الاختباء وراء الأصبع لا يفيد أحداً، بل يراكم الأزمة قبل أن تنفجر. من هذا المنطلق، قررت "الجهاد" فتح ملف المخدرات في المخيمات الفلسطينية من لبنان، إدراكاً منها بالخطر الكبير الذي يتهدد مجتمعنا الفلسطيني، في ثقافته وقيمه وعاداته، وثروته الأساسية التي هي أجياله الشابّة.
لم يعد الصمت مجزياً، والصمت يسمح بالتمادي أكثر؛ ولن نقف صامتين ونحن نتفرج على مروجي الموت الأسود يدمّرون أبناءنا ومجتمعنا خدمة لمخططات مشبوهة ومعروفة الأهداف.
إننا في "الجهاد"، إذ نفتح هذا الملف الهام والحساس، فإننا نؤكد على أن المخيمات ليس استثناء في مسألة المخدرات؛ فوزير التربية اللبناني أعلن قبل مدّة أن 20% من الطلاب في المدارس اللبنانية يتعاطون مواد مخدّرة.. وعليه، فإن المخيمات ليس استثناء، بل هي تتأثر بالبيئة المحيطة بها.. ونحن معنيون بما يجري فيها بالدرجة الأولى.
ونحن إذ نفتح هذا الملف، فإن هدفنا هو رفع الصوت عالياً لمواجهة المشكلة ومعالجتها، فشبابنا هم ثروتنا ومستقبل شعبنا وقضيتنا، ولن نسمح بالمساس بصحتهم ولا بتدمير مستقبلهم ..
تعتبر المخدرات من أخطر الآفات التي تتهدد مخيماتنا ومجتمعنا، لما لها من تداعيات سلبية على مصير الشباب تحديداً والمواطنين عموماً، بخاصة بعد أن تبين أن جهات معادية تشجع انتشارها وتدعمها.
للإطلاع على واقع وآثار هذه المشكلة، جالت "نشرة الجهاد" على المخيمات الفلسطينية، وألتقت عدداً من الأطباء ومسؤولي اللجان الشعبية، ومدمنين سابقين وبعض الأهالي، فكان التحقيق التالي:
اعتبر الدكتور محمود صالح أن آفة المخدرات من أخطر ما تتعرض له المجتمعات، وأشار إلى أنه ليس لدى الأطباء الفلسطينيين التخصصات الطبية الكافية، في مجال الأدمان على الهروويين والحشيش والحبوب بالشكل الكافي، لكن هناك حالات إدمان على بعض أنواع المسكنات مثل (الترمال). وقال إن نسبة متعاطي هذه الحبوب قليلة جداً بالنسبة للمرضى الزائرين والمترددين على عيادته، في مخيم عين الحلوة.
وأوضح أنه من الأمور الصعبة التى يواجهها مع المدمنين على تلك الحبوب، هو عدم التزامهم بالنصائح الطبية التى يقوم بإبلاغهم إياها.
نقص الكوادر الطبية المتخصصة
وأضاف صالح: "إن مجتمعنا الفلسطيني في المخيم تنقصه الكوادر الطبية المتخصصه بهذا الشأن، وإن الطبيب الفلسطيني لم يكن لديه التوجه لمثل هذا التخصص، حتى أنه لم يتداول في الأوساط الطبية في لبنان الا ما ندر."
ونصح الشبان، بإيجاد وظيفة لهم حتى يملؤوا الفراغ في حياتهم اليومية، ولا يكونوا عرضة للتعاطي، وأن يبتعدوا عن رفقاء السوء. ووجه للأهل النصيحة التالية: احتضنوا أبناكم واهتموا بهم، من خلال العطف والمحبة وإعطائهم الثقة الكافية والتواصل معهم، وإيجاد الحلول المناسبة لمشاكلهم وأمورهم الشخصية.
وقال مسؤول "نادي بيت المقدس للشباب والرياضة" بمنطقة صيدا، الحاج جهاد الخطيب، لـ"نشرة الجهاد" إن آفة المخدرات التى تنتشر بين القسم الأكبر من الشباب مدمرة، ويسعى مروجوها الى تدمير هذه الفئة لصالح مشاريع بات الجميع يعلمها. كما أن العمل الرياضي الفلسطيني بمختلف مجالاته عليه واجبات ومسؤوليات، إن توفرت له الإمكانيات اللازمة، موضحاً أنه لدى الجهاز الرياضي إحصاءات دقيقة بعدد من يتداولها بين الرياضيين.
وأشار الخطيب إلى أن "نادي بيت المقدس" في مخيم عين الحلوة، دعا الشباب الفلسطيني للالتحاق بأقسامه الرياضية والكشفية والثقافية والطلابية، من أجل العمل ببرنامج توعية وتعبئة الفراغ، والامتناع عن التردد على بعض الأماكن المشبوهة المختلفة، التي هي مكان مناسب لاصطياد الشباب، ووضعهم تحت الأمر الواقع واستغلالهم، بسبب ظروفهم المادية والنفسية الصعبة، واستغلالهم خدمة لأعداء شعبنا وأمتنا وخدمة للمشروع الصهيوني في المنطقة. كما دعا الخطيب القيادة السياسية الفلسطينية وأصحاب القرار إلى التنبه لهذه المؤامرة الكبيرة والخطيرة، التي يتعرض لها خيرة شبابنا وشاباتنا، والوقوف عند مسؤولياتهم قبل فوات الأوان حيث لا ينفع الندم.
الحل بالتربية الصالحة والتمسك المبادئ
ورأى عضو اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد، أبو النمر معاري، أن "المخدرات هي من أخطر وأسوأ الأمراض التي تصيب كل المجتمعات، ومنها المجتمع الفلسطيني؛ وهي نوع من الانتحار الذاتي"، معتبراً أن "أبرز العوامل التي تؤدي إلى ظهور هذه الظاهرة في المخيم هي الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن الفلسطيني، وعدم الوعي، فيلجأ بعض الأفراد إلى الهروب من الواقع المرير، إلى واقع أكثر مرارة".
وقال: "اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد ليست سلطة تنفذية، والمسؤول هو الدولة اللبنانية؛ ولا نقدر أن تقوم بغير حملات التوعية مع فاعليات ومؤسسات المجتمع المدني للحد من هذه المشكلة الخطيرة"، ودعا الجميع إلى التعاون للقضاء على هذه الحالة.
وأسف أبو ربيع، وهو رب عائلة، إلى أنه ليس هناك الكثير الاهتمام من قبل الأهل بشؤون أولادهم، لذلك "نلمس الحال المزرية التي وصل إليها شبابنا؛ ويجب على كل رب عائلة تربية أولاده تربية إسلامية، وبناء جسر من الثقة مع أبنائه، ومن ثم يأتي عامل التوعية والإرشاد، والمتابعة الجدية لكافة شؤون الابن، ووضع قانون صارم داخل المنزل".
أما رب العائلة محمد معاري فقال:"يجب تربية أبنائنا على أساس التربية الصالحة والتمسك بالتقاليد والمبادئ التي تربينا ونشأنا عليها، ومتابعة أمورهم بشكل يومي، وأن يجعل الأب ابنه صديقاً له؛ هكذا نحمي أولادنا وشبابنا من كل الظواهر السلبية"، وأشار إلى أن "اختيار الصديق يجب أن يتم حسب فهم وتوعية كل الأب للأبناء في البيت؛ ولكن للأسف في معظم الحالات يترك الأبناء للضياع".
تعاطي الصيدلي مع الوصفة
وأكد أحد الصيادلة أنه "يجب على الصيدلي التعامل بالأخلاق الطبية، وهذه المهنة إنسانية وليست تجارية"، وقال: "لا يوجد أي حبوب مخدرة لدي، ومن غير المسموح أن أحضرها، وهناك أدوية ممكن صرفها بدون وصفة طبية، ولكن هناك أدوية بحاجة إلى وصفة أطباء، ولا يمكن صرفها بدونها، وإذا جاءتنا وصفة من الدكتور، وفيها مخدر، لا نصرفها، وليست موجود لدينا نهائياً. وقال صيدلي آخر: "نعم هناك عدد بنسبة متوسطة من الشباب يتردد على الصيدلية لطلب أدوية مخدرة، وخاصة الحبوب، وهناك أطباء يصفونها عند الحالة الشديدة والملحة. والصيدلي يصرف الدواء في حالة توفرت وصفة الطبيب فقط".
وكشف الشاب عمر حسن أنه في الآونه الأخيرة ظهرت في المخيمات ظاهرة غريبة وخطيرة جداً، وهي آفة المخدرات والحشيش، حيث أن الكثير من الشباب لا يعلم مدى خطورتها على أمن واستقرار المخيم، وعلى الصعيد الشخصي؛ ويعتبر أن السبب في التعاطي يعود إلى المعاناة اليومية التي يعيشها الشاب الفلسطيني في المخيمات، والبطالة، وقلة فرص العمل وغياب دور الأهل في تربية أبنائهم.
ورأى المشرف الرياضي لـ"نادي بيت المقدس"، إبراهيم أبو شقير، أن "هناك تقصيراً كبيراً تجاه الشباب، ولكن نعمل على توعية الشباب للابتعاد عن المخدرات والحبوب في مخيمنا، التي باتت منتشرة بشكل واسع، من خلال ندوات ولقاءات بالتعاون مع مؤسسات في المخيم"، وتابع: "الحبوب والمنشطات تؤدي الى الأمراض، وضعف في العضلات، ويصبح جسم الإنسان غير طبيعي."
لا تجار مخدرات في المخيمات
وأكد مسؤول اللجنة الشعبية في الرشيدية، الحاج أبو كامل، أن "انتشار المخدرات آفة عالمية غير محصورة في بلد أو في مخيم؛ والمتعاطون في المخيم معروفون ومحصورون؛ والقيادات تعرفهم أكثر منا، والدولة لا تهتم للأمـــر، وعدم المحاسبة من المعنيين شجع الكثيرين." وتابع قائلاً: "وبالرغم من المعطيات الملموسة، فهم في بعض الأحيان لا يسمحون لك بتسليم المجرم أو محاسبته، وأحياناً يتغاضون عنه. وبمجرد ما يتم القبض عليهم وتسليمهم بعد فترة يخرجون رغم إدانتهم، وهذا ليس لصالح المخيم ولا لصالح المجتمع، فهناك الكثير من الذين تم ضبطهم وإدانتهم".
أضاف: "ليس لدينا في مخيماتنا تجار، ولكن هناك موزعين ومروجين. ولو كانوا تجاراً لكانوا أصحاب رؤوس أموال. فالذين يقومون بهذا العمل هم بسطاء مستغلّون من قبل البعض، أما التجّار الكبار، فهم ليسوا في المخيم ولا من المخيم."
أما بخصوص المدارس، فأكد أبو كامل أنه "ليس هناك ترويج كما يقال، ونحن نتابع هذا الموضوع بدقة، والكلام حول ذلك هو افتراءات لا صحة لها."
وأكد الصيدلي د.و : أن "هناك الكثير من السرنجات (الإبر) الطبيعية والمتوفرة، ولكن لا يوجد أي حقن، ونحن لا نقدم أي نوع من هذه الأنواع المخدرة، إلا من خلال وصفة طبية، وفي هذه الحالة يقدر الصيدلي حالة المريض، ونحن في الفترة الأخيرة لم نعد نشتري هذه الأدوية بسبب الحالات التي تأتينا، وإذا كان المريض موثوقاً به نزيد له كمية الدواء."
وأعترف الصيدلي (م.أ.) أن هناك الكثير من الشباب الذين يترددون على الصيدليات لشراء هذه الأدوية (ترامل, بيرت اركسول,dykwtrkl )، وكل صيدلية لها نظامها، وهذا يعود لضمير الصيدلي من خلال الوصفة الطبية التي يصرفها الطبيب.
إذا لم يكن المريض يحمل الوصفة الطبية نتجاهله ولا نعطيه دواء، أما إذا كان يعاني من أمراض عصبية ولا يحمل الوصفة، فبهذه الحالة نقوم بمساعدته ضمن الحدود.
رأي الطب ومدمن سابق
ورأت الدكتورة (م.خ) أن الأطباء يواجهون حالات التعاطف في المخيمات بطريقة لا تتماشى مع وضع المدمن النفسية والصحية والاجتماعية؛ فالطبيب يفتقد إلى دورات تدريبية وتثقيفية ونفسية تخوله العمل على تحسين وضع هذا المحتاج، فضلاً عن اكتساب الثقافة الواجبة لإسعاف حالة طارئة من الإفراط في تناول المواد التي تسبب الإدمان؛ وللأسف إن وجد طبيب كفوء من الناحية الثقافية والتدقيقية سيواجه الضعف في الإمكانيات المتواجدة، والتي تعتبر أساسية لمساعدة هذا الشخص المدمن، مثل العلاقات مع دور العلاج من الإدمان، والدعم المادي الذي من شأنه إعالة المدمن لتغطية كلفة العلاج الباهظة والتأهيل النفسي للمدمن وأهله.
وأوضح أحد المدمنين السابقين، ويدعى (أ. ص)، أن هناك ظروفاً يمر بها الشخص المتعاطي، ويريد أن يقوم بتجربة ليتعرف على نتائجها، وأنا لا أحمّل المسؤولية في هذا الخصوص لأي أحد، وأنما أنا أتحمل مسؤولية نفسي، لأن هذا الفعل نتج عن إرادتي، ولا أريد أن أظلم أحداً في ما وصلت اليه، وأنا أنصح كل الشباب أن لا يقدموا على هذا الفعل الشنيع، ولا أريد لأحد أن يقوم بالخطأ الذي وقعت به، كما أتوجه الى كل المتعاطين أن يقلعوا ويتركوا هذه الآفة المدمرة للجسم والعقل.
المصدر: نشرة الجهاد العدد 108