قائمة الموقع

هل نحن في بدايات نهاية الامبراطورية العالمية الامريكية؟

2015-06-15T09:44:08+03:00
البيت الأبيض (أرشيف)
د.عبد الحي زلوم*

 

المقال الرئيسي لعدد مجلة "التايم" الامريكية المؤرخ في 1/6/2015 بقلم الكاتب الامريكي إيان بريمر IAN BREMMER صاحب كتاب ”القوة العظمى Superpower” يُبين في مقاله بأن الهوّة بين الخطاب الرسمي الامريكي والافعال هذه الايام في عهد أوباما واسعة حقاً. فالخطاب الرسمي ما زال يتكلم عن عظمة امريكا وقيادتها للعالم كأكثر من اي وقت مضى. لكن الافعال تبين بوضوح أن الولايات المتحدة لا تقود العالم اليوم وإنما تقوم بردود أفعال للأحداث بعد وقوعها.

فلقد فاجأها "الربيع العربي" وما نتج عنه من هوّة فُتحت بين الولايات المتحدة والسعودية لسماح الولايات المتحدة بسقوط مبارك، وكذلك لعدم استعمال الولايات المتحدة القوة العسكرية ضد بشار الاسد، عندما كان لها فرصة لاستعمالها بعد استعمال الغازات السامة. كذلك فالازمة الاوكرانية سببت مشاكل اكبر من أي فوائد لها. لكن هذا ليس وليد ولاية الرئيس اوباما فقط فالهوة بين الاقوال والافعال بدأت حتى مع الرئيس (جورج) بوش الاول وكلينتون في الصومال وحروب بوش الثاني البائسة في العراق وأفغانستان. وكذلك تصدع العلاقات مع روسيا والفشل في احتواء الصين الصاعدة.

كل هذه الاحداث كلفت الولايات المتحدة كثيراً من مالها وسمعتها وثقتها بنفسها. وهذه الهوة بين الاقوال والواقع ستزيد اتساعاً مع الوقت. فـ"الدولة الاسلامية" تتوسع ولها اتباع من غرب افريقيا حتى جنوب شرق اسيا. والرئيس الروسي يزداد عناداً في اوكرانيا وحتى اقرب حلفاء الولايات المتحدة  وهي "اسرائيل" تقاوم سياسات الولايات المتحدة بشدة بخصوص ايران، والصين بدأت تتحدى التفوق البحري في بحر الصين الجنوبي، وتتمدد اقتصادياً في كل مكان. فالعالم يتغير ويعاد تشكيله، وكذلك فإن الولايات المتحدة نفسها قد تغيرت.

بينّ الكاتب نتائج عدة استطلاعات لمعرفة رأي الامريكيين عن أي خيار يرغبون أن تكون به امريكا. هكذا كانت نتيجة الاستطلاعات:-

-         كانت الاجابة عن اي امريكا تريد (أ) امريكا المتميزة والاحادية القوة التي تقود عالم بحاجة الى قيادتها أو (ب) امريكا المحافظة على مصالحها الاقتصادية والسياسية حينما تتعرض الى خطر، أم (ج) امريكا المهتمة بنفسها والمركزة على الاصلاح والتحسين داخل حدودها. كانت النتيجة تعادل الاصوات بين امريكا المهتمة بنفسها فقط، وامريكا المحافظة على مصالحها الخارجية، وكانت نسبة المصوتين لامريكا القائدة للعالم والاحادية القوة هي النسبة الاقل. وكانت الفئة العمرية بين 18-29 سنة هي اكثر الفئات التي تفضل امريكا المهتمة بنفسها فقط في الداخل.

-         ما هي اكبر مشكلة في الشرق الاوسط: كانت اجابات جميع الفئات العمرية بأن الولايات المتحدة تريد أن تدير منطقة لا يمكن ادارتها ولعلّ الكاتب اراد أن يقول  سياسة الولايات المتحدة العمياء المؤيدة لاسرائيل بدون قيد أو شرط يجعل تلك السياسة غير قابلة للتحقيق.

يستعرض الكاتب الخيارات الثلاثة فيجد أن الخيار الاول  -  امريكا المتميزة والاحادية القوة هو خيار قد سقط لسقوط الاسس التي بني عليها. كانت تلك الاسس في ما بعد الاتحاد السوفييتي تعتمد في عهد كلينتون على أن الولايات المتحدة تستطيع ان تُوَسِّع "الناتو" الى حدود روسيا دون مقاومة (وصراع اوكرانيا يثبت عدم صحته) وكذلك بأنه يمكن تحويل الصين الى دولة ذي منظومة اجتماعية وسياسية واقتصادية شبيهة بتلك للولايات المتحدة (وهذا لم يحصل). اما في عهد جورج دبليو بوش واختيار اتباع نظام الاحادية واعادة تشكيل الدول لتكون دولاً ” ديمقراطية” بمعنى ايجاد نظام يخلق طبقة وسطى تصبح سوقاً للمنتجات الامريكية فلقد ثبت فشله فشلاً ذريعاً في كل من العراق وأفغانستان.

أما الخيار الثاني  فهو ”امريكا المحافظة على مصالحها الاقتصادية والسياسية دون الحاجة الى فرض المثل الامريكية من ديمقراطية وغيرها على الاخرين”...  يضع الكاتب مثالاً على هذا الخيار بما اتبعه جورج بوش الاول في حرب الخليج الاولى. كان من الضروري تحطيم صدام حسين واخراجه من الكويت وتقليص نفوذه خارج بلاده، وهذا ما فعله كونه يتماشى مع المصالح الامريكية. الا أن خيار اسقاط نظام صدام حسين وإن كان خياراً سهلاً وممكناً من الناحية العسكرية في حينه الا أنه خيار سيحدث معه عواقب وكلفة لا داعي لها، لذلك توقف بوش الاول ولم يكمل المشوار الى بغداد ويُغُيّر نظام صدام حسين. تغيير الانظمة هو الخيار الاول والذي ثبت فشله.

يرى الكاتب في مقاله أن خيار امريكا المهتمة بنفسها والمركزة على الاصلاح والتحسين داخل حدودها هو الخيار الافضل للولايات المتحدة.  هذا الخيار يعني أن تتخلى الولايات المتحدة عن قيامها بإعادة تشكيل العالم كما تراه لما في هذا الخيار من تناقضات بدت واضحة خلال ربع القرن الماضي. ويتسائل الكاتب: ما هو الدرس الذي يتعلمه المرء من حرب فيتنام والعراق وافغانستان؟ إنه مهما كانت قوتك ومهما عَظُمَتْ فمن غير الممكن الانتصار على خصم اكثر تصميماً على تحقيق اهدافه.

وهنا أقول أن هذا المبدأ يجب أن يكون الاساس الاستراتيجي لتعامل مع الكيان الصهيوني. لذلك مهما كانت قوة "اسرائيل" فلن تتمكن من فرض نفسها كأمرٍ واقعٍ مهما طال الزمن... وكما لم تستطع هزيمة قطاع غزة لوجود عزيمة أقوى في غزة وجنوب لبنان. لكن الحال ليس كذلك في الضفة الغربية لوجود إنهزامية منبطحة قبلت على نفسها أن تعمل مقاولاً للاحتلال لا مقاوماً له.

اصحاب هذا الخيار، خيار امريكا المهتمة بنفسها وكاتب مقال "تايم" منهم يرون أن من العبث تصعيد النزاع في اوكرانيا مثلاً، فالمصالح الروسية أكبر بكثير من المصالح الامريكية. لذلك فالروس سيكونوا أكثر تصميماً والتصعيد لا يخدم سوى تأجيج المشاعر المعادية لامريكا داخل روسيا وزيادة التأييد السخي للرئيس بوتين. أصحاب هذا الخيار يرون عدم فرض حلول على "اسرائيل" والفلسطينيين ما دام الطرفان لا يرغبان بها في حقيقة الامر، ولا أن تدافع الولايات المتحدة عن ديكتاتوريات الانظمة الشمولية في الشرق الاوسط في الوقت الذي تَدَعي فيه انها حامية الديمقراطية.

دع الدول المتضررة من تنظيم "الدولة الاسلامية" تقوم بمحاربتها وهي دول المنطقة وأوروبا. من الواضح أن هذه السياسة هي ما تبتدئها الولايات المتحدة الامريكية هذه الايام. وكذلك يقول اصحاب هذا الخيار: فلنترك ألمانيا واليابان ليتصرفا بأمورهما الامنية دون وصايتنا. ملخص الامر أنه علينا أن نتخلى عن اكراه من يخالفنا الرأي أن يرى الامور كما نرها والا!

لو سألني أحدهم ولكن ما هو رأيي انا الذي وطأت قدماي الولايات المتحدة قبل اكثر من ستين عاماً (وذلك يساوي ربع عمر الجمهورية الامريكية)، وواكبت الاطلاع على سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فأرى ان هناك تغيير اجباري على الولايات المتحدة أن  تتجهه وهو خيار التقوقع داخل حدودها، لان ذلك هو مصلحة الجماهير العريضة للامريكيين...

المشكلة ستكون ان المتنفذين في الولايات المتحدة وهم طبقة الواحدة بالمئة التي تمتلك 50 بالمئة من مجموع الثروة الامريكية وتمول حملات السياسيين في الكونغرس وحملات الرئاسة الامريكية (والتي كلفت اخر انتخابات 1.2 مليار دولار) فمصلحة هذه الفئة هي في الخيار الاول وهو الابقاء على الولايات المتحدة كشرطي العالم ليبقيه سوقاً لبضائعهم ومصدراً للعمالة الرخيصة ولنهب ثروات الاخرين. ستحاول فئة الواحد بالمئة القابضة في حقيقة الامر على  كافة  الامور السياسية والاقتصادية الرئيسية  قصارى جهدها على تسويق الخيار الاول لكنه خيار وِلِدَ ميتاً. وفي هذه الفترة سينتج عن هذا التناقض ما توصل اليه المؤرخ العالمي المشهورEric Haubsawm كما جاء في محاضرة ألقاها بجامعة هارفارد بتاريخ 20 اكتوبر/ تشرين الأول 2006 وهذا ملخص ما جاء بمحاضرته “لربما تسبب الإمبراطورية الأمريكية الفوضى والبربرية بدلاً من حفظ النظام والسلام”. وقال “إن هذه الإمبراطورية سوف تفشل حتماً”، ثم أضاف “هل ستتعلم الولايات المتحدة الدروس من الإمبراطورية البريطانية أم أنها ستحاول المحافظة على وضعها العالمي المتآكل بالاعتماد على نظام سياسي فاشل وقوة عسكرية لا تكفي لتنفيذ البرامج التي تدّعي الحكومة الأمريكية بأنها قد صممت من أجلها“.

علمنا التاريخ الحديث بأنه يمكن للإمبراطوريات أن تنهار بين عشية وضحاها كما في الإتحاد السوفييتي. إن النظام الإمبراطوري الأمريكي وعماده هو الشركات العملاقة قد بدأ ينوء تحت وطأة الإنهيار المفاجئ للشركات الذي تبِعَ انهيار سوق العقارات ومنذ ذلك الحين فالاقتصاد الامريكي ما زال مأزوماً بالرغم من ترليونات الدولارات التي ضختها آلة طباعة الدولارات الامريكية ولن يتعافى الا بتغيير جذري أوله التقوقع داخل الولايات المتحدة. ومن هنا ستكون بداية نهاية دولة "اسرائيل" ما دامت هناك ارادة وعزيمة أقوى من القوة الرعناء وقوة الردع التي تم تحديها بنجاح من "حزب الله" و"حماس" ولكن (الله إكفنا شر اشقاءنا الالداء أما اعدؤنا فنحن اولى بهم). ستتحقق الهزيمة متى هزمت الارادة. هُزم الصليبيون بعد مئتي عام من غزوتهم الاولى! "فإسرائيل" خُلقت كياناً مشوهاً لا يحمل عوامل بقائه .

مستشار ومؤلف وباحث

اخبار ذات صلة