سجلت نتائج الانتخابات العامة للبرلمان البريطاني في 7/5/2015 انحيازاً واضحاً لصالح معسكر اليمين. فارتفعت نسبة الاصوات التي حصل عليها من 39% (انتخابات عام 2010) الى 50%. وتمكن حزب المحافظين من خلال نسبة الاصوات التي حصل عليها (38%) من الفوز بالأغلبية المطلقة 331 نائبة ونائب (من اصل 650 مجموع عدد نواب البرلمان البريطاني). وذلك لأول مرة منذ عام 1992. وبالمقابل لم يحصل «حزب استقلال المملكة المتحدة» (UKIP) سوى على مقعد واحد فقط رغم نسبة الـ21% من الاصوات التي انتخبت مرشحيه وبلغت ما مجموعه ثلاثة ملايين وتسعماية الف صوت. واتى في المرتبة الثالثة خلف حزبي المحافظين والعمال في حجم الكتلة الانتخابية التي صوتت لمرشحيه والذين حلوا في المرتبة الثانية غالباً في 150 دائرة انتخابية.
والعجز عن تثمير هذه النتائج يعود لقانون الانتخاب البريطاني الذي يشترط فوز المرشح في دائرته مباشرة.. ولذلك ستنتهي هذه الارقام الى مجرد سجلات واحصاءات لتتوزع اصوات الناخبين للبرلمان البريطاني لعام 2015 لا اكثر ولا اقل. ولذلك يصبح مفهوماً تشديد زعيم الحزب No farage (العائد عن استقالته من قيادة الحزب) على اهمية تغيير قانون الانتخابات البريطاني... فالنتائج التي حصل عليها والمذكورة اعلاه كانت كفيلة على قاعدة قانون الانتخاب الالماني مثلاً ان تحول هذا الحزب ومن الدورة الاولى التي خاض فيها الانتخابات الى ثالث قوة سياسية في عموم بريطانيا..
وبالنتيجة عجز زعيم الحزب عن الوصول للبرلمان والنائب الوحيد من الحزب الذي نجح لعضويته هو منشق عن حزب المحافظين مؤخراً وتمكن من الحفاظ على تأييد جمهوره له في دائرته المعهودة.
وارتفعت من جهة اخرى نسبة التصويت لصالح اليسار البريطاني من 32% (في عام 2010) الى 39% في حين سجل حزب العمال البريطاني اسوأ نتيجة حصل عليها منذ انتخابات عام 1987. وهكذا تراجعت كتلته البرلمانية عن 256 نائباً ونائبة الى ما مجموعه 232 في البرلمان الجديد..
ويعود ذلك لخسارته 40 مقعداً في مقاطعة اسكوتلندا (لصالح الحزب الوطني الاسكوتلندي (SNP) اليسار الليبرالي، كما خسر جموعاً من الناخبين لصالح الحزب اليميني UKIP (سابق الذكر) نتيجة لرفضهما سياسة «إدمليباند» مرشح العمال لرئاسة الوزارة الداعية لتعميق اندماج بريطانيا في الاتحاد الاوروبي. ولم يتمكن حزب العمال تعويض هذه الخسائر من خلال تقدمه في بعض الدوائر الانكليزية خصوصاً... وهذا في حين حافظ كل من:
- حزب الخضر على مقعده (الاوحد) في البرلمان.
- والحزب الوطني لمقاطعة «الويلز» على مقاعده الثلاثة.
_ وكذلك الايرلنديون الشماليون على مقاعدهم الـ18 ودون تغيير يذكر.
الا ان تقدم كتلة الحزب الوطني الاسكوتلندي من 6 نواب الى 56 نائبة ونائب من اصل مجموع نواب المقاطعة الاسكوتلندية وعددهم 59، احدث زلزالاً سياسياً الاول من نوعه في تاريخ بريطانيا الحديث... وهو الامر الذي دفع ببعض المراقبين لان يصفوه بالممثل الشرعي والوحيد لاسكوتلندا في البرلمان البريطاني الجديد. ففي حين احتفظ حزب كاميرون المحافظ والمنتصر الاول في هذه الانتخابات بمقعده الوحيد عن مقاطعة اسكوتلندا خسر كل من حزب العمال 40 مقعداً من كتلته السابقة التي كانت تضم 41 مقعداً(1) وحزب الليبراليين الديموقراطيين 10 (عشرة) مقاعد من اصل 11 مقعداً في كتلته السابقة لصالح الحزب الوطني الاسكوتلندي في مقاطعة اسكوتلندا وهذا ما اسهم في تحويل الليبراليين الى الخاسر الاول للانتخابات فتراجعت كتلتهم النيابية من 56 نائباً الى 8 نواب فقط في البرلمان الجديد.
بريطانيا على طريق الفيدرالية؟ وزئير الاسد الاسكوتلندي!
ارتاحت دوائر بورصة لندن وخاصة البنوك لهذه النتائج السياسية فارتفع الطلب على اسهمها. كما اطمأن تجار السلاح (وخاصة «بابكوك») على مصير نظام الصواريخ «ترايدنت» لاستمرار مصيره في ايدي المحافظين لوحدهم وهم الحريصون على متابعة انجازه... كما انصرف هؤلاء بدورهم لتأليف الوزارة الجديدة بهدوء كامل توفره الأغلبية المريحة التي فاجأوا أوروبا والعالم بها. وهكذا تركوا خلف ظهورهم المماحكات المعهودة في تأليف الوزارات الائتلافية... كما حصل عام 2010 في الائتلاف مع الليبراليين. وسارع كاميرون لتعزيز موقعه السياسي فضم منافسه السياسي والمرشح لخلافته مستقبلاً بوريس جونسون رئيس بلدية لندن حتى أيار/ مايو عام 2016، إلى عضوية «الحكومة السياسية» أي الحكومة الفعلية مضافاً إليها قادة من الحزب الحاكم كما يحدد العرف...
وتولى جونسون المبادرة بطلب إعداد وتقديم عرض لنظام «لا مركزي» لإدارة البلاد يلبي طموحات المقاطعات الأخرى ويطوق حركتها وخاصة اسكوتلندا باتجاه الاستقلال الوطني الناجز، ويستعيد وحدة بريطانيا كأمة واحدة «One Nation» كما وعد كاميرون في حملته الانتخابية.
وأتى الجواب الأولي على لسان «أليكس سالموند» رئيس كتلة «الحزب الوطني لاسكوتلندا» في البرلمان الجديد (ورئيس الحزب والوزارة المحلية السابق) بقوله: «سوف يسمع زئير الأسد الاسكتلندي في أنحاء البلاد كافة».
وبدورها لم تخف رئيسة الوزارة الاسكتلندية (المحلية) والحزب الوطني الاسكتلندي حقيقة ما كانت تصبو إليه من تلك الانتخابات التي قادتها ببراعة أقر بها خصومها كافة. «هدفنا كان إسقاط كاميرون وسياسات التقشف البغيضة.. إلا أن حزب العمال لم يقم بما فيه الكفاية في إنكلترا لتحقيق هذا الهدف المشترك».
وأعلنت عن استمرارها في قيادة الحزب والحكومة المحلية لاسكوتلندا «لمعارضة سياسة خفض الخدمات الاجتماعية بشكل قاطع ولتعزيز صلاحيات للحكم المحلي التشريعية بما يوفر المجال لنهج سياسة اجتماعية منصفة ومعارضة لكل خفض للتقدdمات الاجتماعية للعاملين والمواطنين والمقيمين في اسكوتلندا...».
كما أعلنت جهاراً بأن الهدف المقبل ليس الاستقلال الوطني لاسكوتلندا بل الضغط لتوسيع الصلاحيات التشريعية للبرلمان المحلي لتشمل أيضاً الضرائب وتحصيلها والتصرف بها... ويشير المراقبون لتصميم «نيكولا ستريغون» على العمل الحثيث لتأمين أغلبية شعبية من 60% من أصوات المقترعين قبل الإقدام على تنظيم استفتاء جديد يحقق استقلال اسكوتلندا...
بريطانيا في أوروبا
خاض المحافظون معركتهم الانتخابية في ظل وعود بتعميم «الازدهار الاقتصادي» الذي بدأت بوادره أخيراً بعد خمس سنوات عجاف من خفض للخدمات وتوسيع لسوق العمل الجزئي والخ... من ابتكارات الحكم الائتلافي السابق بقيادة كاميرون...
كما روجوا لغة واعدة باستعادة «وحدة الأمة» (One Nation) ضد توجهات «الانفصاليين» أكان في اسكوتلندا أم إيرلندا أو الويلز..
ووعدوا بخفض حجم «اللاجئين» إلى بريطانيا إلى ما دون المائة ألف سنوياً (وناهز في السنوات الأخيرة حدود الثلاثمائة ألف..) وذلك في إطار إعادة صياغة علاقات بريطانيا ضمن الاتحاد الاوروبي لاستعادة ما هو ضروري من «صلاحيات» إلى النطاق الوطني... وحدد كاميرون عام 2017 كموعد للوصول مع الاتحاد الأوروبي إلى صيغة لعلاقات بريطانيا معه (سياسة الاندماج؟!) تعرض على استفتاء شعبي ويؤسس لنظام جديد من العلاقات البريطانية الأوروبية.
ولا يستبعد المراقبون احتمال تقديم هذا الموعد للاستفتاء إلى عام 2016 خصوصاً وقد توفرت للمحافظين قاعدة للحكم المطلق من دون التفات لشريكهم الليبرالي السابق وميوله الأوروبية الشديدة، أم لضغط الاتجاهات الأوروبية في حزب العمال خصوصاً بعد بروز تحركات أنصار توني بلير الذي دعا للعودة مجدداً إلى مواقع الوسط التي أمّنت للحزب في ظل قيادته ثلاث دورات من الحكم متتابعة...
ويلحظ المراقبون أخيراً بروز توجهات بقيادة «حزب الشعب الأوروبي» (الملتف حول قيادة ميركل في ألمانيا) للتقدم بخطوات لملاقاة توجهات كاميرون بما يحافظ على مساندة بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي ضد توجهات الاشتراكية الديموقراطية أو الخضر أو حزب اليسار الأوروبي... وهؤلاء في الاغلبية يتصدون لنهج المحافظين البريطانيين الابتزازي ويرفعون الصوت عالياً لعلاقة واضحة مع بريطانيا تنهي الابتزاز المستمر منذ سنوات:
«ففي حين شرعت بريطانيا أبوابها لتسهيل انتقال رؤوس الأموال شنّت في المقابل، خصوصاً حكومة كاميرون حملة شرسة ملؤها الشوفينية ضد انتقال المواطنين من بلغاريا ورومانيا (الكسالى) إلى أسواق العمل البريطانية والتي أصابت عدواها بلداناً أوروبية أخرى... كما رفضت لندن التوقيع على «اتفاقية شينغن» وحاربت العملة الموحدة «اليورو» وتشددت لدرجة تعطيل كل خطوة نحو إقامة حكومة اقتصادية لمجموعة اليورو...».
ولهذا كله لا يستبعد المراقبون احتدام الصراع البريطاني الداخلي حول السياسة الأوروبية لحكومة كاميرون الجديدة وقد بدأت بوادرها في المواجهة التي تدور على الصعيد الأوروبي عامة حول توجه المفوضية الأوروبية لتوزيع اللاجئين على بلدان الاتحاد بموجب نظام الحصص (الكوتا) التي تعتمد الوضع الاقتصادي (الثروة) لكل بلد عضو في الاتحاد...
وينتظر أن يفتتح كاميرون هذا الحوار/ الصدام في خطاب الحكومة والذي سوف يضمنه برنامج حكومته ومواقفها من المهام المطروحة أمامها.. والأجواء الأوروبية الراهنة لا تبشر بالصمت على أي ابتزاز جديد من الحكومة البريطانية الجديدة... بالإضافة إلى زئير الاسد الاسكتلندي، لعموم بريطانيا، وكلاهما يرى المشكلة في سياسة كاميرون وليس في تهديد «حزب استقلال اسكوتلندا» (UKIP).
المصدر: صحيفة “المستقبل” اللبنانية