كتب: جهاد الملاح
67 عاماً مرّت على قيام دولة إسرائيل وعلى التهجير القسري الأكبر للفلسطينيين، والشقاء يتراكم. شقاء الشعب الفلسطيني، الذي يعلوه الشقاء العربي الأعظم: جهل فلسفة الزمن وقيمة الوقت، وانتظار المعجزات والسقوط في العدم.
أعلِنت دولة إسرائيل في 14 أيار 1948، أي بعد 50 عاماً من تعهد صهيوني واضح المعالم يشبه شيئاً من الدقة، و31 عاماً من وعد بريطاني مرفقٍ بـ«سوط»، مقابل تخبط رسمي عربي وتنازل قلّ مثيله عبر التاريخ.
في ذلك اليوم، يوم تبلورت النكبة الفلسطينية والعربية، كان مجرد التفكير في أن للشقاء احتمالات البقاء أشهر عدة، جنوناً مطبقاً. ولكن الجنون كان حقيقة في الأوهام والخيال، وكان في عقد اجتماعي مشوّه، جعل الشعوب العربية في واد وحكامهم في واد.
في ذلك اليوم، وما سبقه وما تلاه، لم يكن الشعب الفلسطيني المطرود من أرضه حافي الأقدام، يعلم ماذا جرى وكيف ولماذا ومتى بيعت فلسطين؟
لم يكن يعلم أن السياسة العربية فرضت المنحى التنازلي بحق فلسطين، قبل إعلان دولة إسرائيل بوقت طويل، إلى أن اتخذ صفة رسمية في العام 1946، على يد جامعة الدول العربية، التي تأسست عام 1945 في إطار فلسفة بريطانية مفادها «اجمع واحكم» بدل الفلسفة القديمة "فرّق تسد".
فخلال المفاوضات التي رعتها بريطانيا في لندن صيف عام 1946، تنازل مندوبو الجامعة العربية عن مبدأ سيادة الفلسطينيين على دولة من البحر إلى النهر، من خلال اقتراحهم مشروعاً ينصّ على أن يعّين المندوب السامي حكومة مركزية مؤقتة في فلسطين، مؤلفة من سبعة وزراء عرب وثلاثة من اليهود. وقد طلب المشروع العربي كفالة حقوق المواطنين الفلسطينيين والهيئات الدينية الفلسطينية، وبالتالي أسقط مبدأ سيادة الفلسطينيين على أرضهم، وطالب بمنحهم بعض الامتيازات!
بعد إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني عام 1947، بدأت اللجنة العسكرية للجامعة العربية بتدريب المتطوعين في بلدة قطنة السورية ونظمتهم في كتائب ثم أدخلتهم إلى فلسطين، في إطار ما أطلق عليه اسم «جيش الإنقاذ العربي». لكن الحكومة البريطانية احتجت على هذا الأمر، وأرسلت رسالة تقول فيها إن «بريطانيا تعتبر تسليح الفلسطينيين وتدريبهم في قطنة عملاً غير ودي». والعجيب أنه كان لهذه الرسالة وقعٌ على العرب، إذ اتخذوا قراراً بإقفال معسكر قطنة وتسريح المتطوعين.
وفي 15 أيار 1948، أي بعد يوم واحد على إعلان دولة إسرائيل، وعلى خلفية خصومة وتنافس والسعي إلى الهيمنة، أي أبعد من مجرد القضية الفلسطينية، أرسلت الدول العربية قواتها إلى فلسطين، حيث خاضت معارك مع اليهود، وتمكنت من تحقيق انتصارات ميدانية، إذ إن ميزان القوى كان لصالحها، وذلك قبل أن يوافق العرب على هدنة لمدة أربعة أسابيع بناء على مشروع قرار تقدمت به بريطانيا والولايات المتحدة إلى مجلس الأمن.
امتدت الهدنة من 11 حزيران حتى التاسع من تموز. وقد أدت إلى تراجع الموقف العسكري العربي بشكل كبير في مقابل تحسن وضع اليهود، الذين استغلوها لتنظيم أنفسهم واستقبال المتطوعين واستقدام الأسلحة والذخائر والمؤن بكميات كبيرة، مع العلم أنهم واصلوا اعتداءاتهم طوال أيام الهدنة.
وظهر جلياً أن قبول الهدنة كان خطأ قاتلاً من قبل العرب. ولعلّ أفضل تعبير عن هذا الأمر جاء على لسان القائد العسكري الأردني عبد الله التل الذي كان يتولى منصباً قيادياً في الحرب، إذ تحدث عن هذه الهدنة في مذكراته، بالقول: "ليس لي إلا أن أصفها بالجريمة الكبرى وهي أخف وصف يمكن أن توصف به موافقة الجامعة العربية على شروط الهدنة من دون قيد أو شرط. فقد وافق أعضاء اللجنة السياسية على أكبر خطيئة في تاريخ الحروب في الشرق العربي، ألا وهي السماح بفك الحصار عن مدينة القدس وإنقاذ مئة ألف يهودي كانوا على وشك التسليم. وافقوا قبل أن يفكر أحدهم في ما سيقع بعد عشرة أيام فقط من ذلك اليوم المشؤوم. وإنني اعتبر جميع الدول العربية مسؤولة عن ذلك القرار الأسود".
كما عبرّت عن الأمر ذاته القنصلية الأميركية في القدس بالقول إن «قرار مجلس الأمن الذي فرض الهدنة الأولى هو وحده الذي خلّص اليهود وحال دون سحقهم على أيدي الجيوش العربية التي كانت تفوق القوات اليهودية عدداً وتسليحاً».
تواصل القتال بعد انتهاء الهدنة الأولى، لأيام عدة، إلى أن فُرضت هدنة ثانية. لكن بعد أن أصبحت هزيمتهم في الحرب واقعاً وسط فضائح المؤامرات والأسلحة الفاسدة، لجأ العرب في تشرين الثاني إلى مجلس الأمن، الذي طلب تنفيذ هدنة دائمة. ودخل العرب في مفاوضات غير مباشرة مع اليهود بوساطة أميركية. إلا أن هذه المفاوضات غير المباشرة أنتجت اتفاقيات مباشرة ومكتوبة بين الدول العربية واليهود، الذين استغلوا روح التنافس والخصومة بين العرب.
وفي 11 أيار 1949، تمّ الاعتراف بإسرائيل، كالدولة رقم 59 في الأمم المتحدة، وذلك بناء على اجتهاد للمندوب الأميركي فيليب جيساب، الذي أكد إمكان إسقاط شرط الحدود الواضحة من شروط الاعتراف بالدولة.
وهكذا، فإن الجامعة العربية، ومن ورائها الأنظمة العربية، فشلت في منع قيام كيان صهيوني في فلسطين، بل على العكس، عبّدت له الطريق عن قصد وغير قصد. وقد ضمن اليهود ضمنوا الحدود الذي نصّ عليها قرار التقسيم الصادر عام 1947، ثم وسّعوها أيضاً، إذ استولوا على أكثر من 77 في المئة من أرض فلسطين، أي أكثر بنحو 22 في المئة، مما خصص لهم في القرار.
منذ ذلك الحين، عملت إسرائيل على فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب، إزاء كل ما تأخذه منهم، في الاحتلال والاستيطان. فكان التصعيد من جانبها يؤدي إلى قبول العرب بما كانوا يرفضونه قبلاً. وهي سياسة بدأت قبل العام 1948، حيث أعلن حاييم وايزمن أن "أي تراجع سيؤدي إلى الهلاك والفرصة الوحيدة أمام الصهيونية كما كان الحال في الماضي، هي في إيجاد حقائق الأمر الواقع ومواجهة العالم بها".
المصدر: السفير
