوضع فيه، ومحاولة فرض الأمر الواقع، ولكن الاحتلال ما زال يفشل في تحقيق ذلك"، مبيناً أن الأوضاع تتجه نحو التصعيد في القدس، الأمر الذي يتطلب تحركاً عربياً جاداً وكسراً للصمت.
وأوضح ادعيس أن الدعم العربي يتمثل بالإيفاء بكافة التعهدات العربية السابقة تجاه القدس والأقصى، والحديث عن القدس في المنابر والمساجد ووسائل الإعلام من أجل تعزيز وتشجيع العرب على تحريرها وشد الرحال إليها.
وحمّل قيادة الاحتلال كامل المسؤولية عن التوتر الموجود داخل الأقصى، داعيًا الحكومات العربية إلى ضرورة التحرك الفوري والعاجل، لوقف انتهاكات الاحتلال بحق المدينة.
وعبر ادعيس عن آماله في أن يخرج الموقف العربي الرسمي من مرحلة الإدانات والاستنكار، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لهذه الإدانات، بشكل يؤدي إلى إنقاذ القدس من المخططات الإسرائيلية الرامية إلى اقتلاعها وتهويدها.
المصدر: الاستقلال
