هي ليس شخصيةً عاديةً ابتكرها فنّانٌ عاديٌّ ليمهر بها أعماله الإبداعية، بل حقيقةٌ تجسّد واقعًا أليمًا يمتد منذ أن أبصرت هذه الشخصية النور وحتى يومنا هذا. إنه "حنظلة"، وليد تزاوج الهمجية الصهيونية والتخاذل العربي، ذاك الصبي ذو الأعوام العشرة الذي أبى أن يكبر إلّا في فلسطين، فأدار ظهره للدنيا وما زال ينتظر العودة.
وعلى الرغم من مرور 28 عامًا ونيّف على استشهاد ناجي العلي، الفنان الثائر الذي أحبّ فلسطين حتى الموت، لا تزال رسوماته تجسّد القضية بماضيها ومستقبلها، بالتخاذل والتواطؤ اللذين أحاطا بها، وبكل خيوط الأمل التي رسمتها قلوبٌ لم تبتعد يومًا عن فلسطين، وأرواحٌ لم تحلّق يومًا إلّا في سمائها.
من هنا، وفي ظلّ انحراف الكثيرين عن القضية المركزية، كان برنامج "حنظلة" محاولةً لإعادة إحياء إرث العلي وإسقاط أعماله الفنية على واقعنا الحاضر، في "اسكتشاتٍ" لا تتجاوز مدة الواحد منها الدقيقتين. البرنامج الذي يُعرض على قناة الميادين، من إخراج يوسف مغنية، وإنتاج شركة Mentis Plus، بالإضافة الى فريقٍ متكاملٍ من الباحثين والفنيين، من بينهم المدوّن خضر سلامة، الذي غاص في خلفيّات هذه الرسومات وفي الإطار الزمني الذي صدرت فيه، منتقيًا منها ما يتقارب مع الأحداث الجارية في أيامنا هذه. وللتعرّف أكثر على هذا العمل الفني المقاوم، كان لنا مقابلة خاصة مع سلامة، أضاء فيها على بعض خفايا هذا العمل الذي من المتوقّع أن يستمر لمدّة عامٍ في مرحلته الأولى.
ما الهدف وراء البرنامج؟ أهو مجرد إعادة إحياء لأعمال ناجي العلي أم له أبعاد أخرى؟ وما الجديد الذي يقدمه هذا العمل؟
البرنامج يصوّب باتجاه أكثر من هدف، فمن جهة يهدف برنامج حنظلة إلى إعادة الاعتبار لبوصلة ناجي العلي ومدرسته السياسية التي لم تقبل المساومة، والتي وصفها يوماً الراحل جوزف سماحة بأنها مدرسة لا تعرف إلا الطريق المستقيم إلى فلسطين دون أي التفاف أو استدارة، وأيضاً، استعادة لتاريخ يكرر نفسه بأكثر من اسم، فالمرحلة التي كان الراحل ناجي العلي شاهداً عليها كانت مرحلة الغدر بالمشاريع الوطنية وإعلان التطبيع بوقاحة مع ذيول كمب ديفيد ومنتجاته السياسية، التي تطورت وأصبحت اليوم في جيلها السياسي الثاني أو الثالث والذي يعيث فساداً وتزويراً في وقائع وخيانات معروفة بالإسم والشكل.
الجديد في العمل هو البحث المتقن في جذور الرسمات المنتقاة، ووضعها في سياق قصصي مع المحافظة على أمانة الرسوم من ناحية الخط، خط يد الشهيد ناجي العلي، والشخصيات، دون إضافة أو نقصان، ضمن الواقع التاريخي المتشابه بين الماضي والحاضر.
من أين بدأت الفكرة؟ أو من هو صاحب الفكرة الأساس؟
الفكرة طُرحت من قبل فريق الإبداع الفني في شركة مانتس بلاس، وعرضت على قناة الميادين التي أبدت حماستها، قامت الشركة بتقسيم العمل إلى طاقمين، الطاقم الفني والطاقم الإخراجي، وحرص الفريقان على إنتاج الرسوم تحت مظلة رعاية فكرية وقانونية من أسرة الشهيد العلي، التي كان لها أيضاً دوراً في تصويب وضبط العمل بما يتناسق مع الإرث الضخم الثقافي والفني الذي تركه العلي.
كيف تجاوبت عائلة الشهيد ناجي العلي مع الفكرة؟ وهل كان لها شروط؟
الشروط كانت شروطاً بديهية، ومن ضمنها طبعًا عدم المساس بالرسمة – الموضوع في كل حلقة، كذلك ضبط السرد القصصي بما يتناسب مع أهداف العلي في كل منتوج فني قدمه. من ناحية التجاوب، فقد أبدت العائلة حماستها منذ اطّلاعها على المشروع، وعمّق من هذه الثقة إعجابهم بمتانة الإخراج الفني والتقني للعمل، والذي كانت نتيجته ولا زالت، موضع إعجاب ونقد إيجابي.
من الواضح صعوبة ايجاد قصة وراء كل رسم كاريكاتوري.. وخاصةً لمحاولة ترجمة ما أراد الرسام إيصاله.. هل تجدون أنفسكم أحيانًا أمام عدة اقتراحات قصص أم أنّ معرفتكم بفكر الشهيد ومعرفة تاريخ الرسم كافيين لتأليف القصة المناسبة؟
لم تكن القصة مفصولة عن سيرة العلي السياسية والحياتية، كل رسمة قدمها العلي في الفترة بين أواخر الستينات وعام اغتياله كانت تقوم على حدث ما آنذاك، أو مرحلة سياسية معينة، لذا، قمنا بمقارنة فترة نشر كل رسمة مع سياقها التاريخي، بالإضافة إلى البحث في الحدث الطارئ أو القضية التي يعالجها واسقاطها على واقعنا الحالي، فالهدف ليس نبش الماضي ولا تشويه العمل ليناسب الحاضر، بل الربط بين الفترتين الزمنيتين بما يتواءم مع ضرورة الاقتناع أنّ هذه السيرة الفنية، سيرة ناجي العلي، وخطابه الثقافي والفني، هو خطاب لا يمكن أن تنتهي صلاحيته طالما أنّ القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة ومفتوحة على النضال، وطالما أنّ الخيانات وأشكالها تتكرر.
هل تلقّيتم انتقادات حول بعض القصص؟ او حول مجرّد حصر الكم الهائل من الأفكار التي يحملها الرسم بقصةٍ واحدة بعد توقّع ما كان يريد ناجي العلي إيصاله من أفكار؟
للإنصاف، لم نتلقّ إلى اللحظة نقداً سلبياً، الانطباعات كانت إيجابية والاسكتشات تحوز على إعجاب المتابعين، والفكرة أيضاً سباقة من نوعها وجديدة من ناحية التعاطي مع أعمال ناجي العلي. الأفكار التي حمّلها العلي للرسمة الواحدة لا يمكن اختزالها أحيانًا في قصة، إلا أنها تبقى موجودة في النتيجة الأخيرة لكل اسكتش، أي ظهور الرسمة الأصيلة نفسها، وهنا يُترك الحكم للمشاهد. هدف البرنامج ليس التلقين، بل حث العقل النقدي لدى المشاهد العربي لفهم الواقع السياسي من أكثر من ناحية، وتوسيع هامش توقعات الفرد المشاهد من المواد الثقافية والفنية التي ينتظرها من الشاشة.
ما هي الصعوبات الفنية لتنفيذ الفكرة؟
فريق العمل في شركة مانتس للإعلام كان على قدر التحدي الكبير، بدءاً بالمخرج المنفذ يوسف مغنية، وصولاً إلى المصممتين الفنيتين فاطمة قصير وهالة سلوم، هذا الفريق كان قادرًا على الإحاطة بكل الاحتياجات الفنية من ناحية صناعة الهوية الفنية للعمل، الخطوط، الشخصيات والحبكة القصصية لكل رسمة، إلى التنفيذ والإخراج المحرّك. ويبقى الشكر ضرورياً للفنان زياد بطرس الذي تفضل بإضافة راقية من ناحية الموسيقى التصويرية، وطبعًا، لقناة الميادين التي رعت العمل في زمن يغيب فيه الهم الفلسطيني خصوصًا، والوطني العربي عمومًا، عن الشاشات الأخرى.
المصدر: سلاب نيوز
