(الكتاب: "وسطاء الخديعة"... الكاتب: د. رشيد الخالدي... الناشر: بيكون برس (بالإنكليزية) 2013 ... مراجعة مرح البقاعي)
في هذا الكتاب الغني بالمعلومات التاريخية والتحليل السياسي المعمّق، وبمشاهد من جولات سياسية حضرها البروفيسور رشيد الخالدي شخصياً خلال المفاوضات الفلسطينية "الإسرائيلية" حيث شارك فيها كمستشار للوفود الفلسطينية المفاوضة، يستعرض الخالدي رحلة سبعة عقود من الصراع المستعر بين الشعب الفلسطيني من طرف و"اسرائيل" من طرف آخر، ويتحدّث بإسهاب عن دور الولايات المتحدة في محاولاتها المتعثّرة لفك هذا النزاع، وعن مهمتها كوسيط يدّعي النزاهة في عملية السلام التي حملت بذور فشلها بين طيّات وثائقها.
وعلى امتداد 208 صفحة من كتاب «وسطاء الخديعة» يستعرض الخالدي عن كثب الدور السلبي للولايات المتحدة الذي عرقل أية إمكانية للتقدّم نحو سلام متكامل بين فلسطين و"اسرائيل" وذلك من خلال وقوفه على ثلاث محطات تاريخية مفصلية في مسيرة المفاوضات. أما المحطة الأولى فهي ما دعي بـ «خطة ريغان» في العام 1982، وكانت ترمي إلى إعادة صياغة اتفاقية "كامب ديفيد" ضمن رؤية أكثر نزاهة وعدلاً، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء "الاسرائيلي" في ذلك الوقت مناحيم بيغن؛ أما المحطة الثانية فتلقي الضوء على المرحلة التي تلت مؤتمر مدريد للسلام بين العامين 1991- 1993، حيث كانت الولايات المتحدة تتوسط بين الطرفين حتى توصلا إلى توقيع اتفاقات "أوسلو" التي تمّ التوصّل إليها سرَاً في ذلك الوقت؛ والمحطة التاريخية الثالثة والأخيرة في هذا الكتاب فيسجّل الخالدي فيها لموقف أوباما المربك وتراجعه عن كل العهود والخطط المبرمة من أجل وقف حركة الاستيطان وبناء المستوطنات في الضفة الغربية.
من خلال تنقّله الموضوعي والعلمي بين هذه المحطات التاريخية الحاسمة في مسيرة الصراع الفلسطيني "الاسرائيلي"، وكخبير شارك في اللجنة الاستشارية للوفد الفلسطيني المفاوض خلال جولة المفاوضات للعام 1991 في واشنطن والتي سبقت اتفاقات "أوسلو"، يكشف الخالدي عن المساعي الحثيثة التي بذلتها الولايات المتحدة إلى جانب "إسرائيل"، والجهود التي وصلت إلى حد التواطؤ، وذلك بهدف منع قيام دولة فلسطين من جهة، وحسم الموقف الموقف السياسي المعلّق لصالح "اسرائيل" من جهة أخرى.
"وسطاء الخديعة" كتاب ثمين يسجّل لحقائق تاريخية حول أسباب فشل "عملية سلام" في الشرق
الأوسط، والتي ترجع ، حسب الخالدي، إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تلبس على مدى عقود قناع الوسيط النزيه الذي يحاول بكل أدواته السياسية أن يجلب الطرفين المتنازعين إلى الطاولة، لكن في واقع الأمر، كان صناع القرار الأميركيون مجرّد وكلاء لاستمرار هذا الظلم الطويل الأمد، بل وشهوداً على تعطيل القرارات التي كان من المفترض اتخاذها وهي صعبة ومصيرية ولكنها ضرورية وحتمية من شأنها أن تقيم سلاماً عادلاً ومستداماً في الشرق الأوسط لو تمّ إقرارها في الزمن المناسب.
مشروع أوباما وعوائقه
رشيد الخالدي وهو أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية المعاصرة في جامعة كولومبيا في نيويورك ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية، والذي ربطته صداقة طويلة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما سمحت له بالإطلاع عن قرب على خلفياته السياسية ومنهجية فكره، يفيد في كتابه أن الرئيس أوباما، ومنذ اعتلائه سدة الحكم في الولايات المتحدة في ولايته الأولى، قام بعدة محاولات من أجل اعتماد مشروع سياسي مختلف لإرساء سياسة جديدة في التعامل مع القضية الإسلامية بعامة، والعربية على وجه الخصوص وفي مقدمتها القضية الفلسطينية - أم الصراعات في الشرق الأوسط، لكنه كان يصطدم دائماً "بحائط مبكى اللوبي الصهيوني" القوي والفاعل بين مجموعات الضغط على الساحة الأميركية، والمدعوم سياسياً من قبل عدد كبير من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، وتعزّزه آلة إعلامية جارفة، في الصحافة المكتوبة والمرئية والمنابر العامة، تؤيد بقوة المشروع "الاسرائيلي" بانحياز سافر له مقابل الحق الفلسطيني المكلوم.
ويضيف الخالدي أن العديد من الرؤساء والسياسيين الأميركيين الذين سبقوا أوباما إلى الحكم قد جرّبوا خيار صياغة مشروع عادل ومتوازن وغير منحاز لحلّ "النزاع" الفلسطيني "الاسرائيلي"، إلا أنهم انتهوا بدفع أثمان سياسية باهظة لقاء موقفهم هذا. ويذكر الخالدي في هذا السياق تجربة الرئيس الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر، والرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر اللذين خسرا ولايتهما الرئاسية الثانية ثمناً لموقف اصطدم بالتعنت والصلف الصهيوني. ويشير الخالدي أيضاً إلى شخصيات سياسية قيادية لعبت دور العراب "الاسرائيلي" في أي قرار مفصلي تتخذه الإدارة الأميركية في هذا الشأن من أمثال هنري كيسنجر ودينيس روس وأليون إبراهمز وآخرين.
ويمضي الخالدي محللاً الأسباب التي دفعت أوباما إلى تجميد مشروعه الإصلاحي للسياسات الأميركية الخارجية، والتي ترجع برأي الخالدي إلى فوز الجمهوريين في الانتخابات التشريعية النصفية لمجلس النواب في عام 2010 وحصولهم على الأغلبية في الكونغرس، ما أثار تخوّف أوباما من أن أي تغيير جذري في الخط السياسي العام يمكن أن يهدّد فوزه بفترة رئاسية ثانية؛ هذا الأمر جعله يتراجع عن القيام بأي عمل سياسي جراحي مغاير للسائد، وعاد به إلى الصراط المتعارف عليه في معالجة "النزاع" الفلسطيني "الاسرائيلي" بالمسكنات الموضعية والأدوات المتاحة. وفي هذا السياق تغيّر طاقم المستشارين المعتدلين في دائرة القرار فذهب جورج ميتشل المعتدل ليحلّ في مقعده دينس روس!
خارطة طريق بيغن
يَخْلُص الخالدي من خلال تفنيده للاستراتيجيات الطويلة الأمد التي وضعتها "اسرائيل" بهدف تقويض قيام دولة فلسطينية على أسس عادلة ومتكافئة، يخلص إلى أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق، مناحيم بيغن، قام برسم خارطة طريق تحدّد بدقّة رؤية "إسرائيل" لمستقبل العلاقة الفلسطينية "الاسرائيلية"، والتي تحوّلت إلى نهج معتمد من طرف رؤساء وزراء "اسرائيل" الذين أتوا من بعده، مجتمعين. وتتلخّص خارطة الطريق تلك، حسب قراءة الخالدي، أنه من غير المسموح إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بكافة مقومات الدولة، وأنه من غير المسموح أيضاً إعادة الأراضي التي سبق وأن احتلتها إسرائيل إلى الفلسطينيين، وأن اسرائيل لن تتخلى عن مشاريع الاستيطان القائمة والمستقبلية على تلك الأراضي. وبالمقابل يشير بيغن إلى النذر اليسير المسموح منحه للفلسطينيين وهو سلطة ذاتية في بعض المناطق التي يتواجد فيها السكان العرب، وليس جميع المناطق، على أن تبقى ملكية أراضي السلطة الذاتية لاسرائيل، وأن يكون للأخيرة الحق في تنفيذ عمليات أمنية فيها.
ويرى الخالدي أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين منذ السبعينيات قد سمحوا بطريقة أو بأخرى لخارطة طريق بيغن أن تكون المدار الذي تسير عليه السياسات الخارجية الأميركية، وإن كان الأمر يتم بدرجات متفاوتة. ولم يبرّئ الخالدي الحكومات العربية من مسؤوليتها في عدم السعي الجدّي لإيجاد تصوّر مضاد لهذه الخارطة أو اتخاذ موقف قوي تجاه هذا النهج، وهو أضعف الإيمان. ويفند الخالدي السبب في هذا الضعف في أن معظم الدول العربية تعتمد على الدعم الأميركي، سواء السياسي أو اللوجستي، أو هي تدور بفلك الولايات المتحدة السياسي.
المصدر: صحيفة المستقبل اللبنانية
