لا تزال قضية "الإسرائيليين" الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية بغزة، محاطة بالغموض دون وجود ملامح أخيرة لطبيعة هذا الملف وما بيد حماس من جنود مأسورين، في الوقت الذي تتسم فيه تصريحات قادة الاحتلال وتقارير الإعلام العبري حول القضية ذاتها بـ"التخبط".
وكان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل كشف أن (إسرائيل) طلبت من الحركة - عبر وسيط أوروبي - الإفراج عن جنديين وجثتين لديها منذ معارك الحرب العدوانية التي شنتها (إسرائيل) على قطاع غزة صيف العام الماضي.
وكان الوسيط "الإسرائيلي" في صفقة شاليط "جرشون باسكين": قال "إن حركة حماس تحاول خلق ضبابية حول مصير الجنديين في القطاع "شاؤول آرون وهدار غولدن".
وسمحت الرقابة "الإسرائيلية" بنشر فقدان "اسرائليين" تسللا لغزة خلال الفترة الماضية أحدهما من أصول إثيوبية، يدعى أبراهام منغيستو، عبر السياج بين إسرائيل وقطاع غزة في شهر أيلول من العام الماضي، طوعاً، ويبدو أنه وقع أسيراً لدى المقاومة الفلسطينية. فيما الأسير الثاني، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عربي بدوي من قرية حورة في النقب.
وذكر باسكين في حديث لإذاعة "103FM" العبرية، أنه تواصل مع "حماس" بخصوص جثتي الجنديين وأن الأخيرة تخلق ضبابية حول مصيرهما، وأبلغته أن أحدهما على قيد الحياة.
في سياق آخر ذي صلة، عقب الوسيط باسكين على الإعلان "الإسرائيلي" حول الإسرائيليين المفقودين في القطاع، قائلاً إنه توجه قبل 6 أشهر لحماس وطلب معرفة مصير المفقود الإثيوبي "مانغستو"، وأجابوه أنه دخل القطاع وجرى استجوابه، وبعدها أرادت حماس إعادته لـ(إسرائيل) ولكنه رفض وخرج من القطاع عبر أحد الأنفاق إلى سيناء، لربما إلى موطنه الأصلي إثيوبيا، وانقطعت أخباره بعدها.
مما يلفت أن وسائل الإعلام "الإسرائيلية" التزمت الصمت التام طوال الأشهر الماضية، رغم معرفتها بالحادثة، بناءً على قرار الرقابة الإسرائيلية.
واثارت المعلومات التي تم الكشف عنها مؤخرا حول اثنين من جنود الاحتلال اختفت آثارهما بعد اجتيازهما الحدود مع قطاع غزة انتقادات واسعة لحكومة الاحتلال حول طريقة تعاطيها مع الموضوع وعدم نشره في وقت سابق.
إلى ذلك، أعلنت القناة العبرية الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي عن تعيين العقيد احتياط "ليئور لوتان" على رأس طاقم للتفاوض بشأن الأسرى الإسرائيليين لدى حماس.
وقال مراسل القناة العبرية الثانية: "إن هناك قنوات غير مباشرة تقوم بالتفاوض مع حماس بشأن صفقة تبادل أسرى".
وألمح وزير الأمن العام الإسرائيلي، جلعاد أردان، الى أن الإسرائيليين المفقودين في غزة جنديان في الجيش الإسرائيلي.
وقال أردان في مقابلة مع القناة العبرية الثانية، أنه يتوجب على "إسرائيل" عدم الإفراج عن الأسرى وممارسة الضغوط على حركة "حماس" لإعادة الإسرائيليين اللذين وصفهما بأنهما "جنديان"، وذلك قبل ان يتراجع عن تصريحاته.
صمت وتسريبات
ويرى المحلل السياسي حسن عبدو، أن التسريبات الأخيرة حول قضية الأسرى الإسرائيليين المفقودين في غزة، خرجت من الطرف الإسرائيلي في ظل صمت مطبق من قبل المقاومة الفلسطينية التي تحاول العمل بعيداً عن الإعلام وعدسات الكاميرات.
وقال عبدو: "لا أعتقد أن هذه التسريبات جاءت بمعزل عن الحراك السياسي والذي أشار إليه في الأيام الماضية مجموعة من قادة الاحتلال بالانفتاح السياسي على حركة حماس من أجل عقد هدنة طويلة الأمد، مقابل تسهيلات لإنهاء الحصار واعادة الاعمار، وبالتالي هذه التسريبات مرتبطة ببعضها".
وأوضح أن الحراك الدائر في قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى، يرتبط بمستوى سياسي ومستوى آخر يهدف لعقد صفقة تبادل أخرى لتحرير أسرى فلسطينيين، مضيفاً: "حماس تتطلع لتحقيق انتصار كبير يرفع من شعبيتها بغزة لذلك تتطلع لعقد صفقة تبادل أسرى جديدة، ونحن نعلم كيف كان للصفقة الأولى مردود إيجابي على كافة الصعد لحركة حماس، وهي تتطلع لمثل هذا الإنجاز لتقدمه للشعب كانتصار كبير على الاحتلال".
ولفت النظر إلى أن حماس أخذت بزمام المبادرة لإنهاء حالة العزلة والحصار المطبق على غزة، بعد أن بات واضحاً وجلياً أن السلطة لا تتحرك في هذا الصعيد، كما أنه لا يوجد أفق مع مصر لإنهاء الحصار بشكل كامل.
وأضاف عبدو: "إن حماس تسعى لتخفيف الحصار عن غزة، مقابل تهدئة طويلة الأمد، وترى أن مثل هذا الاتفاق غير مكلف سياسياً بالنسبة لها، فهو لا يقترب من الاعتراف بإسرائيل ولا يوجد أي ثمن سياسي مقابله".
وعن صمت المقاومة المطبق في ملف قضية الجنود المأسورين بغزة، قال عبدو: "الصمت هو مفتاح النجاح، وقد حدث ذلك خلال صفقة التبادل السابقة، حيث استطاعت حماس عقد صفقة بعيدة عن الإعلام في مدى زمني طويل في مجال واسع من المفاوضات حتى حصلت أخيراً على صفقة مشرفة".
تخبط كبير
من ناحيته، يرى المحلل السياسي الخبير في الشأن الإسرائيلي، وديع أبو نصار، أن قادة الكيان الإسرائيلي ووسائل الإعلام العبرية، تعيش في حالة تخبط كبير نتيجة صمت المقاومة الفلسطينية، وتصريحات قادة الاحتلال المستمرة حول قضية الجنود المأسورين.
وقال أبو نصار: "الواضح أن صمت المقاومة هذه المرة لم يقابل بصمت من الجانب الإسرائيلي، لأنه طيلة خمسة أعوام من الصمت من قبل الطرفين أجبر إسرائيل على إبرام صفقة تبادل الأسرى مقابل الجندي شاليط".
وأوضح أن (إسرائيل) أمضت 5 أعوام وهي تبحث عن جلعاد شاليط في غزة، ولكن دون جدوى حيث تمكنت المقاومة من الاحتفاظ به رغم الحروب والبحث الأمني المكثف، الأمر الذي أجبر (إسرائيل) في النهاية أن تشق طريق المفاوضات من أجل تحريره.
ولفت أبو نصار النظر إلى أن الإعلام العبري لا يزال لا يعرف ماذا بيد حماس، وهو يمضي في مرحلة التخمين وجمع الأخبار من عدد من قيادات الاحتلال الذين لا لديهم رأي موحد حول ما لدى حماس من جنود.
وبيّن أن (إسرائيل) تعلم أنها في النهاية ستدفع ثمناً غالياً من أجل تحرير ما لدى المقاومة من جنود، مشيراً إلى أن مثل هذه الصفقة من شأنها أن تضع نهاية لمشوار بنيامين نتنياهو السياسي في حياته، لما لها من آثار سلبية للغاية في الكيان الإسرائيلي، ولاعتبارها انتصاراً كبيراً لحماس والمقاومة.
وتابع أبو نصار: "يمكن لمثل هذا النصر أن يظهر مدى الفشل الذي مني به الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، وبالتالي ستتزعزع ثقة الجمهور بنتنياهو، خسر الحرب وما بعدها".
المصدر: الاستقلال
