رحل الفنان الفلسطيني الأسمر محمود سعيد، لم يعرف الكثيرون أنه فلسطيني إلا بعد وفاته.. خاض غمار التمثيل إلى جانب الفنانة الكبيرة سمير توفيق في (فارس ونجود)، ليتتالى بعدها إنتاج الدراما البدوية في التلفزيون.
ساعد الكثيرين من الفنانين والمبدعين، ساهم بوقوفه إلى جانبهم في تطور عملهم ونجاههم.. أرادوا عبر صحيفة “كل الوطن” تكريمه عبر كلماتهم الرائعة عنه:
لم يجعل من الفن سلما يصعد عليها
كتب الصحفي والمصور خليل العلي: “بدأ الفنان محمود سعيد حياته طفلاً يتيم الأب في دار للأيتام، وقد انتهت حياته يتيم الفن، “عدونا لا يريد لنا الحياة الحرة، يقتل كل شيء جميل فينا، وفي مقدمة ذلك الثقافة، ونحنا ننساق إلى ما يخططه لنا عدونا من دون تردد”، هذا ما كان يردده الفنان الفلسطيني الراحل محمود سعيد.
الرجل غاب خلال السنوات الأخيرة عن الساحة الفنية تماماً، وقد أغفلته الذاكرة الفنية، أهل صنعة وإعلام، ومن تذكره منهم، طرق بابه بدور أقل من تاريخ بطل “فارس ونجود”. فلا باب فتحه محمود سعيد لمثل هذه الأدوار، وما من عمل ناداه يليق بمشواره الفني، والنتيجة فنان رائد يركن جانباً بانتظار الموت ليعود به إلى دائرة الاهتمام.
ما بين اليتمين، الأب والفن، كان محمود سعيد “صاحب الصوت الرخيم الآسر” و”النجم المؤسس” و”فارس العرب”، و”صقر العرب”. ارتبط اسمه بتأسيس أول دراما بدوية هي (فارس ونجود) شاركته البطولة الفنانة سميرة توفيق، ليتتالى بعدها إنتاج الدراما البدوية في التلفزيون. وكان سعيد الوجه الأبرز في هذه الدراما، ونموذج البطل/ الفارس.
بدأ الرجل حياته الفنية عام 1961 بجملة واحدة، باللهجة البدوية في برنامج “من وحي البادية” للمخرج رشيد علامة الذي عاد وأسند إليه دور البطولة في المسلسل الشهير “سر الغريب”، وسواها من أعمال تلفزيون لبنان.
يبقى استحقاق النجومية الحقيقي هو محمود سعيد نفسه، طريقة تفكيره وولعه بالفن الذي جعله يخطو بثقة في أول مشواره الفني، ومنعه من الانزلاق نحو الهوس التجاري الدرامي في آخر هذا المشوار. كان من الممكن أن يصنع سعيد مجداً شخصياً وتجارياً كما يفعل اليوم غالبية النجوم/ المنتجين. ولكن سعيد لم يجعل من الفن جثة ليصعد عليها.”
ويضيف العلي: “كان الراحل محمود سعيد محبّاً ومشجعاً للمواهب، وكان يقف إلى جانب زملائه في الظروف كافة، وروت ممثلة صديقة ما حدث معها اثناء تصوير مسلسل في الأردن مع محمود سعيد، كنت أصور مشهدا صعبا جداً ومرتبكة، قبل تصوير المشهد بيوم واحد قال لها محمود سعيد: “شوفي يا ديانا انت ما بكي شي بالدوبلاج اذا ما ظبط معك هالمشهد ارجعي على بيروت وكفي بس بالدوبلاج”.
شعرت حينها انه يستفزها وخلال التصوير أخرجت الغضب كله الذي كان بداخلها، وعند انتهاء المشهد غمرها وأثنى على أدائها، هكذا كان الراحل يشجع من يعمل معه ويحتضنه.
كان دائماً يحلم بالعودة إلى فلسطين، كانت يافا بدمه وقلبه دوماً، رحل حاملاً معه الأمل بالعودة والحنين إلى تراب القدس”.
يا زهرة من زهرات بلادي …
أما المخرج الفلسطيني محمد إبراهيم فكتب: “سبحان الله … شو كان قلبك كبير يابا … يا محمود سعيد … اول ما اتصلت فيك لأصور معك فيلم … رحبت وما اعترضت واتصلت بمخرج مسرحي معني بالعمل النقابي الفلسطيني، ونصحك بعدم الدخول بهالتجربة حفاظا على اسمك وتاريخك الفني وبانني ولد بهالمهنة مع العلم بانني شاركت معه بعدة مسرحيات وكان يوعدنا بالعمل معك (مع الفنان محمود سعيد).
نعود لاستكمال القصة حضرت اول يوم تصوير وعلامات الحيرة والارباك واضحة عليك فلاحظت ذلك وطلبت بانجاز المكياج، الخاص بك وبدات التصوير مع المجاميع وانت تراقب وعندما انتهيت من تصوير المشهد وقفت وقلت لي انا جاهز للتصوير يا استاذ فقلت لك العفو انت استاذنا الكبير وعندما انتهى التصوير، قلت لي للاسف في ناس ما بحبوا الخير لحدا وهم من اهلنا وشعبنا … انت فنان وانا معك وانت ابني … وسبحان الله نفذنا سوا اكثر من 100 حلقة وفيلم ومسرحية”..
شحنة من الذكريات
أما الفنان والممثل أحمد صلاح فكتب عن محمود سعيد: “كان شحنة من الذكريات الحميمة، تعشش في ذاكرته حكايات الوطن، حارات يافا وأزقتها… لذلك كان مصرّا على إبقاء تحلك الشحنة متوقدة… حية، تتناقلها الأجيال الفلسطينية كما هي.
محمود سعيد… كان يعشق المخيّم، ناس المخيم ورائحة المتعبين من كباره.
لم يشترِ بيتا، ولم يرضَ ببيتِ خارج فلسطين… لأنه كان مانعا على نفسه نسيان بيته الأصلي وجذوره الأولى… لأن البيت، كما كان يقول: يصير موطنك دون أن تدري.
أحببت هذا الرجل لحرصه على الأصالة، على نبذ الإبتذال وتسطيح الفن… أحببته لأن الفنَّ عنده رسالة… تستحقُ الإحترام وتستحق أن يكون منبرا إنسانيا وأخلاقيا راقيا.
أحببت محمود سعيد لأنه كان يحترم المواهب الفلسطينية، يوجهها ويعطيها من وقته وتجربته الكثير… كان رمزا في التواضع والمحبة.
محمود سعيد مدرسة في الفن والعطاء والأخلاق… هو من النادرين الذين أعطوا في جهات العطاء كلها دون أن يأخذ… دون أن يطلب… كان كبرياءه عاليا… عاليا، بحيث لم يصل علياءه إلا الكبار من أمثاله.
بين الرحيل والرحيل يبقى محمود سعيد فنانا شاهدا على مرحلة مهمة وروحا متقدة لشعب يأبى الانكسار..
المصدر: صحيفة "كل الوطن"
