تستمر السلطة الفلسطينية في التعامل مع ملف المصالحة الفلسطينية بـ"انتقائية"، من خلال تفعيل بند وتعطيل بند آخر، ففي ذات الوقت الذي تمارس فيه الاعتقال السياسي ضد أبناء التيار الإسلامي في الضفة، تسعى لتشكيل حكومة وحدة وطنية دون استشارة الفصائل الفلسطينية، بعد فشل حكومة التوافق في تولي مهامها المناطة بها، الأمر الذي ينزع الجدية والمصداقية من دعوات وتوجهات الرئيس محمود عباس لإنهاء الانقسام الداخلي.
وكانت قوى وطنية وإسلامية في قطاع غزة، عبرت في وقفة احتجاجية على استمرار الاعتقال السياسي السبت الماضي، عن رفضها الشديد لسياسة الاعتقال السياسي المتصاعدة من قبل أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية ضد المقاومين والمناضلين الفلسطينيين، مؤكدةً على ضرورة الضغط من أجل الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، والعودة إلى الحوار الوطني.
وفي ذات السياق، قال الناطق الإعلامي باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، داود شهاب: "إن استمرار الاعتقالات السياسية التي تمارسها الأجهزة الأمنية في الضفة المحتلة، يكذّب كل مزاعم وأحاديث الرئيس محمود عباس، وقيادة السلطة عن الوحدة الفلسطينية والمصالحة".
وأوضح شهاب في تصريح صحفي، نشر السبت الماضي، أن الخطوة الأساسية لتعزيز الثقة بين الأطراف الفلسطينية هو وقف الاعتقالات السياسية، مشيراً أنه لا يمكن الذهاب إلى مصالحة جادة وحقيقة دون وقف هذه الاعتقالات .
وطالب شهاب السلطة الفلسطينية وأجهزة الأمن في الضفة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين، والالتزام بالإجماع الفلسطيني الرافض لهذه الاعتقالات، مؤكداً أنها تتعارض مع مبادئ المصالحة الفلسطينية.
أجواء غير إيجابية
من ناحيته، أكد القيادي في حركة حماس حسن يوسف أن أكثر من 100 معتقل سياسي لازالوا يقبعون حتى اللحظة في سجون السلطة، مشيراً إلى أن عدد حالات الاعتقال السياسي بالضفة بلغت منذ 2007 نحو 12 ألف معتقل، منهم 1300 معتقل منذ تشكيل حكومة التوافق.
وقال يوسف: "الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية ضد أبناء التيار الإسلامي لا تزال مستمرة وهي اعتقالات غير مسبوقة"، مشيراً إلى أن أجهزة أمن السلطة تسعى لإدامة الاعتقالات السياسية بالضفة من خلال الإفراج عن مجموعة واعتقال مجموعة أخرى في ذات الوقت .
وأوضح يوسف أن الهدف من هذه الاعتقالات هو قمع الفكر الإسلامي في الضفة، ومحاولة السلطة للبقاء منفردة في الساحة السياسية الفلسطينية، داعياً إلى وقف الاعتقالات السياسية والإفراج عن كافة المعتقلين في سجون السلطة وتنفيذ ملفات المصالحة خاصة فيما يتعلق بإعادة دور المجلس التشريعي وانعقاد الإطار القيادي لمنظمة التحرير. وفيما يتعلق بتوجه الرئيس عباس نحو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، قال القيادي في حركة حماس، إن حركته: "ليست معترضة على تشكيل الحكومة، ولكنها تعترض على الأجواء التي تصاحب تشكيل هذه الحكومة، فهي أجواء غير مريحة في ظل استمرار الاعتقالات السياسية".
وشدد على ضرورة إعادة تقييم المرحلة السابقة في ملف المصالحة، ومسار التسوية، والتوصل إلى توافق فلسطيني يجمع كافة الأطر الفلسطينية من أجل الثبات على الحقوق والثوابت، وعدم ترك حقوق الشعب الفلسطيني بيد فصيل فلسطيني واحد.
وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق في تصريح صحفي نشره على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: إن حركته "ليست ضد تشكيل حكومة وحدة وطنية"، لكنه دعا إلى اجتماع كافة الفصائل الموقعة على اتفاقية القاهرة (2011)، لتشكيل حكومة الوحدة.
صعوبة بالغة
المحلل السياسي عبد الستار قاسم، يرى أنه من الصعوبة البالغة لدى السلطة الفلسطينية إيقاف برنامج الاعتقال السياسي في الضفة من أجل اقتلاع أي محاولات لنمو المقاومة المسلحة، وإحباط نمو التيارات الإسلامية سعياً لإرضاء (إسرائيل). وقال قاسم لـ"الاستقلال": "السلطة الفلسطينية لا تستطيع وقف هذه الاعتقالات، فهي المعيار الأساسي لاستمرارها في الحكم، وبالتالي فإن المصالحة الفلسطينية مغيبة بالكامل بسبب استمرار هذه الاعتقالات".
وأوضح أن السلطة تحاول إظهار أن حماس تمارس ذات الاعتقالات السياسية في غزة دون ذكر اسماء أو تواريخ هذه الاعتقالات، مشدداً على أن كافة المؤسسات الرسمية والأهلية تدرك أن السلطة غير صادقة في حديثها حول المصالحة.
وبيّن أن دعوة الرئيس عباس لإنهاء الانقسام، "هي دعوة فاقدة للمصداقية والجدية"، مشدداً على أن إنهاء الانقسام بحاجة لإرادة سياسية قوية لتحدي إرادة الاحتلال الإسرائيلي الرامية لإدامة الانقسام وعدم تحقيق الوحدة الوطنية بين حركتي فتح وحماس.
وكان عباس قال خلال ترؤسه اجتماعا للمجلس الاستشاري لحركة فتح في مدينة رام الله في الضفة الغربية الخميس الماضي: "نؤكد على أننا مصممون على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، من خلال تنفيذ الاتفاقيات التي تمت سواء في القاهرة أو الدوحة، والتي تنص على تشكيل حكومة تكنوقراط تحضر لإجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية خلال 6 أشهر".
ولفت قاسم النظر إلى أن عباس يتفرد بقراراته ولا ينصاع للقرارات التي يتخذها المجلس المركزي لحركة فتح أو أي هيئة فلسطينية أخرى، مذكراً أن عباس عرقل قرار وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال عقب اغتيال القيادي في حركة فتح زياد أبو عين على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل أشهر عديدة.
واتهم عباس أيضاً بـ"التفرد بالقرارات من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية دون شراكة الفصائل، ومحاولة تفصيل المصالحة على مقاسه الخاص"، مشيراً إلى أن عباس يرفض الاجماع الفلسطيني في كثير من النقاط ومنها رفض التنسيق الأمني ووقف الاعتقال السياسي وإنهاء الانقسام الفلسطيني.
وتابع قاسم: "عباس يريد ألا يخرج من ذات الإطار الذي يعمل به الاحتلال الإسرائيلي، فهو يعتقد أن هذا العمل هو الطريق نحو إقامة الدولة، ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الاحتلال يستغل عباس في تنفيذ مخططاته الاستيطانية والتهويدية".
المصدر: الاستقلال