قائمة الموقع

بونابرت هل وعد اليهود بفلسطين قبل بلفور؟.. كتب: سليمان الشيخ

2014-12-29T08:33:40+02:00

راج في الصحافة العربية في الأيام والأسابيع القليلة الماضية، وربما ما زال مثل هذا النقاش مستمرا، بشأن «الوعد» الذي ربما يكون أعلنه الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، في نهاية القرن الثامن عشر، وهو الذي يتعلق بإعادة اليهود إلى فلسطين، ومساعدتهم في إقامة كيان لهم فيها، هذا إذا ما وقفوا معه وأيدوه ومولوا حملته إذا ما احتاج إلى تمويل.

وقد توزع النقاش بين من نفى وجود مثل هذا «الوعد» في الأراشيف الرسمية المعنية، وإنه ربما كان من نوع الإشاعات والأقاويل السائرة، والتي تناقلتها بعض الأوساط في مرحلة تلي الأخرى. في حين إن أوساطاً اخرى تناقلت أخباراً صحافية أشارت إلى أن «الوعد» ربما كان من الوعود الشفهية التي لم يتم توثيقها؛ مع ذلك فإن هناك من نقل كلاماً صحافياً في تاريخ محدد وفي صحيفة محددة، جاء فيه أن المؤرخ الفرنسي اليهودي بول جيفنسكي عثر على خبر منشور في صحيفة «مونيتور يونيفيرسال» في 22 أيار/مايو 1799، جاء فيه أن بونابرت أصدر بيانا دعا فيه جميع يهود آسيا وإفريقيا للانضمام إلى صفوفه وتحت رايته لاستعادة القدس القديمة.

المهم في الأمر، إن الامبراطور الفرنسي، كان قد أعد العدة لحملته العاصفة للتوجه نحو الشرق، في طموح لاحتلال مصر وبلاد الشام، وصولاً إلى احتلال الآستانة عاصمة الامبراطورية العثمانية، وحشد إضافة إلى القوى العسكرية مجموعة من العلماء والباحثين في مجالات عدة، كي يرافقوه في حملته.

يبدو إن الأمر لم يكن نزوة شخصية، أو من طموحات امبراطور فرنسي أراد توسيع حدود امبراطوريته، بل كان من نوع الحالات العامة التنافسية المنتشرة في البلدان الأوروبية، وتفشي «صهيونية غير يهودية» كانت تتبنى ما يروجه الصهاينة اليهود انفسهم، في سعيهم للعودة إلى فلسطين. ونظرا لما كانت تشكو منه بعض المجتمعات الأوروبية من سلبيات وجود اليهود في أوساطها، وانعزالهم في «غيتوات»، حيث كانت تنشأ منافسات واشتباكات بين الطرفين، في فترات مختلفة، خصوصا وأن أغنياء اليهود وتجارهم، كانوا قد مثلوا حالة استغلالية للمجتمعات التي كانوا يعيشون فيها. لذا فإن «وعد» إقامة وطن لليهود في فلسطين، كان ينطوي على أهداف تتعلق بالتخلص من أكبر عدد منهم، والتخلص قدر الإمكان من ما كانت تمثله «الغيتوات» من استفزاز وأخطار على سكانها وعلى المجتمعات التي كانت قائمة بين ظهرانيها. كما ويمكن التخفيف من حالات الاستدانة والربا والتنافس والاستغلال بين البيوتات المالية في المجتمعات المعنية. وهنا علينا التذكير في هذا المجال بمسرحية وليام شكسبير «تاجر البندقية».

المهم أن الحملة الفرنسية انطلقت في نهاية القرن الثامن عشر، وسلكت طريق البحر، للتغلب على دولة المماليك في مصر التي شاخت وضعفت قواتها، خصوصا وأنها واجهت قوات مدججة بأحدث الأسلحة، فاندحر المماليك إلى منطقة الصعيد، ليأخذ بونابرت في تعزيز وجوده، ومواجهة القوات البريطانية التي لاحقته في البحر. كما وأخذ في ترويض القوى الحية في مصر، ومحاولة إرضائها بوعود مختلفة، ومن خلال دعايات إعلامية مبرمجة تتعلق باعتناقه الإسلام، أو من خلال ما أخذ علماء حملته من كشف واكتشاف ما في مصر من كنوز أثرية، منها على سبيل المثال اكتشاف «حجر رشيد» من قبل العالم شامبليون، والذي كان يحتوي على كتابات من اللغة الهيروغليفية اللغة المصرية القديمة التي لم يكن قد تم اكتشافها بعد، وغير ذلك من بحوث وعرض واستعراضات علمية حديثة في ذلك الزمن .

لم ينس بونابرت مهمته الأساسية محاولة احتلال بلاد الشام والتوجه لاحتلال الآستانة عاصمة الدولة العثمانية ولم يخضع لمغريات الحكم وسهولة احتلاله لمصر، وعدم مواجهته أخطارا جسيمة في غزوته تلك، وتوجه بسرعة إلى الساحل الفلسطيني، وأخذ الاستيلاء على مدن الساحل واحدة إثر الأخرى، إلى أن وصل إلى يافا التي قاومته حاميتها واعترضت طريقه، إلا أنها استسلمت أخيرا أمام جبروت قوته. لذلك أمر قواته بذبح من تبقى من حاميتها (نحو أربعة آلاف جندي) بالسلاح الأبيض، وتناسى كل شعارات الحرية والمساواة والعدل والأخلاق الإنسانية والحضارة والتقدم والمدنية. واستعمل السلاح الأبيض كي يوفر الذخيرة التي كان يمكن استعمالها في القضاء على جنود حامية يافا، إلا أنه ارتكب خطيئة مميتة ليس في حق الحياة الإنسانية فقط، بل وفي حق جنوده أنفسهم أيضا، إذ أنه ترك جثث جنود الحامية اليافاوية القتلى في العراء لأيام عدة، مما وفر الوقت الكافي لوباء الطاعون كي ينتشر بين جنوده أنفسهم.

تابعت الحملة الفرنسية سيرها لبلوغ مدينة عكا، التي كان واليها أحمد باشا الجزار قد حصن قلاعها تحصينا جيدا، ووفر مستلزمات معركة قد تطول، خصوصاً وأن أخبار المجزرة التي ارتكبتها القوات الفرنسية في يافا، وصلته كما وأن الأسطولين البريطاني والعثماني كانا يساعدان عكا من البحر، في حين أن «الجنرال طاعون» كان يفتك بالقوات الفرنسية من البر. لذا فإن حصار عكا فشل وتوالى سقوط أفراد القوات الفرنسية موتى تباعاً. عندها أقر الامبراطور الفرنسي بهزيمته، وتسلل عائداً إلى مصر ومن هناك وصولاً إلى فرنسا، بعد أن عين الجنرال كليبر مسؤولاً عن بقايا الحملة، ليتولى بعد ذلك سليمان الحلبي اغتياله، لتفشل حملة نابليون على مصر فشلاً ذريعاً. ولتتهاوى بعدها وعوده لليهود في إقامة وطن لهم في فلسطين، إن كان قد صدر منه وعد من هذا القبيل أصلاً. إلا أن وعداً جديداً من قبل بلفور وزير الخارجية البريطاني بعد نحو مئة وعشرين سنة، ينجح في إقامة دولة احتلال استيطاني في فلسطين.
 

 

المصدر: المستقبل

 

اخبار ذات صلة