تُطرح أسئلة قد تكون الإجابة عنها معروفة، ولكن في سياق المعرفة وتقديم الدليل قد يتطلب ذلك المزيد من الإيضاح ليعرفها الجميع. هل يُشكل تنظيم "الدولة الإسلامية" والذي اشتهر بـ "داعش" وأخواته من المجموعات المسلحة، تهديداً مباشراً أو غير مباشر على دولة الاحتلال الإسرائيلي؟ لماذا تقاتل "الدولة الإسلامية" وأخواتها "العدو القريب" من "ذوي القربى" ولا تلتفت إلى العدو الأساس والمركزي، ألا وهو "إسرائيل"؟! لماذا تضرب "الدولة الإسلامية" وأخواتها في العراق وسوريا ومصر وصولاً إلى فرنسا وغيرها من الدول ولا تلتفت إلى إسرائيل؟! ولماذا تعتبر تل أبيب، أن تنظيم "الدولة الإسلامية" لا يشكل خطرًا مباشرًا أو جادًا عليها؟ وفوق ذلك، تستقبل المستشفيات "الإسرائيلية" جرحى هذا التنظيم وسواه من المجموعات المسلحة، ويقوم رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو" بنفسه بزيارتهم في المستشفيات الإسرائيلية؟
وفي مقابل توصيف "إسرائيل" لخطر "الدولة الإسلامية" وأخواتها بالهامشي، فإن لديها خشية مستقبلية من تحوّله إلى تهديد مباشر ضدها، مع إصرارها على العمل للاستفادة من توظيفها كورقة سياسية مُعتَبَرة في خدمة مشروعها بالأراضي المحتلة، بعيدًا عن ضغط المساءلة العربية والدولية.
لا تُخفي النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية الجدل القائم حول المخاطر "المستقبلية" التي تشكلها "الدولة الإسلامية" والتنظيمات القريبة منها من خطر على إسرائيل ومستقبلها. ويتفقون على ضرورة الاستفادة من وجود "الدولة الإسلامية" وأخواتها لأقصى حد ممكن.
وعلى صعيد عملي، اتخذت إسرائيل إجراءات أمنية مشددة في العلن لمواجهة التهديدات المحتملة، فعززت وجود قوات جيشها عند الحدود مع الجبهتين السورية والأردنية، وأصدرت قانونًا يضع تنظيم "الدولة الإسلامية" في خانة "المنظمات الإرهابية" ويحظر الانخراط فيه أو التعاطي معه تحت طائلة العقوبة، لكن في الوقت ذاته، كانت تستقبل جرحى هذا التنظيم وسواه من المجموعات المسلحة في مستشفياتها للعلاج.
وفي وقت أبدى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استعداد "إسرائيل" للانخراط ضمن "التحالف الدولي" المناهض لـ "داعش"، وتقديم التعاون الاستخباريّ المعلوماتي، (هآرتس 17/9/2014)، وصف تقرير صادر عن الاستخبارات الإسرائيلية (هآرتس، 20/9/2014)، "اختراق المجموعات المتطرفة الموجودة في سيناء للحدود مع إسرائيل أكثر من مرة، بأنه يًشكل خطرًا فادحًا ضدّها".
وأفاد التقرير نفسه (18/9/2014) بأن "تنظيم "داعش" لا يضع إسرائيل ضمن أهدافه، ولا يهتم بها حاليًّا، فيما لا توجد أي إشارات تدلّل على خطره القريب ضدّها".
ويرى الصحفي الإسرائيلي روني شاكيد في حوار مع DW عربية (23-10-2014) أن "داعش" لا يشكل حاليًا خطرًا على إسرائيل، ويرى أن إسرائيل تساعد بشكل سري في مواجهته، وأنها تريد نظامًا قويًا يسيطر على الأمن بسوريا بغض النظر عما إذا كان ديمقراطيا أم لا.
ويقول شاكيد لدينا مشكلة، لأن "داعش" قريبة من الحدود "الإسرائيلية"، وخصوصًا في منطقة الجولان والقنيطرة. فمن وقت إلى آخر تنزل قذائف هاون على إسرائيل التي لن تعطي أي فرصة لحدوث مشكلة على الحدود، ولا تريد أن تتمدد هذه الحرب في سوريا إلى داخل إسرئيل.
وأكد كل من وزير الجيش الإسرائيلي، موشيه يعالون، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق ورئيس معهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب عاموس يادلين، أن تنظيم "داعش" لا يشكل خطرًا مباشرًا أو جادًا على إسرائيل، وباستثناء بعض التحذيرات والتقارير الاستخباراتية الاحترازية، يكاد يتفق جل الخبراء والمسؤولين الإسرائيليين على عدم وجود تهديد جاد ومباشر لـ "داعش" بالنسبة لبلادهم".
وذكر يادلين - في مقال له بصحيفة "يديعوت أحرونوت" أسانيد إستراتيجية عديدة تؤكد ما طرحه؛ فلوجيستيا ينشط التنظيم على مسافة بعيدة تمتد لمئات الكيلومترات من حدود إسرائيل، وخلافًا لحركات المقاومة الفلسطينية - الموجودة بمحاذاة حدود إسرائيل- فإن "داعش" لا يمتلك أنفاقًا ولا قدرات مدفعية أو صواريخ، كما أنه ليس لديه حلفاء يزودونه بالسلاح المتطور.
واستبعد يادلين وصول تأثير "داعش" إلى الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية فكريًا أو عسكريًا، إذ أن أيديولوجية هذا التنظيم الجهادية موغلة في التطرف إلى درجة تأبى قبولها أكثر التنظيمات في المنطقة تشددًا بما فيها تنظيم القاعدة ذاته.
واعتبر يادلين أن تهديد داعش كمنظمة جهاد عالمية لإسرائيل لا يختلف جوهريًا عن تهديد تنظيم القاعدة، الذي تتعايش إسرائيل معه منذ ما يربو على عشر سنوات، وأضاف أنه "في حال قيام "داعش" بنقل نشاطه من العراق إلى إسرائيل فإنه سيقع فريسة للاستخبارات الإسرائيلية وطائرات سلاح الجو والسلاح الدقيق المتطور الذي بحوزة القوات البرية الإسرائيلية".
غير أن الخبراء الإسرائيليين قد أجمعوا على أن هناك خطرًا فعليًا آخر تشكله "داعش" على إسرائيل يكمن في إمكانية صرفه الاهتمام الإسرائيلي والعالمي عن مخاطر البرنامج النووي الإيراني، الذي يمثل تهديدًا إستراتيجيًا حقيقيًا على أمن إسرائيل واستقرار المنطقة والعالم برمته.
وفي وقت تعمل فيه إسرائيل على تعظيم خطر "داعش" و"النصرة"، فإنها تخفي أهدافاً سياسية متعددة تسعى إلى تحقيقها، مع الانشغال المستمر للدول العربية والإسلامية بمحاربة الجماعات المسلحة ومنع تعاظم نفوذها، دون أن تدفع حقيقة ثمن هذه الأهداف السياسية. ويأتي في مقدمة ذلك نتائج العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. فكتبت الدكتورة نادية سعد الدين مقالاً في فصلية "السياسة الدولية" بعنوان: (التوظيف الإسرائيلي لتهديدات "داعش" و"النصرة")، استعرضت فيه هذه التوظيفات الإسرائيلية لتهديدات "داعش"، خصوصاً بعد العدوان على غزة، والتي "أفضت إلى انتصار المقاومة، وإعادة القضية الفلسطينية، بعد تراجع، إلى واجهة المشهدين الإقليمي والدولي، ما تبين في تصدرها وسائل الإعلام وتحريكها للجهود الدبلوماسية، وتحفيزها لتظاهرات التضامن الشعبية الحاشدة في مختلف دول العالم، بما فيها العواصم الغربية".
وعبرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية (14-7-2014)، عن سعادة موقف بلادها بموقف "داعش" الذي برر عدم جهاده في قطاع غزة أثناء العدوان عليها، فكتبت أن "داعش غير معنية بقتال اليهود"، وأنه "في الوقت الذي تضرب فيه إسرائيل قطاع غزة، شيء رائع أن نعرف أن هناك على الأقل تنظيمًا إسلاميًا واحدًا لم يسارع بتهديد إسرائيل، وهو تنظيم داعش".
ويوجد أسئلة عديدة يطرحها العديد من المحللين والمتابعين: لماذا ما زالت "الدولة الإسلامية" تتحرك اعلامياً دون أي اعتراض من واشنطن؟ وهي التي لديها بروباغاندا هي أهم عنصر في صعود نفوذها وتجنيدها الآلاف، وتتواصل في مواقع إنترنت بلا اعتراض أمريكي رغم توفر القدرة على إزالة كل المواقع "الجهادية" على الإنترنت خلال ساعات، وهناك سوابق عندما جرى إيقاف حسابات إعلامية لجهات عديدة في الشرق الأوسط سواء كانت في "يوتيوب" و"فيسبوك" و"تويتر" وغيرها من خدمات المواقع الأمريكية والتواصل الإجتماعي، دون أي ضجة ولمجرد أنها لا تتسق مع التوجهات الأمريكية.
ويسعى قادة إسرائيل إلى ربط إرهاب "الدولة الإسلامية"، بمقاومة الشعب الفلسطيني، وحزب الله، والتهديد الإيراني، فقال بنيامين نتنياهو، بمستهل اجتماع مع وزير الخارجية النرويجي في القدس المحتلة "إن تنظيمات مثل "داعش"، و"حماس"، و"جبهة النصرة"، و"القاعدة"، و"الشباب" الصومالية، و"حزب الله" المدعوم من قبل إيران، تشكل جميعها خطرًا واضحًا وفعليًا على حضاراتنا"..
وبناء عليه، فإن عددًا من الخبراء الإسرائيليين يرون أن "هناك خطرًا فعليًا آخر تشكله "الدولة الإسلامية"على إسرائيل يكمن في إمكانية صرفه الاهتمام عن مخاطر البرنامج النووي الإيراني، الذي يمثل تهديدًا إستراتيجيًا حقيقيًا لإسرائيل ولاستقرار المنطقة". ولهذا يسعى نتنياهو مع النخبة السياسية والعسكرية، إلى تعزيز مكانة إسرائيل عند حلفائها في الغرب، وتجميل وجهها القبيح، في مختلف دول العالم، لا سيما الأوروبية منها، بعد ارتكابها "جرائم حرب ضدّ الإنسانية"، في فلسطين ولبنان. وللاستفادة من تجليات مشروع "الدولة الإسلامية" وأخواتها لتعزيز الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والتهويد، وتعزيز "الأمن الإسرائيلي"، على حساب فلسطين والعرب..