قائمة الموقع

نهر النيل .. الحبل السري بين مصر وأثيوبيا

2015-04-25T08:31:40+03:00
نهر-النيل

عبير بشير

حين قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: إن الدين الإسلامي تحرسه روح الإسلام الذي يمنح الحرية المطلقة للناس في الإيمان أو عدمه، ولا يحض على قتل من لا يؤمنون به، ولا يمنح المسلمين حق فرض معتقداتهم على العالم، ولا يقول بأن المسلمين سيذهبون إلى الجنة، والآخرين إلى جهنم، كما لا ينبغي لنا كمسلمين التصرف باسم الإله، علقت صحيفة وول ستريت جورنال على ذلك: بأن السيسي لقن العالم درساً في الفرق بين التدين والتطرف، وإن أحداً لم يتصور أن يصبح الرئيس المصري أبرز مدافع عن الإسلام المعتدل.

الرجل بدا كذلك، بأنه يدرك جيداً بأننا اليوم في عالم مختلف عن الأمس، ونحتاج إلى رؤية جديدة لمقاربة الأمور، وإدارة الأزمات، وإلا فسيغرق الجميع. كما يعي جيداً الفرق بين التعاون بين الشعوب على قاعدة الاحترام المتبادل ، والمصالح المشتركة، وبين نبرة الصوت العالي والتعالي وفرض الإملاءات.

وهذا ما يظهر جلياً في التحول الاستراتيجي للقيادة المصرية الجديدة نحو القارة السمراء، وخصوصاً دول منبع نهر النيل وأثيوبيا نظراً للحجم الهائل من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها مصر والمنطقة وأزمة سد النهضة.

وجاء خطاب السيسي في البرلمان الأثيوبي -عشية التوقيع على وثيقة إعلان المبادئ بين مصر والسودان وأثيوبيا حول سد النهضة في الخرطوم - تاريخياً بكل المقاييس وأذاب جبال الجليد بين القاهرة وأديس أبابا. الرئيس السيسي وفي كلمته حمل رسالة أخوة خالصة ومحبة صادقة من الشعب المصري، إلى الشعب الأثيوبي، وأيادي ممدودة بالخير تنشد التعاون والتقدم على المستويات كافة.

وأضاف السيسي في خطابه: لقد حان الوقت كي تتحقق نبوءة الزعيم الأفريقي «نكروما« حول نهضة أثيوبيا «الحكيمة«، والتي أطلقها في ختام الاجتماع التأسيسي لمنظمة الوحدة الأفريقية منذ أكثر من 50 عاما، ومصر اليوم تقف بكل عزم وإرادة إلى جانب أثيوبيا لتحول تلك النبوءة إلى حقيقة واقعية، انطلاقا مما أكده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الاجتماع نفسه عن حضور مصر بقلب مفتوح وعقل مفتوح، وهي مستعدة أن تتحمل إلى أبعد الحدود مسؤوليتها التاريخية تجاه قارتنا الأفريقية. كما ذكر السيسي بمقولة رئيس وزراء أثيوبيا السابق ميليس زيناوي بأن نهر النيل هو الحبل السري الذي يربط بين أثيوبيا ومصر.

أما الرسالة الأهم في كلمة السيسي فإنه من ينشد التقدم في عالم اليوم، عليه تجنب النزاعات، ولا سعادة لمصر بشقاء أثيوبيا، ولا سعادة لأثيوبيا بشقاء مصر....في إشارة واضحة بضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي حول سد النهضة.

ومن وجهة نظر كثير من الكتاب المصريين، فإن الكلمة التي ألقاها عبد الفتاح السيسي أمام البرلمان الاثيوبي، هي بأهمية الخطاب الذي ألقاه الرئيس السادات أمام الكنيست الإسرائيلي والتي دفعت الإسرائيليين للقبول بفكرة الانسحاب من سيناء والتخلي عن حلمهم التاريخي بإقامة دولتهم من النيل للفرات. ويقول أحد المفكرين المصريين في هذا السياق، إن جميع الإثيوبيين يعتبرون أن مشروع سد النهضة هو المشروع الأعظم في تاريخهم والذي سيخرجهم من الوضع الاقتصادي المتأزم الذي يعيشون فيه وبالتالي فإن أي تغيير في خطط إقامة السد يحتاج إلى مجهود هائل لإقناع الرأي العام الأثيوبي، والأهم من ذلك هو شعور الأثيوبيين بأن كرامتهم مصانة وان أي تغيير في سد النهضة يتم بالتوافق والود وليس تحت التهديد..

ويستذكر المفكر المصري، إنه عندما زرا أثيوبيا كان الشعور الذي وصله هو أن الإثيوبيين يشعرون بأنهم كمصريين يستعلون عليهم ويعاملونهم بصلف، فلا الكنيسة القبطية المصرية ترضى بأن يكون بابا الإسكندرية من الرهبان الأحباش ولا الحكومات المصرية المتعاقبة تقبل بأن يقوموا بأي مشروعات على النيل دون موافقة القاهرة رغم أنهم بلد المنبع. غير أن كتاب مصريين أخرين يرفضون هذا الربط بين الخطابين، ويؤكدون بأن الخلاف مع أديس أبابا لم يكن يوماً من الأيام، بمقدار الصراع مع تل أبيب التي سرقت الأراضي العربية، وخاضت ضدها مصر حروباً مريرة.

وعلى كل حال ، فإن كلمة السيسي ووثيقة اتفاق المبادئ التي سبقتها، قد منحت المفاوضات الضوء السياسي، للتركيز على المواضيع الفنية، خاصة التي تتعلق بفترة ملء بحيرة السد، وآلية تشغيل سد النهضة، مع التأكيد على أن هذه الوثيقة تحتاج إلى اتفاق تفصيلي تشرح البنود العامة الواردة فيها. ويتضمن الاتفاق المبدئي عشرة مبادئ أساسية تحفظ في مجملها الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتتسق مع القواعد العامة في مبادئ القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية. وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون وتفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف نواحيها، مبدأ التنمية والتكامل الاقتصادي وتوليد طاقة نظيفة ومستدامة من سد النهضة، مبدأ التعهد بعدم إحداث ضرر ذي شأن لأي دولة، مبدأ الاستخدام المنصف والمناسب لمياه النيل بين مصر وأثيوبيا والسودان، وسوف تأخذ الدول الثلاث في الاعتبار الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لدول الحوض المعنية، وتأثيرات استخدام الموارد المائية في كل دولة من دول الحوض على الدول الأخرى، ومدى مساهمة كل دولة من دول الحوض في نظام نهر النيل، وامتداد ونسبة مساحة الحوض داخل إقليم كل دولة من دول الحوض. مبدأ التعاون في عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوي، مبدأ بناء الثقة، ومبدأ تبادل المعلومات والبيانات، ومبدأ أمان السد، ومبدأ احترام السيادة ووحدة أراضي الدولة، وأخيراً مبدأ الحل السلمي للنزاعات حيث -تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا..

وقد أثبتت التجارب بأن الأسلوب الوحيد لحل المشكلات وتحقيق المكاسب المشتركة بين الدول التي تتشارك أحواض الأنهار هو الحوار والحوار فقط. وأكد الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة السودان، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن هذا الاتفاق بحكم مسماه هو اتفاق «حول إعلان مبادئ« وهذا يعني أنه أقرب لإعلان النوايا لأنه لا يحمل التزامات قطعية على الأطراف وإنما مبادئ استرشادية هادية يعمل الأطراف على ضوئها ولا يشكل أي مساس بالاتفاقيات التاريخية في حوض النيل، وإنما يتناول أزمة سد النهضة فقط، وأضاف رسلان أن الاتفاق في مجمله هو مجرد خطوة على طريق طويل وقضية شائكة وممتدة ولها جذور غائرة في الوعي كما هي غائرة في التاريخ ولها جوانب نفسية وسياسية واستراتيجية ولا تتعلق فقط بالوجه التنموي الظاهر حول استخدامات المياه، وهو ما أشار إليه الرئيس السيسي في نهاية الخطاب، حين تحدث خارج النص المكتوب، وقال: إن «العبرة ليست بالاتفاقات، لكن بالإرادة وحسن النيات«.

المصدر: صحيفة المستقبل

اخبار ذات صلة