تحولت ما تسمى محكمة "العدل العليا الإسرائيلية" الى جهاز تابع بالكامل للحكومة الإسرائيلية تماما مثل موقع المستشار القضائي لها، تقوم بشرعنة المخططات التي تعلنها تلك الحكومة لتأبيد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطيني وقهر الواقعين تحت الاحتلال وهو ما برز في سلسلة من القرارات التي اتخذتها هذا الأسبوع بموافقتها على السيطرة على أراضٍ واسعة في غور الأردن يمتلك فلسطينيون أوراقاً بملكيتها وإعطائها ضوءاً أخضر لسلب الفلسطينيين الذين يقيمون في الضفة ممتلكاتهم في القدس المحتلة تحت عنوان "قانون أملاك الغائبين" ومصادقتها على قرار مصلحة السجون بمنع الأسرى الفلسطينيين من الدراسة داخل السجون، وقد علق جدعون ليفي في "هآرتس" على هذه القرارات بالتأكيد "على غياب العدالة وغياب المساواة كليا أمام القانون وقومجية علنية بدون معيقات".
مع إقامتها سعت دولة الاحتلال إلى خلق الأدوات التي غلفتها بغطاء القانون لمواصلة سيطرتها وتشريع احتلال الأراضي والممتلكات الفلسطينية فشرعت 21 قانونا منها قانون الاستملاك للمصلحة العامة وقانون الاستملاك لأسباب أمنية .
قانون أملاك الغائبين
ومن أهم هذه القوانين ما يسمى "قانون أملاك الغائبين" والذي تم تشريعه عام 1950 بهدف الاستيلاء والسيطرة على أملاك الفلسطينيين الغائبين، أي الذين هجّروا من بلادهم عام 1948 ولجئوا إلى دول تعتبرها اسرائيل في حينه عدوا وهي مصر والأردن وسورية ولبنان والعراق واليمن والسعودية وبذلك وضعت "إسرائيل" يدها على أراضي وبيوت ما لا يقل عن 700 ألف فلسطيني هجرتهم العصابات الصهيونية وحكومة الاحتلال عامي 1948 و1949 من خلال المجازر والترحيل المباشر.
فعّلت "إسرائيل" قانون أملاك الغائبين في الضفة المحتلة وترددت في فعل ذلك بالقدس المحتلة تخوفا من انعكاسات قد تمس سيطرة إسرائيليين على أملاك في القدس المحتلة لفلسطينيين ليسوا غائبين ويتواجدون في المدينة ومن هنا كان قرار المحكمة العليا بإجازة المصادرات على نطاق ضيق وبعد موافقة المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية يهودا فيشتاين، ويفتح ذلك المجال لعمليات مصادرة واسعة لاراض وبيوت لفلسطينيين أقدمت "إسرائيل" على طردهم من المدينة بعد سحب هويات الإقامة فيها فانتقلوا للسكن في الضفة المحتلة وبذلك فان مقدسيا قد يفقد منزله وهو بعد عدة أمتار منه خارج حدود القدس لتكمل دولة الاحتلال مخططها التهويدي الواسع بالقدس المحتلة الهادف إلى تهجير الفلسطينيين وتغيير الميزان الديمغرافي لصالح مستوطنيها، وفي سياق هذا المخطط التهويدي تأتي عمليات هدم البيوت التي تقوم بها سلطات الاحتلال تحت عنوان عدم الترخيص حيث هدمت منذ مطلع العام الحالي 22 بيتا في القدس المحتلة.
غطاء قانوني
في الضفة المحتلة وفرّت المحكمة العليا غطاء لمصادرة آلاف الدونمات من أراضي الغور بموافقتها على المصادرة بعد ما رفع ملاكها الفلسطينيون التماسا بإعادة أراضيهم المحاذية للحدود مع الأردن والتي تبلغ مساحتها حوالي 5 آلاف دونم، وتم تسليمها للمستوطنين في منطقة الأغوار رغم أن وثائق جيش الاحتلال تؤكد أن المساحة بكاملها هي ملكية فلسطينية خاصة مسجلة لدى دائرة "الطابو" الأردنية، وكانت سلطات الاحتلال في الأعوام 80 -90 أعطت هذه المساحة من الأرض للهستدروت الصهيوني والدي قام بدوره بتأجيرها للمستوطنين، لتصادق المحكمة العليا على ذلك هذا الأسبوع، وبنفس التوجه أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة 20 ألف دونم جنوبي بيت لحم الشهر الماضي ومنعت مالكيها الفلسطينيين من فلاحتها في بلدة الخضر تحت عناوين الاحتياجات الأمنية تمهيدا لضمها إلى المستوطنات القريبة وتوسيعها وبناء أحياء استيطانية جديدة فيها.
تحولت المحكمة العليا الإسرائيلية إلى العنوان الرئيسي الذي عبره تقوم دولة الاحتلال بإضفاء طابع قانوني على سيطرتها بالقوة على الأرض الفلسطينية والمصادقة على ممارساتها الإجرامية التي تتناقض مع القانون الدولي فقد رفضت استئنافا ضد منع الأسرى إكمال تعليمهم الجامعي داخل السجن من خلال الجامعات المفتوحة وهو قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية قبل عامين في شكل جديد من الحرب على الأسرى والتضييق عليهم، كما شرعت حكومة الاحتلال كل عمليات الأبعاد لمناضلين فلسطينيين وهدم البيوت وأعطت ضوءا اخضر لعملية الأبعاد الكبيرة لأكثر من 400 ناشط من الجهاد الإسلامي و"حماس" إلى لبنان عام 1991.
من الواضح أن الشعب الفلسطيني يواجه حالة من التغول الإسرائيلي ستتصاعد مع اكتمال تشكيل حكومة اليمين الجديدة برئاسة نتنياهو حيث ستتضمن خطوطها العريضة تمرير قوانين عنصرية جديدة على رأسها ما يسمى قانون "الدولة اليهودية"، وفرض مزيد من التطرف على قرارات المحكمة العليا من خلال إعادة تشكيل لجنة تعيين القضاة بحيث تمنع أي إمكانية لصدور قرارات لا تقبل بها حكومة اليمين فيما يصر حزب "إسرائيل بيتنا" على تشريع قانون يقضى بإعدام الأسرى وحزب "البيت اليهودي" بمنع الإفراج عنهم.
أمام هذا التصعيد لا يوجد وقت للترف في المشهد الفلسطيني فالخطر المحدق والمتسع يتطلب الخروج من حالة المراوحة في المكان حول عمل حكومة الوفاق وانتهاء المناكفات المتعلقة بها وتوجيه كل الجهود ضد الاحتلال واستخدام كل الأدوات المتاحة من اجل مواجهة الاستفراد الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني وعلى رأس ذلك التحرك أمام المحاكم الدولية ومحاسبة "إسرائيل" على انتهاكاتها للقانون الدولي فيما يعلق بالاحتلال.
المصدر: الاستقلال