قائمة الموقع

الإنقسام يعيق إعادة الإعمار

2015-05-02T10:30:08+03:00
العدوان الإسرائيلي على غزة

كتب: صادق الشافعي

كان ذهاب عدد كبير من أعضاء الحكومة الفلسطينية إلى غزة لمباشرة عملهم في وزاراتهم هناك قد تم الإعلان عنه مسبقاً وقبل وقت طويل نسبياً، وكان قد تم الإعلان المسبق عن أن الحكومة شكلت لجاناً قانونية وإدارية لبحث الملفات العالقة وعلى رأسها قضية الموظفين. وكانت حركة حماس قد اعتبرت أن تشكيل اللجنة القانونية والإدارية "بشكل منفرد" تنكر للتفاهمات التي نصت أن تشكيل هذه اللجنة يجب أن يكون بالتوافق. ولم يؤد هذا التعارض على تشكيل اللجنة إلى وقف ذهاب الوزراء إلى غزة ولا إلى تأجيله حتى يتم حل الأزمة. بما يفهم منه أن التعارض كان ثانوياً يمكن تجاوزه .

مع ذلك عومل الوزراء بالشكل والطريقة المعروفة كما تناقلتها وسائل إعلام كثيرة. بالمختصر عوملوا كوفد زائر من جهة أجنبية وكأنه غير مرغوب فيها، ولا ترحيب بقدومها، وتعمد المستقبلون وبطرق فظة إشعار الوفد بذلك. هذا الأمر بقدر ما يشكل إهانة لهيئة الحكومة ورمزيتها وموقعها ودورها وللشعب الفلسطيني كله ولهيئاته ومؤسساته وقيادته، فإنه يطرح بقوة السؤال الأساس عن موقع وعلاقة حركة حماس بالحكومة: هل حركة حماس هي مكون من مكونات هذه الحكومة، وأن الحكومة بالتالي لها الولاية القانونية والدستورية وحق القرار على قطاع غزة كما بقية المناطق؟ أم أن حركة حماس كيان قائم بذاته مواز ومعادل للحكومة يحكم قطاع غزة منفرداً وهو صاحب الولاية والقرار فيها، وانه بهذه الصفة ومن هذا الموقع يمكن أن يدخل في تعاون أو تنسيق أو توافقات أو اتفاقات مع الحكومة الفلسطينية، ومع غيرها أيضاً؟

ليس ذهاب الوزراء إلى غزة ما يدفع بإلحاح إلى طرح هذا السؤال، فهي ليست إلا الدافع الأخير لطرحه. هناك عناوين قبل ذلك تتكامل فيما بينها تفرض طرح السؤال، وكلها عناوين حول قضايا وطنية أساسية تعني وحدة القضية الوطنية ووحدة هيئاتها القيادية ووحدة تمثيلها، كما تعني وحدة المجتمع الفلسطيني.

أحد العناوين، هو قضية الموظفين بشقيها، موظفي ما قبل 2007 تاريخ سيطرة حماس على حكم غزة، وموظفي ما بعد ذلك التاريخ ممن عينتهم حماس خارج الكادر الوظيفي للسلطة الوطنية ومن دون التقيد بنظمها الإدارية والقانونية.

 هذا العنوان هو بلا شك على درجة عالية من الأهمية من الناحية الإنسانية بالدرجة الأولى ولجهة حق الموظفين في الوصول إلى حل يؤمن قوت عيالهم ويحفظ كرامتهم. لكن الإصرار على التعاطي معه بوصفه العنوان الطاغي ودونما أي ارتباط مع العناوين الأخرى، وإصرار حركة حماس على اعتماد الحكومة جميع موظفيها وعلى نفس الدرجات الوظيفية والمواقع التي عينتهم بها ومن دون أي ارتباط بموظفي ما قبل 2007. هذا التعاطي جعله يبدو وكأنه القضية المركزية للنضال الوطني الفلسطيني، وأنه العنوان الوحيد لإنهاء الانقسام. وهذا ما يثير الشك أن الدخول في اتفاق الشاطىء للمصالحة في إبريل/ نيسان 2014 لم يكن عن قناعة وطنية جادة بإنهاء الانقسام واستعداد للتجاوب مع متطلباته وإنما كان لمصلحة نفعية فقط، وربما لكسب الوقت أيضاً.

 إن هذه الطريقة في التعامل مع عنوان الموظفين تبدو وكأنها على حساب العناوين الوطنية الأساسية مثل الوحدة الوطنية ووحدة البرنامج ووحدة النضال ووحدة المؤسسات ووحدة التمثيل. كما تبدو وكأنها على حساب العناوين ذات العلاقة المباشرة بالحياة اليومية للناس، وأهمها في هذه المرحلة، هو إعادة إعمار ما دمره العدوان "الإسرائيلي" الأخير في صيف العام الماضي، وتخفيف معاناة الناس وتأمين السكن ومتطلبات الحياة الكريمة لهم ولو بحدها المتواضع.

وبخصوص قضية الإعمار بالتحديد، فقد كان واضحاً وجلياً ومنذ اليوم الأول أن الدول المانحة والأطراف المعنية الأخرى مثل وكالة الغوث ربطت دورها وإسهامها بالإعمار بالتزام القيادة الفلسطينية ممثلة بالحكومة أن تكون هي الجهة المسؤولة عن الإعمار والمقررة بتفاصيله الإجرائية، والجهة التي يتم التفاوض والتعامل معها في كل الأمور المتعلقة بالإعمار. وللإنصاف فإن الحكومة أعدت فعلاً برنامجاً تفصيلياً علمياً وافياً لقضية الإعمار بكل جوانبه ومراحله وأولوياته واحتياجاته التمويلية، وكانت جاهزة للقيام بمسؤولياتها. ولا تزال تؤكد، وآخرها قبل أيام، مسؤوليتها عن إعادة الإعمار رغم كل المعيقات.

لكن ومنذ اليوم الأول أيضاً، تحولت إعادة الإعمار إلى قضية خلافية جديدة تضاف إلى قضايا الانقسام الفلسطيني واستعصاءاته. وهو ما أسهم في جعل وتيرة الإعمار بطيئة جداً إما بسبب شحّ التمويل وعدم دفع الدول المانحة ما التزمت به من أموال، أو بسبب السيطرة "الإسرائيلية" وتحكمها بأنواع وكمية المواد والمستلزمات التي تدخل إلى غزة وحصر دخولها عن طريق معبر واحد فقط (كرم أبو سالم) وتحكمها بدورية فتحه وإغلاقه. ونتيجة ذلك فلا يزال ثلث سكان غزة يعيشون بلا بيوت، وحسب روبرت تيرنر مدير عمليات وكالة الغوث (الأونروا) فإنه "لم تتم إعادة بناء منزل واحد في قطاع غزة بعد 7 أشهر على الهجوم "الإسرائيلي"، وأن الأونروا "اضطرت في يناير/ كانون الثاني الماضي لتعليق برنامج المساعدات النقدية للسكان المتضررة بيوتهم وإيقاف إعانات الإيجار للمشردين بسبب نقص التمويل". وأضاف أن سكان غزة ينتابهم شعور "بالغضب والإحباط" بسبب استمرار الحصار "الإسرائيلي" وعدم وجود أي تغيير حقيقي على وضعهم . ويلتقي كلام تيرنر مع تحذيرات يطلقها الكثير من المعنيين والمراقبين أن حالة الإحباط المتزايدة نتيجة البطء الشديد بالإعمار ونسبة البطالة ستشعل الفتيل الذي سيفجر غضب سكان قطاع غزة المشروع في وجه كل من يعيق عملية الإعمار والبناء، وسينذر بكارثة جديدة.

 المانحون وجدوا تبريراً لتقاعسهم في عدم قيام الحكومة الفلسطينية بالدور الذي التزمت به، كما تمت الإشارة إليه. والحقيقة أن الانقسام الداخلي وتبعاته وبروز ثنائية الولاية والقرار بشكل فج ومؤذ منع الحكومة من استلام مسؤولياتها كاملة بما يمكنها في أن تكون صاحبة الولاية والقرار في قطاع غزة والمسؤولة عن الإعمار.

إن قضية المعابر ترتبط بشكل عميق جداً مع قضية الإعمار، إضافة إلى أهمية المعابر الزائدة على حياة الناس ومعيشتهم وحريتهم بالتنقل والعلاج والدراسة والعمل والتواصل مع المحيط ومع العالم. وهنا أيضاً تبرز وبنفس الشكل ثنائية الولاية والقرار، ويبرز موقف الإصرار على عدم تمكين الحكومة، بل ومنعها، من السيطرة على هذه المعابر وإدارتها بالكامل وابقاء ذلك بيد حركة حماس وحدها. هذا الموقف، يقدم لـ"إسرائيل" حجة إضافية لزيادة تحكمها في المعابر وتشديد إجراءات التدقيق والتفتيش. كما يقدم عذراً لمصر يضاف إلى الأعذار الخاصة بأمنها الوطني وحماية حدودها ضد الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها، لكي تغلق معبر رفح معظم الوقت ولا تفتحه إلا في أيام ومناسبات معينة ومحدودة ولعبور الأفراد فقط لضرورات واحتياجات محددة مثل الدراسة أو العلاج.

ما حصل مع الوزراء في غزة مؤخراً وطريقة اضطرارهم للمغادرة يشكل ذروة من ذرى التصعيد في مظاهر الانقسام الفلسطيني واستمراره، بل والخوف من تعمقه واكتسابه أبعاداً أكثر خطورة. وما حصل سيلقي، بلا شك، بظلال أكثر قتامة وتعطيلاً على قضية إعادة الإعمار في غزة، وزيادة الإبطاء في وتيرتها إن لم يكن توقفها. ويزيد من الخوف بروز مؤشرات تظهر أن حماس اختارت جوابها عن السؤال الأساس أن "تكون كياناً قائماً بذاته موازياً ومعادلاً للحكومة يحكم قطاع غزة منفرداً وهو صاحب الولاية والقرار فيه". من أحدث هذه المؤشرات، الحديث عالي الوتيرة عن قرب التوصل إلى هدنة طويلة الأمد تبرمها حماس، منفردة وبصفتها المذكورة، مع دولة الاحتلال بوساطة دولة إقليمية مقابل الفتح التدريجي للمعابر وإقامة رصيف بحري ومد خط غاز مباشر إلى محطة توليد الكهرباء. ومنها، وبنفس الطريقة والصفة، قيامها بإقرار ضريبة التكافل الاجتماعي لتطبق على قطاع غزة فقط ولتصرف عائداتها بمعرفتها. وذلك دونما ارتباط لا بالضفة الغربية ولا بالسلطة الوطنية أو الحكومة أو أي من المؤسسات الجامعة.

فضلاً عن مجموع المؤشرات التي سبقت الزيارة. وكلها مجتمعة تدفع باتجاه خطر الانقسام الكياني الذي يأخذ قضية الإعمار إلى مسالك وعرة

المصدر: الخليج الإماراتية

اخبار ذات صلة