كتب: نبيل السهلي
بعد التضامن الكبير مع فرنسا إثر الحادث الإرهابي الغادر الذي طال نحو 32 شخصا، في الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية قبل فترة وجيزة، برزت أسئلة حول امكانية عقد مؤتمر دولي يدين الارهاب الاسرائيلي، ويكون مقدمة لملاحقة مجرمي الحرب في إسرائيل.
ثمة امكانية حقيقية لقيام الفلسطينيين بالدعوة لعقد مؤتمر دولي حول الارهاب الاسرائيلي، وذلك بالإعتماد على التعاطف الكبير الشعبي والرسمي في الغرب مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد انكشاف صورة اسرائيل، بكونها دولة الارهاب المنظم بامتياز.
لم تغب عن الذاكرة الانسانية صور آلاف الشهداء والجرحى الذين سقطو إبان العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في صيف العام المنصرم 2014، وكذلك خلال الانتفاضتين الاولى التي سقط خلالها اكثر من الفي شهيد، وانتفاضة الاقصى التي انطلقت من باحاته المشرفة في نهاية أيلول / سبتمبر من عام 2000، قتل الجيش الاسرائيلي خلالها اكثر من خمسة آلاف فلسطيني؛ بينهم مئات الاطفال، كما تم جرح أربعين الفاً من الفلسطينيين؛ وتتكرر فصول الارهاب والمجازر الاسرائيلية يومياً.
يؤكد المتابعون للقضية الفلسطينية بأن عمليات الارهاب والاغتيالات والمجازر الإسرائيلية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ إنشاء إسرائيل، لم تكن مجرد صدفة إسرائيلية أو رد فعل؛ بل هي جزء من العقيدة والعقلية الإسرائيلية؛ وتبعاً لذلك يمكن التأكيد والجزم بأن عملية اقتلاع القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني لم تكن صدفة تاريخية، بل قامت بها الحركة الصهيونية بدعم غربي واضح المعالم؛ وذلك بغية التحضير لعمليات الترحيل واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم؛ وكان العنوان الابرز من اجل التنفيذ ارتكاب المجازر باعتبارها من أهم وسائل الارهاب، التي يمكن استخدامها لإثارة الرعب بين السكان العرب وترويعهم وبالتالي حملهم على الرحيل. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن في مذكراته بأن المنظمات الصهيونية العسكرية قد قامت بطرد العرب وهي التي نظمت عملية القتل والطرد والاغتيال.
فبينما كان عرب فلسطين غير مستعدين للحرب على الاطلاق وغير مسلحين في الغالب، وفي وضع دفاعي، شنت العصابات الصهيونية: الهاغانا والارغون وشتيرن، ضربات هجومية منسقة ضد المدنيين العرب في المدن الرئيسة الثلاث، حيفا، والقدس، ويافا، وكذلك في الريف الفلسطيني، ونفذت المجازر المنظمة وتدمير المنازل.
وتوجت عمليات الارهاب والمجازر فيما بعد، بقتل الوسيط الدولي» الكونت برنادوت» في القدس في 18/9/ 1948، على يد العصابات الصهيونية ومن بينهم رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحاق شامير، وذلك لأن الوسيط الدولي حمّل في تقريره الذي رفعه الى الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 16-9-1948 اسرائيل مسؤولية بروز قضية اللاجئين، وأكد أن أي تسوية لا يمكن ان تنجح من دون عودتهم الى ديارهم وبناء على تقريره، صوتت الجمعية العامة على القرار (194) بتاريخ 11/12/1948.
وفي سياق إرهابها المنظم، ارتكبت اسرائيل مجزرة كبيرة في ساحة المسجد الأقصى في عام 1990، ذهب ضحيتها ثلاثة عشر فلسطينيا، كما ارتكب مستوطن إسرائيلي مدفوع من الاحزاب الاسرائيلية، مجزرة في الحرم الابراهيمي، ذهب ضحيتها في عام 1993 نحو 29 فلسطينيا من المدنيين العزل. ولم تكن المجازر الاسرائيلية محصورة في فلسطين، بل تعدت ذلك الى المناطق العربية الأخرى، وكان من أهم فصولها قصف الطيران الاسرائيلي لمنطقة قانا في جنوب لبنان التي استشهد على إثرها نحو (100) من النساء والشيوخ والاطفال اللبنانيين، وذلك في مقر لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب اللبناني، وقد حصل ذلك على مسمع ومشاهدة من عيون العاملين في القوات الدولية في صيف 1996، فضلا عن ذلك ارتكب الموساد والجيش الاسرائيلي اغتيالات عدة داخل فلسطين، ناهيك عن الاغتيالات المنظمة للعديد من السفراء والمثقفين الفلسطينيين والعرب في الخارج. ولم تنته فصول الاغتيالات والمجازر والارهاب الاسرائيلية، ولا زالت تطال قيادات فلسطينية، وكان آخرها اغتيال زياد أبو عين وزير المقاومة الشعبية للجدار والاستيطان في قرية ترمسعيا في الضفة الغربية.
ويبقى القول، أنه بعد مرور أكثر من ستة وستين عاماً على انشاء إسرائيل، باتت الضرورة تتطلب دعوة فلسطينية مدعومة عربياً لعقد مؤتمر دولي حول الارهاب الاسرائيلي المنظم، وملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين، واقتيادهم الى المحاكم الدولية بغية نيل العقاب عن جرائمهم التي اقترفوها ضد الشعب الفلسطيني.
وقد يعزز التوجه المذكور، إنشاء شبكة للتاريخ العربي الشفوي؛ بحيث تكمن مهمتها في عمليات بحث وتسجيل لعمليات الارهاب والاغتيالات والمجازر الاسرائيلية؛ ومن الضرورة بمكان ان تكون البداية تسجيل وتوثيق ما حصل في قطاع غزة من مجازر مروعة في صيف العام المنصرم 2014؛ فضلاً عن روايات لأهالي القرى الفلسطينية التي حدثت فيها مجازر قبل ذلك وفي سنوات خلت، بحيث يشارك في الاعداد للبحث والقيام به قانونيون وعلماء اجتماع وعلماء نفس عرب في المقام الاول، ومن ثم العمل على تحليل آثار عمليات الارهاب والمجازر على الشعب الفلسطيني، ومن ثم نشرها في وسائل الاعلام العربية وخاصة عبر ندوات في الفضائيات ومراكز البحث، حيث لم ينشر إلا القليل عن المجازر الاسرائيلية التي دفعت غالبية الفلسطينيين خارج ارضهم في عام 1948 وبعده.
المصدر: السمستقبل