تبدو دولة الاحتلال الصهيوني في حالة هلع وكأنها تقف على رأسها.. هذا ما تقوله تصرفات ودعوات وتصريحات أطياف واسعة فيها، بدءاً من رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مروراً بالكنيست ومعظم المسؤولين الحكوميين والحزبيين، وصولاً إلى أنصارها ومؤيديها. المسبب لهذه الحالة بالدرجة الأولى، حركة المقاطعة الفلسطينية المعروفة باسم ال«بي دي إس» وما تحققه من انتشار واسع ونجاحات.
والحركة المذكورة تأسست في الأراضي الفلسطينية في 2005، حين وجه آنذاك المئات من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني نداء إلى أفراد ومنظمات العالم الدعوة إلى: «مقاطعة «إسرائيل»+ سحب الاستثمارات منها + فرض العقوبات عليها». وهو ما تعنيه أحرف اسمها باللغة الانجليزية (pds ).
هذه الحركة تقوم على الاستراتيجية ذاتها التي استخدمها السود في جنوب إفريقيا ﻹنهاء نظام الفصل العنصري. وإنها حركة قائمة على الحقوق، وأهمها ثلاثة: «إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية، وعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وإنهاء جميع أشكال التمييز ضد الفلسطينيين، بمن فيهم سكان مناطق 1948»، وإنها تعمل في إطار القانون الدولي.
نشاط ال«بي دي إس» انتشر انتشاراً واسعاً واكتسب في العامين الأخيرين بالذات زخماً دولياً كبيراً أكد وصوله إلى التيار العام في الغرب. واستقطبت حركات وتحالفات تتبنى مطالبها وتعمل على تنفيذها على امتداد العالم وفي الدول الأوروبية، وبشكل خاص في أمريكا حيث يوجد أضخم تحالف لها كما تعترف الحركة نفسها، وهذا يشكل ل«إسرائيل» قلقاً خاصاً بحكم علاقتها المميزة مع أمريكا.
استطاعت الحركة أن تحقق نجاحات وإنجازات كثيرة: أولها في المجال الاقتصادي، ومن أهمها، قرارات الاتحاد الأوروبي بمقاطعة منتجات المستوطنات وعدم تمويل او المشاركة في أي مشروع او بحث تكون المستوطنات طرفاً فيه، وانسحاب شركات ألمانية وهولندية وبلجيكية من مشاريع «إسرائيلية» في الأراضي المحتلة، ومقاطعة شركات أوروبية ضخمة معارض «إسرائيل» للسلاح وسحب العديد من اكبر صناديق الاستثمار الأوروبية استثماراتها في شركات متواطئة مع الاحتلال، وغير ذلك الكثير..
وفي المجال الأكاديمي، حيث تنضم وبشكل متزايد اتحادات وجمعيات للأكاديميين في أوروبا، وأمريكا،، إلى المقاطعة الأكاديمية الشاملة ل«إسرائيل» وجامعاتها. وفي المجال الفني حيث يقاطع عدد من النجوم العالميين إحياء حفلات لهم في«إسرائيل»، ومؤخرا وقع 1000 فنان وفنانة في بريطانيا على تعهد بمقاطعة «إسرائيل» ثقافياً.
وفي مجال الاتحادات الشعبية والنقابات الوطنية والدولية وهيئات المجتمع المدني. وآخر مثالين على النجاحات الساطعة في هذا المجال: تبني الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا ويمثل ملايين الطلاب مقاطعة «إسرائيل»، ثم ما واجهته «إسرائيل» في مؤتمر الفيفا الأخير من مساءلة حول إجراءاتها العنصرية تجاه الرياضيين الفلسطينيين نتج عنها قرار عن المؤتمر بتشكيل لجنة تحقيق دولية في تلك الإجراءات.
يلعب دوراً مهماً في انتشار حركة المقاطعة ونجاحاتها، أنها تتقدم بتوافق تام مع طبيعة العصر ومع الاتجاه العام الطاغي للمجتمع والرأي العام الدوليين اللذين لا يقبلان، كمبادئ عامة، استمرار الاحتلال وسلب الأراضي والاستيطان فيها، ولا التمييز العنصري، وينحازان لجانب حق كل شعب بتقرير مصيره وبناء كيانه السياسي المستقل.
صحيح أن دولة الاحتلال كانت تستشعر خطر حركة المقاطعة الدولية وقاومت نشاطها ورصدت الأموال الكثيرة لذلك، لكن المثالين الأخيرين اللذين تم ذكرهما دفعا بالخطر والخوف إلى سطح الأحداث ورفعاه إلى درجة الهلع، مع دعوات للتعامل مع المقاطعة كخطر قومي يسعى لنزع الشرعية عن دولة «إسرائيل» وكشفها أمام المجتمع الدولي وعزلها عنه.. ولأن «إسرائيل» بحكم قيامها ربيبة المجتمع الدولي ومحمية الدول النافذة فيه، ولا تملك رفاهية الانعزال عنه، فإنها أعلنت الاستنفار لمواجهة هذا الخطر مترافقا مع دعوات إلى توحد اليمين مع اليسار في المواجهة.
يزيد من مفاقمة الهلع في دولة الاحتلال، أن حملة المقاطعة ونجاحاتها تتكامل مع عدد من التطورات المقلقة، من أهمها:
- النجاحات التي حققتها الحركة السياسية والدبلوماسية الفلسطينية دولياً، سواء بقرار قبول دولة فلسطين عضواً مراقباً في الأمم المتحدة، أو في اعتراف عدد من الدول بها إضافة إلى عدد كبير من البرلمانات، او في قبولها عضواً في العديد من المنظمات الدولية وبالذات في محكمة الجنايات الدولية وغيرها.
- قيام منظمة «كسر الصمت»، وهي منظمة «إسرائيلية» التي بادر إلى تأسيسها عدد من الضباط والجنود المتقاعدين من الجيش "الإسرائيلي"، بجمع شهادات حول خروق جيش الاحتلال لحقوق الإنسان خلال الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة بشكل خاص، وعن معاملته الوحشية واللاإنسانية للفلسطينيين تحت الاحتلال. وفي يونيو/حزيران الحالي نجحت المنظمة في إقامة معرض للشهادات في مدينة زيوريخ بسويسرا، رغم احتجاج دولة الاحتلال لدى سويسرا على دعمها لتنظيم المعرض، ومحاولتها الفاشلة لمنعه.
- ثم عقدت المنظمة المذكورة لقاء مع مسؤولين من مجلس الأمن القومي الأمريكي في واشنطن تم فيه تناول الشهادات التي جمعتها المنظمة، كما أجرى ممثل عنها لقاء منفصلاً في وزارة الخارجية في واشنطن مع مسؤولين في دائرة حقوق الإنسان.
ولا يقتصر الأمر في دولة الاحتلال على منظمة «كسر الصمت» فهناك منظمات عدة أخرى تقوم بتفاوت، بنشر ما يقترفه الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة وانتهاكاته لحقوق الإنسان، أبرزها منظمة «بتسيلم» التي اعتبرتها حكومات «إسرائيلية» متعاقبة شوكة في جانبها.
- القرار الحاسم للمحكمة الأمريكية العليا الذي يؤكد رفض اعتبار مدينة القدس عاصمة ل«إسرائيل»، حين حكمت برفض إضافة كلمة «إسرائيل» بعد كلمة القدس في خانة مكان ولادة أمريكي ولد في القدس. وجاء القرار بعد مداولات دامت ثمانية شهور استعملت دولة الاحتلال خلالها كل صلاتها ومؤيديها ونفوذها للتأثير في القرار لصالح إضافة كلمة «إسرائيل»، لما يعنيه ذلك بأن القدس جزء منها. ولأن القرار كما صدر يعني عدم الاعتراف بضم القدس وبكل ما قامت وتقوم به «إسرائيل» فيها.
- مطالبة منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بإدراج «إسرائيل» على «لائحة العار» التي تتضمن منتهكي حقوق الأطفال خلال النزاعات المسلحة، وذلك إثر الحرب في قطاع غزة العام الفائت، لافتة إلى أن أكثر من 500 طفل فلسطيني قتلوا خلال تلك الحرب. ولا يقلل من قيمة هذه المطالبة نجاح ضغوط الولايات المتحدة و«إسرائيل» وحلفائهما في منع بان كي مون إدراجها.
تستنفر«إسرائيل» كل إمكاناتها وعلاقاتها في مواجهة الحالة الموصوفة، وفي المركز منها حركة «بي دي إس». وتبدو قواها على درجة عالية من الوحدة باستثناءات محدودة وضعيفة التأثير.
يتضح ذلك في نقاشات جلسة "الكنيست" الخاصة التي عقدت لهذا الغرض او في فعاليات السبت الثقافي التي يشهدها أسبوعياً عدد من المدن، وفي أعمال مؤتمر "هرتسيليا"، او في التصريحات والمواقف التي يتم إعلانها. وعلى قاعدة الاتفاق العام على المواجهة، فإن الخلاف الجدي الذي تبديه بعض الأصوات والكتابات، هو تحميل الاحتلال وسياساته أو الاستيطان المسؤولية الأولى عن الحالة التي وصل اليها كيانهم. وبعض آخر، يضيف إلى ذلك عدم قيام الحكومة بالمبادرات السياسية المطلوبة، وبعض ثالث يضيف عدم جدية الحكومة في موضوع الدولة الفلسطينية.
هذا الاستنفار في المواجهة يستهدف بالأساس حركة «بي دي إس»، ولكنه يطال أيضاً منظمات «كسر الصمت» و«بتسيلم» ومنظمات أخرى، من خلال التضييق على نشاطاتها وتمويلها عبر مشروع قرار يجري العمل على إقراره في "الكنيست". ثم إن هذا الاستنفار يستحضر واحداً من أسلحة الحركة الصهيونية التي انتهى زمنها ومفعولها من عشرات السنين وهو سلاح معاداة السامية، تطلقها على حركة المقاطعة وعلى كل تعبيراتها وتشكيلاتها ومن يناصرها. استنفار دولة الاحتلال وصل إلى المنظمات اليهودية بالخارج وباكورة تحركها للنصرة كانت في المؤتمر الواسع الذي عقده في مدينة لاس فيغاس أنصار«إسرائيل» ولجانها في أمريكا بتمويل من صديق نتنياهو الملياردير ادلسون، وموضوعه الرئيسي هو التصدي لحركة مقاطعة "إسرائيل"...
إنها معركة مقاومة سياسية سلمية أهلية مفتوحة، تمتلك مقومات النجاح، أساساً لأنها تتسق مع روح العصر وقوانينه الحاكمة.
المصد: صحيفة الخليج الإماراتية