قائمة الموقع

"إسرائيل" تتجه نحو آسيا

2015-02-23T10:07:06+02:00
أرشيف
حسين معلوم

خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدا واضحاً أن ثمة اتجاهاً لدى الشركات "الإسرائيلية" في الاقتراب، بشكل متزايد، من آسيا؛ وذلك في محاولة للاستفادة من ازدهار الطلب على مبتكراتها التقنية... وهو الاتجاه الذي يبدو أن الحكومة "الإسرائيلية" تدعمه بشكل قوي، ليس فقط من أجل تنويع أسواق التصدير؛ بل أيضاً، كـ"خطوة" للرد على المقاطعات المتنامية لتلك الشركات في أوروبا.


وقد تم الإعلان عن هذه الخطوة على لسان رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، خلال الشهر الماضي عندما صرح قائلاً: "إننا نريد بالقطع خفض اعتمادنا على أسواق معينة في غرب أوروبا" والملاحظ، أن تصريح نتنياهو هذا، كان قد جاء خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الياباني، شينزو أبي، أثناء زيارته إلى "إسرائيل" في: 18- 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، وهي الزيارة الأولى لرئيس وزراء ياباني إلى "إسرائيل" منذ تسع سنوات.


صحيح أن نتنياهو، الذي هو أيضاً وزير للمالية ومن أنصار تحرير السوق، كان قد استغل زيارة رئيس الوزراء الياباني لإجراء عملية تشابه بين "تهديد" المشروع النووي الإيراني على "إسرائيل"، ب"التهديد" الذي يمثله المشروع النووي لكوريا الشمالية على اليابان... لكن يبقى من الصحيح، أيضاً، أن ثمة دوافع حقيقية وراء هذا التوجه "الإسرائيلي"، أهمها ما زعمه نتنياهو، من "أن أوروبا الغربية تشهد موجة من الأسلمة ومعاداة السامية"، ومن أن "إسرائيل" تريد "أن تضمن وجود أسواق بديلة في العالم."


وهنا، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه، هو: هل تستطيع "إسرائيل" أن تستغني عن الأسواق الأوروبية... وما هي الأهداف المرجوة من توجهها إلى الأسواق الآسيوية؟!


بداية، لنا أن نلاحظ أن إشارة نتنياهو بأن "أوروبا الغربية تشهد موجة من الأسلمة ومعاداة السامية"، تأتي في توقيت تزداد فيه المخاوف لدى الحكومة "الإسرائيلية"، من أن يتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات تجارية ضد "إسرائيل"، بسبب سياستها في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية .

 

هذا، فضلاً عن الاحتمالات التي تبدو في الآفاق لمزيد من المشكلات التجارية لـ"إسرائيل" في أوروبا الغربية، وذلك على أرضية حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض عقوبات على "إسرائيل"، كـ"خطوات" بدأت تتخذها بعض الدول الأوروبية، مثل هولندا والدنمارك، التي قامت بعض الشركات فيها بإنهاء تعاملاتها مع شركات "إسرائيلية".


ورغم التصريحات المتواترة من رجال الأعمال "الإسرائيليين"، سواء الخاصة بالتهوين من أثر المشاعر المعادية لـ"إسرائيل" في أوروبا، أو تلك المتعلقة بالركود الذي يصيب الاقتصاد الأوروبي وضعف العملة الأوروبية "اليورو" رغم ذلك، لا بد من الإقرار بأن أوروبا لا تزال تُمثل شريكاً مهماً بالنسبة إلى "إسرائيل"، إذ إن أوروبا، حالياً، هي أكبر شريك تجاري للكيان، في حين تأتي آسيا في المرتبة الثانية بعد أوروبا... حيث تشير تقديرات وزارة الاقتصاد في "إسرائيل" إلى أن نحو ألف مُصَدِر يتعاملون مع آسيا من بين حوالي ثلاثة آلاف مُصَدِر فيها.


كذلك، فإن بيانات مكتب الإحصاء المركزي "الإسرائيلي" تُفيد أن 8.45 بالمئة من إجمالي الواردات إلى "إسرائيل" جاءت من أوروبا، في حين أن الصادرات المتجهة إلى هذه القارة تُشكل ما نسبته 8.35 بالمئة من إجمالي صادرات "إسرائيل"... أما بالنسبة إلى آسيا، فإن البيانات تُفيد أن واردات "إسرائيل" من آسيا تصل إلى حوالي 5 .22 بالمئة، في حين تصل الصادرات إليها إلى 4.25 بالمئة من إجمالي الصادرات "الإسرائيلية" إلى الخارج. والملاحظ، هنا، أن نصف هذه النسبة الأخيرة، "أي نصف" نسبة الصادرات "الإسرائيلية" إلى آسيا، يتم عبر شركتين "إسرائيليتين" فقط، هما: شركة "إنتل"، وشركة "إسرائيل كيميكالز" المُنتجة للبوتاس.


هذا، وإن كان يؤكد أن أوروبا لا تزال شريكاً تجارياً مهماً لـ"إسرائيل"؛ هذا، فضلاً عما تحتله أوروبا بالنسبة ل"إسرائيل" من مكانة على المستويين السياسي والعسكري... فإنه، في الوقت نفسه، يضعنا مباشرة أمام التساؤل المتعلق بالأهداف المرجوة من توجه "إسرائيل" إلى الأسواق الآسيوية.


لعل المتابع المهتم بالعلاقات "الإسرائيلية" الآسيوية، لابد أن يلحظ الاختراقات الاستراتيجية المهمة التي حققتها "إسرائيل" على صعيد القارة الآسيوية، حيث نجحت في إقامة علاقات مع العديد من دول القارة، أبرزها: تركيا، واليابان، وتايلاند، وبورما، وكمبوديا، والصين، والهند؛ هذا، بالإضافة إلى جمهوريات آسيا الوسطى.


مثل هذه الاختراقات، نجحت فيها "إسرائيل" عبر ما يُمكن تسميته ب"أسلوب الطرق المتواصل" على أبواب آسيا، التي كانت فيما يبدو مُحكمة الإغلاق في وجه "إسرائيل"، بسبب التعاطف الآسيوي مع القضية الفلسطينية، والعلاقات التاريخية التي ربطت العرب بآسيا، عبر حركتي التضامن "الإفريقي - الآسيوي"، وعدم الانحياز.


والواقع، أن "إسرائيل" لم تتوقف عند حدود الاختراقات، أو التغلغل في آسيا؛ بل، وصلت الآن إلى أن تُصبح، على المستوى العسكري من أكبر مُصدري الأسلحة إلى آسيا... وهذا، ما أكدته صحيفة "هآرتس"، في تقرير نشرته منذ أقل من أربعة أشهر في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث أكدت الصحيفة أن "إسرائيل" تُعد "أكبر مُصَدِر للأسلحة إلى الدول الآسيوية" وحسب الصحيفة، فإن الهند تعتبر أكثر الدول التي تستورد السلاح من "إسرائيل"؛ حيث أشارت إلى اتفاق الهند مع "إسرائيل" على شراء صواريخ مضادة للدبابات بقيمة نصف مليار دولار، إضافة إلى ما تُجريه الهند من محادثات مع "إسرائيل" للحصول على مئات من الصواريخ من طراز "براك"، وكذلك لشراء صواريخ مزودة بنظام (AWACS) بقيمة أكثر من مليار دولار.


ليست الحالة الهندية هي الحالة الوحيدة على النجاح "الإسرائيلي" في التعامل مع الدول الآسيوية. فهناك المثال الصيني أيضاً... ففي منتصف العام الماضي (2014)، قامت الحكومة "الإسرائيلية" بالتصويت لصالح الإسراع في تنفيذ المشروع الذي كان قد تقدم به بنيامين نتنياهو منذ أكثر من اثني عشر عاماً، عندما كان وزيراً للمالية؛ وهو المشروع الذي يتمحور حول بناء خط سكة حديدية فائق السرعة، يربط مدينة إيلات، الميناء "الإسرائيلي" على البحر الأحمر جنوباً، بأشدود، أضخم ميناء "إسرائيلي" على البحر الأبيض المتوسط.

ومن الواضح أن الاستهداف "الإسرائيلي" من هذا المشروع، يتمثل في محاولة إزاحة طرق التجارة القديمة في منطقة الشرق الأوسط؛ أو تحديداً: أن يكون بديلاً لقناة السويس. ورغم أن الحكومة "الإسرائيلية" كانت قد أقرت المشروع بالإجماع منذ أكثر من عشرين شهراً في مايو/أيار 2012 إلا أن بعض الانتقادات ساهمت في تأجيل البدء في تنفيذه حتى العام الماضي.


الملاحظة الأهم في هذا السياق، هو الشريك في تنفيذ المشروع، وهو الصين... إذ مع ازدياد حجم التجارة مع آسيا، ومع التطور المتنامي للتجارة بين آسيا والاتحاد الأوروبي، تحاول "إسرائيل" أن تجد لها مكاناً متميزاً على هذا المحور التجاري المهم عالمياً. أما بالنسبة إلى الصين، فيمثل هذا المشروع لها خطوة مُضافة إلى خطواتها الأخرى في تحديث البنية التحتية لطرق تجارتها مع العالم عموماً، وأوروبا على وجه الخصوص، مثل جسر الأرض "الأوروبي - الآسيوي"، الذي أكملته الصين مؤخراً، وهو خط سكة حديدية ينقل السلع من وسط الصين إلى ألمانيا مباشرة، ومثل تحديث ميناء "بيريه" في أثينا... وغيرها، من مشروعات البنية التحتية في شرق إفريقيا .


وإضافة إلى الصين والهند، هناك جمهوريات آسيا الوسطى... وهي المنطقة التي تتمتع بأهمية استراتيجية وجغرافية كبيرة، وخاصة للمنطقة العربية؛ فضلاً عن ثرواتها الثمينة، سواء فيما يتعلق بإنتاجها من النفط أو المنتجات الزراعية.


رغم أهمية المنطقة بالنسبة إلى العرب، إلا أن الحضور العربي الباهت في منطقة آسيا الوسطى، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام "إسرائيل" في اختراق المنطقة، من أجل إقامة مشروعات عملاقة، وتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية، فضلاً عن المشروعات الاستثمارية التي وصلت إلى حد الهيمنة في بعض المجالات، مثل الطاقة، خاصة أن هذه المنطقة غنية جداً بمصادرها، ولها تصنيفات عالمية بخصوص مواردها "النفط والغاز الطبيعي".

 

وبالطبع، لم يتوقف الأمر بالنسبة إلى "إسرائيل" عند الحدود الاقتصادية فقط؛ بل، لنا أن نلاحظ كيف يتم تنفيذ "الأجندة" الصهيونية المعروفة بأهدافها واستراتيجيتها. فـ"إسرائيل" لم تذهب إلى هذه المنطقة من أجل حفنة من النفط أو المعادن وحسب؛ ولكن من أجل الدور الأساسي الذي يساعد فيه جميع اليهود، وهو البعد العسكري، الذي يصاحبه بعد استخباراتي، لاسيما أن المنطقة قريبة من إيران.


ومن ثم، فإن التساؤل الذي نود أن نطرحه، في سياق الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال الأعوام القليلة الماضية، واندلاع "ثورات عربية" سقطت على إثرها أنظمة، ودخلت نتيجتها دولاً في احتمالات أن تتحول إلى دول فاشلة، هو: في إطار ما يمكن ملاحظته راهناً من انشغال "إسرائيل" بقراءة جديدة لتاريخ المنطقة العربية، وعبر السعي الدؤوب من جانبها في التمدد إلى آسيا عموماً، ومنطقة وسط آسيا على وجه الخصوص، فضلاً عن إفريقيا... هل يُمكن للعالم العربي أن يتبنى استراتيجية للتحرك من أجل مواجهة الحصار الاقتصادي والعسكري والتقني، والاستخباراتي أيضاً، الذي تقوم به "إسرائيل" للمنطقة العربية؟!

 

المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية

اخبار ذات صلة