شهدت العلاقات "الإسرائيلية"- الهندية أخيراً تطوراً دراماتيكياً إلى درجة القول أن السماء هي حدود تلك العلاقات المتطورة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية.
ولعل التعاون بين تل أبيب ونيودلهي في المجال النووي، هو أحد المجالات المهمة التي لا يتم الكشف عن أبعاده وأهدافه المرحلية والاستراتيجية. وعادة، تنفي كل من الهند و"إسرائيل" أي تعاون فيما بينهما في المجال النووي. وتناسي تصريح وزير الداخلية الهندية لال كريشنا أوفاتي( أثناء زيارته لتل أبيب في شهر تشرين الثاني- نوفمبر 1999) بأنه يؤيد «تعاوناً كاملاً مع "إسرائيل" في جميع المجالات، بما فيها المجال النووي الذي ينبغي تعزيزه».
ورغم النفي المعلن، يرى كتاب "إسرائيليون" أن كلا من الهند و"إسرائيل" أبدتا قلقا بخصوص البرنامج النووي الباكستاني في الثمانينيات، وكلتا الدولتين لم توقعا معاهدة حظر الانتشار النووي.
وفي الوقت الحالي يبدو تعاون الاستخبارات الهندية و"الإسرائيلية" غير المعلن بشأن القضية النووية مفيدا لكلا الطرفين، لكن هناك شكوك كثيرة في أن "إسرائيل" ساعدت الهند في إنتاج الأسلحة النووية وتجربتها.
ومن الجدير بالذكر أن الهند أجرت أول انفجار نووي إبان الحرب الباردة وقبل إقامة علاقة عسكرية معقولة بين الطرفين، وبالتالي فإن نيودلهي لم تكن بحاجة إلى مساعدة "إسرائيلية" في إجراء اختبارات نووية، وإن كان من المؤكد أن تستفيد من خبرة "إسرائيل" في مجالات ضبط الأسلحة الحاملة للقنابل النووية وتطوير وسائل حملها وترتيبات تجربة السلاح النووي.
ويعود التعاون الذري "الإسرائيلي" الهندي الى العام 1947 حين بدأ الطرفان بإرساء حجر الأساس في مشروعيهما النوويين. وكان البرنامج النووي "الإسرائيلي" قد انطلق آنذاك بتخطيط وإشراف العالمين الأميركيين اليهوديين أوبنهايمر وتيللر. واستفاد البلدان الهند و"إسرائيل" من البرنامج الأميركي الذي أطلقه الرئيس أيزنهاور عام 1955 تحت اسم «الذرة من أجل السلام». وبدأ التعاون بينهما عام 1962 عندما قام رئيس لجنة الطاقة النووية "الإسرائيلية" د. أرنست برغمان بزيارة للهند ووقع اتفاقا للتعاون يشمل تبادل الخبرات والإحتياجات النووية في المواد والمعدات. ولقد برز التكامل في البرنامجين النوويين الهندي و"الإسرائيلي" عندما سدت الهند حاجة "إسرائيل" من المواد الخام النووية إذ كان لدى الهند إحتياطات كبيرة من اليورانيوم والثوريوم، ولكن تنقصها التقنيات التي تملكها "إسرائيل". وقد أثمر هذا التعاون بأن أجرت "إسرائيل" أول تجربة نووية لها تحت الأرض في صحراء النقب بتاريخ 3-10-1966.
أما الهند فأجرت أول تجربة نووية لها في شهر أيار-مايو 1974, وقد أتبعت الدولتان تكنولوجيا فصل البلوتونيوم 239 في صنع الأسلحة النووية، وكان من ثمار هذا التعاون نجاح الهند في تشغيل مفاعل «كالباكام» بالقرب من مدينة مدراس، وتطوير محطة الطاقة النووية في «تارابور».
وشمل التعاون النووي ثلاث مجالات هي: 1 - تصغير الأسلحة النووية: ويعني إنتاج أسلحة نووية من أعيرة صغيرة (من 1 الى 15 كيلوطن) يمكن إطلاقها من رؤوس صواريخ تكتيكية وتعبوية استراتيجية ومواسير مدافع وراجمات صواريخ متعددة الفوهات. 2 - تطوير القنبلة (الهيدروجينية): حيث استفادت "إسرائيل" في ثمانينيات القرن الماضي من إجراء الهند تجربة نووية في 13-5-1998 تبين أنها لقنبلة هيدروجينية. ولأن "إسرائيل" لم تستطع أن تجري تجربة ميدانية لهذا السلاح الإندماجي في أراضيها، فقد سعت الى الإستفادة من التجارب الهندية بأن خصصت لنفسها تجربتين لصالحها حضرهما مسؤولون "إسرائيليون".
وكانت صحيفة معاريف قد ذكرت أن عالم الطبيعة النووية الهندي أي.بي.جي. رئيس المؤسسة الهندية للبحوث والتطوير الدفاعية DRDO والذي يعد أباً للبرنامج النووي الهندي, قد قام بزيارة "إسرائيل" مرات عدة أبرزها زيارتان في عامي 1996 و1998، وكانت هذه الاخيرة تمهيداً لهذه التجارب النووية وكان وزير خارجية باكستان، آنذاك، جوهر أيوب خان قد صرَّح في الوقت نفسه عن أن حكومته لديها معلومات عن تزويد "إسرائيل" للهند بأجهزة سوبر كومبيوتر المستخدمة في إجراء التجارب المعملية. وذكرت نشرة لطلبة جامعة بن غوريون أن نحو 20 عالماً هندياً موجودون في مركز الأبحاث النووية في النقب.
3 - تطوير الصواريخ البالستية حاملة الرؤوس النووية: فقد استفادت الهند من التقدم الذي أحرزته "إسرائيل" في برنامجها لانتاج صواريخ «أريحا» والتي وصل أقصى مداها الى 2700 كيلومتر، والصاروخ "شافيت" الذي وصل مداه الى 4500 كيلومتر. وحرصت الهند على اكتساب الخبرات "الإسرائيلية" لتطوير برنامجها لانتاج صواريخ بالستية متوسطة المدى I R B M وانتاج الصاروخ «برثفي» ومداه 250 كيلومتراً، والصاروخ «أجني 1» ومداه 1500 كيلومتر والصاروخ «أجني-2» ومداه 2500 كيلومتر، وصاروخ «ساجاريكا» الذي يطلق من الغواصات.
وشملت ميادين التعاون بين البلدين تكنولوجيا تحميل الصواريخ البالستية في الغواصات الأمر الذي يمنح "إسرائيل" عمقاً جيوستراتيجياً حيوياً في المياه الدولية ولم يكن غريباً أن تجري "إسرائيل" تجربة لاطلاق الصاروخ «أريحا 3» من غواصتها الألمانية الصنع «دولفن» في شهر أيار- مايو 2000 في منطقة المحيط الهندي القريبة من السواحل الهندية، وأصابت هدفاً على مسافة 1584 كلم، وهو ما يعني امتلاكها القدرة على توجيه الضربة الثانية من البحر في حال تعرض المنشآت النووية البرية للضربة الأولى من قبل الخصوم. أو توجيه الضربة الأولى من خارج أراضيها نحو المفاعلات النووية الإيرانية.
وتتفق نيودلهي وتل أبيب على ضرورة التصدي للبرنامج النووي الباكستاني والعمل على تعطيله في حرب استخبارية معقدة ما بين القنبلة «الهندوسية» والقنبلة «اليهودية» من ناحية والقنبلة الإسلامية سواء أكانت "سنية" كانت أم «شيعية» من ناحية أخرى. وهذا رغم عدم جواز تسمية السلاح النووي ونسبه إلى دين محدد، فلا دين للسلاح إنما هناك هوية البلد المنتج له والقوى التي تستخدمه.
المصدر: صحيفة المستقبل اللبنانية