لا يكاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو يبذلان مجهوداً يذكر للإبقاء سراً على حقيقة الود المفقود بينهما . لا يكترث أحدهما بنفي هذه الحقيقة أو حتى تجميلها . ولا يثير هذا البرود المتبادل في المشاعر الكثير من القلق على الجانبين اللذين يدركان أنه ليس لذلك تأثير في طبيعة العلاقات الدافئة والخاصة جداً بين البلدين، وهذا هو الأهم لكليهما .
ومن الطبيعي في دولة كالولايات المتحدة ألا يبقى الخلاف بين الرئيس وزعيم أجنبي طي الكتمان، خاصة لو كان هذا الزعيم هو رئيس وزراء "إسرائيل" الحليف الأقرب والأقوى والأهم . إلا أن وسائل الإعلام لم تبذل جهداً كبيراً للوقوف على هذا الوضع، حيث تبرع مسؤولو البلدين بكشفه . ومازال المتابعون لهذا الملف يتذكرن المعركة الإعلامية التي اندلعت بين أركان الحكومتين في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتبادل خلالها الطرفان عبارات لاذعة غير معهودة في تاريخ العلاقات بين البدلين . بدأت تلك الجولة التي لم تكن الأولى، ولكن ربما كانت الأعنف، بهجوم شرس شنه "موشي يعلون" وزير الحرب "الإسرائيلي" ضد جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، مستخدماً ألفاظاً غير لائقة رفض الاعتذار عنها لاحقاً . بعد ذلك جاء الرد الأمريكي قاسياً واستثنائياً أيضاً، قياساً على طبيعة العلاقات الثنائية، حيث عاملت الإدارة "يعلون" خلال زيارته لواشنطن بطريقة مهينة بأن رفضت استقباله من جانب كل من كيري وجوزيف بايدن نائب الرئيس ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس . تزامن هذا مع تصريحات نارية لمسؤولين أمريكيين ضد نتنياهو شخصياً . أحد هؤلاء وصفه بأنه جبان يهتم بمصلحته الشخصية على حساب عملية السلام .
هذه الخلافات العلنية رسخت الانطباع بأن العلاقات بين الجانبين وصلت إلى طريق مسدود، وأن أوباما ونتنياهو كلاهما يريد التخلص من الآخر . ولسوء حظ نتنياهو أن أوباما ما زال أمامه نحو عامين في السلطة، بينما قد يحالف الحظ الرئيس الأمريكي ويفشل نتنياهو في تشكل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات المقرر لها 17 مارس/آذار المقبل .
كل هذا يمثل أغراء قويا لإدارة أوباما لمحاولة التأثير في اتجاهات الرأي العام "الإسرائيلي" الحريص تقليديا على وجود علاقات قوية مع واشنطن وبالتالي قد يعاقب نتنياهو لإضراره بتلك العلاقات . للوهلة الأولى قد تبدو هذه المعادلة منطقية، وبالتالي تكون هذه هي الفرصة المناسبة لإطلاق حملة أمريكية جديدة ضد نتنياهو، خاصة وانه كان قد أبدى تعاطفاً واضحاً مع ميت رومني المرشح الجهوري الذي نافس أوباما في انتخابات التجديد قبل عامين، فلماذا لا يذيقه أوباما من الكأس نفسها الآن؟ غير أن الحسابات الأكثر عمقاً تفضي إلى نتيجة في الاتجاه المعاكس . أي ضرورة إحجام الإدارة الأمريكية عن التدخل للتأثير في اتجاهات الناخبين "الإسرائيليين" . ليس هذا فقط، بل عليها أن تتجنب كل ما من شأنه أن يعطي انطباعاً بأنها تعتزم أو تريد التدخل . أدركت الإدارة هذه الحقيقة مبكراً، وهو ما يفسر سبب التصريح الذي أدلى به كيري الأسبوع الماضي بلا مناسبة، وأكد فيه أن واشنطن لا تعتزم التدخل في الانتخابات، وستتعامل مع الحكومة التي سيختارها "الإسرائيليون" .
أما لماذا لا تريد الإدارة التدخل بل تخشاه، فذلك لأن حساباتها (وهي صائبة بالفعل) تفيد بأن هذا التدخل سيأتي بنتيجة عكسية، أي سيكون مفيداً لنتنياهو . ما تعرفه واشنطن جيداً هو أن القوى اليمينية الداعمة لنتنياهو ستستفيد شعبياً من أي محالة خارجية للتأثير في الرأي العام . وأن هذا الدعم الشعبي سينعكس في صورة أصوات ومن ثم مقاعد، وسيحصد نتنياهو في النهاية هذا المكسب كله ليشكل الائتلاف المقبل بسهولة .
ثمة عوامل أخرى تجعل من التدخل مغامرة غير مأمونة رصدها الباحث الأمريكي المعروف ديفيد ميلر الذي عمل مع إدارات جمهورية وديمقراطية في ملف السلام بالشرق الأوسط، ويعمل حالياً باحثاً في مركز "وودرو ويلسون" للأبحاث السياسية في واشنطن .
يشير ميلر إلى البعد السياسي الداخلي ممثلاً في سيطرة الجمهوريين على الكونغرس بمجلسيه في وقت يقترب موعد إطلاق الجولة الجديدة والحاسمة من المفاوضات مع إيران والتي يفترض أن تتوصل إلى اتفاق بحلول الأول من مارس/آذار المقبل . وبالنظر إلى أهمية هذا الاتفاق لأوباما، فإن آخر ما يريده أو يفكر فيه هو أن يغضب الكونغرس بسبب التدخل في الشأن "الإسرائيلي" في وقت يسعى فيه إلى دعم المجلس لأي اتفاق محتمل مع إيران .
على الجانب "الإسرائيلي" يرصد ميلر طبيعة التركيبة السياسية الهشة والمفتتة للأحزاب والتي تجعل من الصعب على واشنطن الرهان على أي طرف معتدل . والقراءة المباشرة للخريطة السياسية توضح أن موقع الحلفاء الطبيعيين لأوباما هو في يسار الوسط . وابرز سياسيين هناك هما إسحق هيرتزوغ وتسيبي ليفني والأخيرة أكثر قرباً لواشنطن . إلا أن هناك شكوكاً كبيرة في قدرة أي منهما على تشكيل ائتلاف يستطيع الحكم بمفرده .
وبما أنه لا يوجد الزعيم القوي الذي يستحق المخاطرة بدعمه فإن النصيحة التي يوجهها ميلر إلى أوباما هي أن يبقى بعيداً . وهو في الوقت نفسه لا يمانع أن يحتفظ أوباما بحلم التخلص من نتنياهو على رأس قائمة الأمنيات الطيبة التي يتمنى تحقيقها في العام الجديد عندما يحتفل بهذه المناسبة . غير أنه على الرئيس ألا ينسى أن تلك مجرد أمنية غالية، أما الجائزة الكبرى والحقيقية فستكون الاتفاق مع إيران . ومن ثم فإن نتنياهو سواء بقي أو رحل لا يستحق أن يكون سبباً للمخاطرة بهذه الجائزة الثمينة .
المصدر: صحيفة الخليج
