/مقالات/ عرض الخبر

السلطة الفلسطينية بمواجهة الضغوط المالية والابتزاز السياسي!.. كتب: ماجد الكيالي

2015/01/17 الساعة 11:16 ص

تبلغ الموازنة السنوية للسلطة الفلسطينية أزيد من أربعة بلايين دولار بقليل، وقد وصلت كتلة الأجور والرواتب فيها إلى حوالى بليوني دولار، لـ 170 ألف موظف، علماً أن 40 في المئة منهم يعملون في الأجهزة الأمنية، وهم أكثر من العاملين في سلك التعليم، علما ان هؤلاء لا يعملون شيئاً في مجال الدفاع عن الفلسطينيين، إزاء اية اعتداءات من الاحتلال الإسرائيلي، سواء جاءت من قبل الجيش أو من جهة المستوطنين. ويمكن ان ندخل في هذه الحسبة منتسبي الفصائل، الذين يعتمدون عليها في المعاش، وقرابة 40 ألف موظف كانت عينتهم سلطة حركة «حماس» في أجهزة حكومتها في غزة، إثر فرض سيطرتها هناك (صيف 2007)، بعد استبعادها عشرات الألوف من موظفي السلطة السابقين. هكذا يصبح لدينا حوالى ربع مليون فلسطيني يعتمدون في العيش على موارد خارجية، متأتية من الدول المانحة (الغربية والخليجية)، ومن الدول العربية والإقليمية الداعمة للفصائل، دون أن ننسى مئات وربما ألوف العاملين فيما بات يعرف بمنظمات المجتمع المدني.

واضح أن هذا العدد من الموظفين في السلطة (والمنتسبين للفصائل) كبير جدا، لقرابة أربعة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة والقطاع، أي اننا إزاء قطاع واسع من الفلسطينيين يعتمد كليا على الخارج في إعالته ومعاشه.

ولا شك في ان هذه الحالة تولد تأثيرات او تشوهات كثيرة اجتماعية ونفسية وسياسية، فنحن إزاء طبقة لا ترتبط بأي نمط انتاجي، وليس لها صلة مباشرة بالمصالح السياسية والاقتصادية للفلسطينيين، ما يعني تولد وعي سياسي، وربما أولويات وقيم سياسية ووطنية مختلفة. وفي المحصلة فإن هذا الوضع يسهم في اضعاف اجماعات الفلسطينيين، وضمن ذلك تفارق مواقفهم إزاء الاحتلال، أو إزاء التخلص من الاحتلال، لاسيما انه يضع جزءا كبيرا منهم، إزاء مفاضلة صعبة وخطيرة، بين تمسكهم بحقوقهم الوطنية، وبين حفاظهم على لقمة عيشه.

المشكلة أن القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، في خضم مراهنتها على عملية التسوية، لم تشتغل على أساس أنها تدرك هذه المخاطر، إذ إنها على العكس اشتغلت على تضخيم عدد الموظفين في أجهزة السلطة المدنية والأمنية، بدعوى سعيها لاستيعاب العائدين من الخارج، من العاملين في المنظمة والفصائل، واستيعاب قطاعات الشباب من الوافدين الجدد إلى سوق العمل في الضفة وغزة، الذين لا يجدون فرصتهم لكسب العيش في القطاع الخاص، وفي المجالات الإنتاجية، مع تضاؤل إمكانيات العمل في الدول الخليجية، بالقياس للسابق.

في الواقع فإن هذه القيادة لم تنتبه جيدا إلى أن إسرائيل، كقوة احتلال، تعمدت التضييق على الفرص الاقتصادية عند الفلسطينيين، وخنق القطاعات الإنتاجية الواعدة في الضفة وغزة، وسد الأبواب أمام انتاجاتهم الزراعية والصناعية المعدة للتصدير، والأنكى انها شرعت ذلك بفرضها نوعا من اتفاق اقتصادي (اتفاقية باريس) ملحق باتفاق أوسلو، عزز من تبعية الاقتصاد الفلسطيني للإسرائيلي.

هكذا تحررت إسرائيل من العبء الاقتصادي الناجم عن الاحتلال، بعد ان ارتاحت من العبء السياسي مع قيام السلطة، بتحميل نفقات السلطة على الدول المانحة، وهي في الوقت ذاته وضعت السلطة تحت رحمتها، كما هو حاصل في حجبها أكثر من مرة أموال «المقاصة»، والتي تقتطعها كضرائب عن البضائع، لصالح السلطة الفلسطينية، وتقدر بحوالى 150 مليون دولار شهريا، بحيث بات للموقف السياسي الذي تتخذه السلطة ثمنه المالي.

في كل ذلك باتت القيادة الفلسطينية في مكانة صعبة إزاء أي موقف، أو خيار، سياسي قد تتخذه دفاعا عن مصالح الشعب الفلسطيني، إذ باتت مضطرة للأخذ في الحسبان واقع الاعتمادية على الخارج، أي للدول المانحة التي تمول عملية «السلام، ولشبكة العلاقات الاقتصادية التي ترهنها بإسرائيل، بحيث أنها تضطر في كل مرة للمفاضلة بين موقفها الوطني، وحاجتها للأموال لتغطية نفقات عيش جيش الموظفين فيها.

هذا الوضع، أو هذا الارتهان، هو الوضع الذي جعل إسرائيل، توقف مجدداً اموال السلطة (125 مليون دولار)، بعد توجهها مؤخًرا إلى مجلس الامن الدولي، كإجراء عقابي لها، بل إنها تطالب الولايات المتحدة، أيضا، أن تفعل الامر نفسه وتوقف مساعداتها للسلطة (400 مليون دولار سنويا).

وكانت محاولات تجفيف موارد منظمة التحرير، مطلع التسعينيات، قد ساهمت في أخذها نحو اتفاق اوسلو المجحف (1993)، بمعنى أن هذا المشهد يتكرر ثانية الآن بوضع الفلسطينيين مجددا بين خياري التجويع او التطويع، أي التنازل عن الحقوق.

المشكلة أن القيادة الفلسطينية لم تستفد من هذا الدرس، ونقلت تجربتها في الخارج إلى الداخل، من دون ان تبالي بتزايد اعتماديتها على الخارج، وبتضخم جهاز الموظفين لديها.

وفي استعراض حال التجربة الفلسطينية (قبل إقامة السلطة)، مثلاً، يمكننا ملاحظة أن الحركة الوطنية الفلسطينية تصرفت بلا مبالاة كبيرة إزاء تزايد اعتماديتها على الدعم المالي من دول متضاربة السياسيات، وإزاء تضخم أعداد المتفرغين لديها، وانتفاخ أجهزتها الخدمية والأمنية والديبلوماسية، وبروز مظاهر الانفاق الغريب عن قيم وسلوكيات افراد يفترض أنهم نذروا أنفسهم للدفاع عن حقوق شعبهم. وقد نتج عن كل ذلك افساد الحياة السياسية الفلسطينية، وسيادة علاقات المحسوبية، على حساب الكفاءة والأهلية النضالية والنزاهة الشخصية. أما على الصعيد السياسي فقد أدى كل ذلك إلى انتهاج الحركة الوطنية الفلسطينية لأشكال عمل لا تراعي مستوى تنظيم هذه الحركة، وتحاول حرق المراحل، وتمثل ذلك بإنشاء ما يشبه جيوشا وميليشيات وقواعد ثابتة، وهي كلها لم تصمد امام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وهي التجارب التي تكررت في الداخل، وبطريقة مأسوية أكثر من مرة. وليس بعيداً أن النفخ في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بداياتها، نمّى الأوهام عندها بقدراتها، كما ليس بعيدا ان ذلك حصل استجابة لاملاءات بعض الداعمين، او تساوقا مع سياساتهم، فالنتيجة كانت واحدة، إذ ان ذلك جرى من دون مراعاة هادئة وموضوعية واقع الشعب الفلسطيني وامكانياته واولوياته.
 

المصدر: المستقبل

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/69322

اقرأ أيضا