الجديد في جولة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إلى المنطقة لقاؤه بالرئيس الروسي واستعداده لرعاية حوار فلسطيني، وبالعاهل السعودي واستعداده لرعاية اجتماع يشارك فيه الرئيس أبو مازن وخالد مشعل إذا كانت هناك فرصة لنجاحه. وقد أبلغ كارتر الملك سلمان بأن مشعل جاهز ومستعد لإنجاح اللقاء، على أن يسبق هذا اللقاء المقترح لقاء فصائلي يبحث في تفاصيل تنفيذ «اتفاق القاهرة»، بالاستناد إلى «وثيقة الأسرى».
أما اللافت في جولة كارتر، فهو أنها لم تتضمن زيارة مصر ولقاء الرئيس السيسي، برغم أن أهداف زيارته كما قال، تتمثل بالعمل على رفع الحصار، وإعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة، والدفع بالجهود الرامية إلى إنقاذ حل الدولتين. وهذا الإغفال يعود إلى أن وضع مصر لا يسمح لها بالانشغال عن أوضاعها الداخلية، علماً أنها رحبت بـ «مبادرة كارتر» متمنية لها النجاح.
أبلغ أبو مازن كارتر بأن لا حاجة لحوارات واتفاقات جديدة، وأن المطلوب تطبيق الاتفاقات المبرمة خطوة خطوة، ولكن بسرعة، وأن الأمر المهم هو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتشكيل حكومة على إثرها، تقوم بمعالجة جميع الملفات، وأنه سيُصدر المرسوم الرئاسي لإجراء الانتخابات فور حصوله على موافقة خطية من «حماس» بإجرائها.
ودعا أبو مازن إلى عقد الإطار القيادي الموقت في أي مكان يُتفق عليه، وأكد أنه لا يربط إعادة الإعمار بإتمام المصالحة، وإنما بمرابطة الشرطة والحرس الرئاسي على الحدود والمعابر، لأن هذا هو شرط المجتمع الدولي والمانحين.
حماس وفقًا للتصريحات الصادرة عنها توافق على إجراء الانتخابات، ولكنها لا توافق حتى الآن على توقيع موافقة خطية بذلك، مع أنها تصر على مشاركة موظفيها على المعابر، ولم تعد تشترط التزامن ما بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني، مع ضرورة الالتزام بعقد الأخيرة عندما تتهيأ الظروف.
ما سبق يوحي بوجود «لحلحة» ما محتملة في ملف المصالحة، علماً أن المعلومات والمؤشرات لا تزال تشير إلى أننا لم نغادر دوائر المناورات والشروط المتبادلة، بدليل ربط عقد الإطار القيادي بموافقة «حماس» الخطية على عقد الانتخابات، والتعامل معها كطريقة للإقصاء والسيطرة الأحادية. هذا إذا وافقت إسرائيل على إجراء الانتخابات من دون شروط تصعب الموافقة الفلسطينية عليها. فالانتخابات من دون توافق وطني وفي ظل الاحتلال والظروف المحيطة والخبرة السابقة، وصفة مؤكدة لتكريس الانقسام وتعميقه، وتحويله إلى انفصال.
إن أقصى ما يمكن أن تتمخض عنه «مبادرة كارتر» في ظل عدم نضوج الظروف الفلسطينية لتحقيق الوحدة، هو عقد اجتماع الإطار القيادي الموقت في مكة أو غيرها، وهذا أمر جيد وضروري ولكنه وحده لا يسمن ولا يغني من جوع. فالأسباب التي حالت دون نجاح «اتفاق مكة 1» وانهياره بعد ثلاثة أشهر على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لا زالت هي ذاتها، بل إن العراقيل أصبحت أعمق بعد تجذر الانقسام أفقيًا وعموديًا.
ولتنشيط الذاكرة، نقول إن أبرز العراقيل التي حالت دون إنهاء الانقسام حتى الآن ولا تزال مستمرة تتمثل بشلل «منظمة التحرير»، وعدم إعطاء الأولوية لإعادة بناء مؤسساتها لتضم مختلف الأطياف، والمراهنة على المتغيرات والارتهان للأطراف الخارجية (سواء كانت دولًا، خصوصًا إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، أم أطرافًا أخرى مثل جماعة «الإخوان المسلمين»)، واستمرار الأوهام بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، مع بقاء سلطة الحكم الذاتي في الضفة بلا سلطة، وإقامة دولة ذات حدود موقتة في غزة، إضافة إلى عدم وجود طرف ثالث قوي وفاعل ومسلح بحركة شعبية قادرة على إحداث التوازن المطلوب، وتغليب المصالح الوطنية على المصالح الخاصة والفئوية. وأضيفت عقبة أخرى تتمثل بخشية أبو مازن من تقارب سعودي ـ إخواني ـ حمساوي ينقذ «حماس» من مأزقها.
الأهم في هذه الحكاية كلها ملاحظة تغير الموقف السعودي الذي كان يرى بعد فشل «اتفاق مكة» أن «حماس» تتحمل المسؤولية عن الفشل، وهو ما أدى إلى إحداث قطيعة بين الرياض و «حماس»، تطورت في ما بعد إلى عداء بين الملك السعودي الراحل وجماعة «الإخوان المسلمين»، حيث اعتبرتها السعودية جزءًا من التحالف «التركي القطري».
بعد وفاة الملك عبد الله واستلام سلمان زمام الحكم، حدث تغير مهم في السياسة السعودية، إذ بات عندها الخطر الإيراني هو الخطر الأساسي، الأمر الذي أوصل الأمور إلى «عاصفة الحزم» التي قررتها الرياض قبل القمة العربية، ووضعتها أمام أمر واقع لا تستطيع إلا أن توفر له الغطاء رغم القرار السعودي الانفرادي والسلوك السعودي في القمة.
وقد جاء التغيير في السياسة السعودية بناء على نصيحة أوباما لسلمان أثناء تعزيته بوفاة الملك عبد الله بالانفتاح على جماعة «الإخوان المسلمين»، الذي ظهر بإعادة النظر في الموقف السعودي السالف من التحالف (التركي ـ القطري ـ الإخواني)، إذ تتكاثر المؤشرات على انفتاح السعودية عليه.
السؤال: ماذا سيكون الموقف المصري عليه، خصوصًا إذا امتد الموقف السعودي الجديد إلى المطالبة بالمصالحة بين السيسي و «الإخوان المسلمين»؟ فإذا اقتصر الأمر على دخول السعودية على ملف المصالحة الفلسطينية، فإن الأمر يمكن هضمه مصريًا، خصوصًا أن الحوار سيدور حول تطبيق اتفاق المصالحة الذي رعته مصر، وأن أوراق التحكم بهذا الملف ستبقى بيد مصر وتستطيع التحكم به إيجابًا أو سلبًا متى تريد. والقاهرة ستكون سعيدة إذا ما تمكنت السعودية من إقناع «حماس» بقبولها سيطرة السلطة على الحدود والمعابر، بما يضمن توفير الأمن المصري عبر إغلاق نافذة التهديد الآتية من تعاون المنظمات «الجهادية» التكفيرية في سيناء وغزة، سواء بمساعدة مباشرة من سلطة «حماس» أو مجرد غض نظرها عن ذلك.
في هذا السياق، هناك تقديرات لا أستطيع الموافقة عليها تمامًا ولا أتجاهلها، تفيد بأن «شهر العسل» المصري ـ السعودي يشارف على الانتهاء، لأن القاهرة لا تشاطر الرياض بأن الخطر الإيراني هو الوحيد أو الأساسي، وأن هناك مقاربة مصرية مختلفة للتعامل مع إيران وسوريا تعطي الأولوية لمحاربة الإرهاب والوقوف أمام التحالف التركي ـ القطري ـ «الإخواني»، وهذا إن حصل سينعكس سلبًا على أي جهد سعودي لإتمام المصالحة الفلسطينية.
قد يتلاقى جهد كارتر مع جهد عربي إقليمي دولي يسعى لإتمام المصالحة بالترافق مع هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، تمنع في الحد الأدنى انفجار الوضع الفلسطيني في منطقة ملتهبة بأنواع الانفجارات كافة، وتسعى في الحد الأقصى لتهيئة الأجواء لإحياء حل الدولتين الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهناك جهود دولية من مصادر متعددة لإنقاذه قبل أن يتوفاه الأجل، ويفتح المنطقة على أبواب المجهول.
المصدر: السفير