قائمة الموقع

المفاوضات النووية.. ملفات شائكة

2015-06-11T10:01:25+03:00
المفاوضات النووية
محمد عباس ناجي

 

تسابق كل من إيران ومجموعة «5+1» الزمن من أجل الوصول إلى تسوية سلمية نهائية لأزمة الملف النووي الإيراني قبل نهاية يونيو/ حزيران الحالي. ورغم تأكيد الطرفين حدوث تقدم خلال الجولة الأخيرة التي عقدت على مستوى نواب وزراء الخارجية والخبراء في فيينا، فإن ذلك لا ينفي أن ثمة عقبات عديدة لم يستطع الطرفان الوصول إلى حلول وسط بشأنها حتى الآن، بشكل ربما يفرض مسارات متعددة للمفاوضات التي تجري في الوقت الحالي.

يبدو أن واشنطن وطهران تسعيان إلى توقيع الاتفاق قبل 30 يونيو/ حزيران المقبل، خاصة أن أي تأجيل ربما يفرض تحديات لا تبدو هينة أمام إدارتي الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني.

إذ إن أي تأجيل أو تمديد محتمل للمفاوضات سوف يعطي الفرصة للكونغرس الأمريكي لممارسة مزيد من الضغوط على إدارة أوباما، بعد نجاح الأول في انتزاع موافقة أوباما على القانون الذي يسمح للكونغرس بالبت في أي اتفاق نووي قد يتم إبرامه مع إيران في غضون شهر.

وفي هذه اللحظة، فإن الكونغرس ربما يستند إلى أن عدم الوصول إلى اتفاق نهائي في الموعد المتفق عليه، يعني أن إيران ليست جادة في توقيع صفقة نووية تنهي مخاوف المجتمع الدولي تجاه برنامجها النووي، وأن السياسة التي تبنتها إدارة أوباما كانت خاطئة في التعويل على إمكانية إنجاز صفقة نووية مع طهران في الوقت الحالي. كما أن «إسرائيل» سوف تسارع إلى محاولة إثناء واشنطن عن الاستمرار في سياستها الرامية إلى التوصل إلى تسوية مع إيران، باعتبار أن الأخيرة لن تلتزم بأي اتفاق نووي مع مجموعة «5+1»، ولن تتراجع عن مساعيها للحصول على أسلحة نووية.

ومن دون شك، فإن حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني سوف تواجه ضغوطاً مماثلة من جانب المحافظين الأصوليين الذين يحاولون عرقلة جهودها لإبرام صفقة تنهي أزمة الملف النووي الإيراني، مستغلين في ذلك الشروط العديدة التي تتبناها القوى الدولية للتوصل إلى اتفاق مع إيران، والتي وصفوها بأنها «وصفة للاستسلام أمام الضغوط الدولية»، فضلاً عن التهديدات التي ما زال يوجهها بعض المسؤولين الأمريكيين تجاه إيران، على غرار الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأمريكية، الذي أكد، في 18 إبريل/ نيسان 2015، أن "الخيار العسكري ما زال قائماً ضد البرنامج النووي الإيراني رغم قرار روسيا تسليم إيران أنظمة صواريخ «إس 300»، مضيفاً أن «ذلك يمثل أداة حيوية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية".

وقد بدت تلك الضغوط التي تواجهها الحكومة جلية في تعمد أنصار تيار المحافظين الأصوليين مقاطعة الرئيس حسن روحاني خلال إلقائه كلمته في ذكرى رحيل الخميني في 3 يونيو/ حزيران الحالي، مرددين شعارات مؤيدة لسياسات المرشد الأعلى علي خامنئي ومنددة بمواقف الحكومة، لاسيما فيما يتعلق بالمفاوضات مع الغرب.

كما انعكست في تأكيد المرشد خامنئي، في 6 مايو/ أيار 2015، أن «إيران لن تتفاوض تحت التهديد»، في رد على تصريحات ديمبسي، وهي إشارة تكشف عن أن إيران تسعى إلى توجيه رسالة إلى القوى الدولية بأنها معنية بالوصول إلى اتفاق نووي لكنها لن توافق في الوقت نفسه على أن يكون ذلك من خلال محاولة شن حرب نفسية ضدها وممارسة مزيد من الضغوط على مفاوضيها النوويين.

ومن دون شك، فإن اقتراب موعد بعض الاستحقاقات السياسية المهمة، على غرار انتخابات مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) والتي سوف تجري بالتزامن مع انتخابات مجلس الخبراء (الذي يتولى تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية) في 26 فبراير/ شباط 2016، سوف يدفع المحافظين إلى تصعيد حملتهم ضد الرئيس، بهدف تقليص قدرة تياره على تحقيق نتائج بارزة في تلك الانتخابات، التي يعول عليها المحافظون بشكل كبير في تكريس سيطرتهم على مؤسسات مهمة داخل الدولة وفرض قيود على سياسات روحاني حتى انتهاء فترته الرئاسية في عام 2017.

خلافات متعددة

لكن يبدو أن الوصول إلى صفقة نووية بين إيران ومجموعة «5+1» قبل نهاية يونيو/حزيران الحالي، ربما لن يكون الاحتمال الوحيد، في ضوء الخلافات المتعددة التي لم يتم التوصل إلى تسويات بشأنها حتى الآن، ويتمثل أبرزها في توقيت رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وزيارة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآتها العسكرية.

إذ إن إيران ما زالت مصرة على ضرورة رفع العقوبات المفروضة عليها بالتزامن مع توقيع الاتفاق، ويبدو أن حكومة روحاني تعول على هذا الشرط تحديداً لضمان تمرير الاتفاق في الداخل والحصول على دعم القيادة العليا في الدولة له، خاصة أن الأخيرة أكدت أنه لن يكون هناك اتفاق ما لم ترفع العقوبات المفروضة على إيران في اليوم نفسه.

لكن المخاوف العديدة التي تنتاب القوى الدولية إزاء إمكانية سعي إيران للالتفاف على الاتفاق المحتمل، على غرار ما فعلت خلال فترات سابقة، ربما تدفعها إلى الإصرار على ربط رفع العقوبات بمدى التزام إيران بالاتفاق، وهو ما يمثل إحدى المهام الرئيسية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي ستتولى إصدار تقارير دورية في هذا الشأن خلال المرحلة التالية على إنجاز التسوية.

وربما يمكن القول أيضاً إن هذه المخاوف هي التي دفعت القوى الدولية إلى الإصرار على ضرورة خضوع المنشآت العسكرية الإيرانية للتفتيش من جانب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خاصة في ظل الشكوك العديدة التي أبدتها الوكالة خلال فترات سابقة، في إجراء إيران تجارب على تفجيرات تقليدية يمكن أن تستخدم في صنع الأسلحة النووية، خاصة في مفاعل «بارشين» العسكري.

لكن إيران تعتبر أن تلك المطالب غير شرعية وتتجاوز الحدود المسموح بها في الاتفاق المحتمل، لأنها، في رؤيتها، ترتبط بزيارة منشآت ليس لها علاقة بالبرنامج النووي، بشكل يمكن أن يضر بأمنها القومي.

ومن هنا، ما زالت إيران تبدي رفضاً قاطعاً سواء لزيارة المفتشين الدوليين لمنشآتها العسكرية، خاصة في ظل اتهاماتها السابقة لبعض المفتشين بالتعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية، أو لإجراء مقابلات مع بعض علمائها النوويين، حيث أشارت تقارير عديدة إلى أن القوى الدولية قدمت قائمة تضم أكثر من 23 عالماً نووياً ومسؤولًا أمنياً إيرانياً، طالبت بتنظيم لقاءات معهم للحصول على إجابات منهم حول البرنامج النووي، وهو ما اعتبرته إيران يدخل في إطار «الاستجواب» الذي لا يمكن التسامح معه حسب تأكيدات المرشد خامنئي.

لكن رغم ذلك، فإن إيران ومجموعة «5+1» تسعيان إلى تجاوز تلك العقبات، من خلال محاولة التوصل إلى حلول وسط بشأنها، وهو ما انعكس في تلميح نائب وزير الخارجية الإيراني كبير المفاوضين عباس عراقجي إلى إمكانية التفاوض حول سبل «وصول» الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت غير النووية «بشكل مضبوط»، حسب ما يقتضيه البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، بما يعني أن إيران قد تقبل بفتح بعض المنشآت العسكرية أمام مفتشي الوكالة، لكن مع التأكيد ألا يتم ذلك في إطار عمليات تفتيش، على غرار ما حدث في السابق، حيث سمحت إيران، في العام 2005، للوكالة الدولية بزيارة موقع «بارشي» العسكري، الذي كانت الوكالة تتشكك في إجراء تجارب داخله على تفجيرات تقليدية لها علاقة بعملية إنتاج الأسلحة النووية لكنها لم تعثر على أي أدلة قد تثبت شكوكها في هذا الوقت.

لكن إلى الآن، لم تتبلور مؤشرات واضحة تكشف عن احتمالات توافق الطرفين على وضع قواعد محددة ل«ضبط» أي زيارات محتملة من جانب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت العسكرية، خاصة في ظل الضغوط التي تتعرض لها إدارة أوباما من قبل الكونغرس و«إسرائيل» للتمسك بهذا الشرط، وهو ما يطرح دلالة مهمة تتمثل في أن تمديد المفاوضات ربما يكون احتمالاً وارداً خلال الفترة المقبلة، باعتبار أن الخلافات العالقة تحتاج إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى حلول وسط بشأنها.

ورغم أن الولايات المتحدة ما زالت مصرة على ضرورة إنجاز الاتفاق في الموعد المحددة مشددة على أنه لا توجد نية لتمديد المفاوضات، فإن إيران بدأت تلمح إلى هذا الاحتمال في الفترة الأخيرة، حيث أشار عراقجي إلى إمكانية تمديد المفاوضات لما بعد 30 يونيو/ حزيران، مؤكداً أن الوصول لاتفاق أهم بكثير من الوقت الذي يمكن أن يستغرقه ذلك.

ومع ذلك، فإن الفترة المتبقية حتى انتهاء المهلة في 30 يونيو/حزيران، يمكن أن تشهد طرح مبادرات أو أفكار جديدة قد تؤدي في النهاية إلى إنجاز الصفقة في موعدها المحدد، بما يمكن أن يجنب الطرفين مواجهة استحقاقات داخلية وإقليمية لا تبدو هينة في حالة التوافق على خيار التمديد.

 

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية 

اخبار ذات صلة