/مقالات/ عرض الخبر

انتخابات الكنيسة القادمة ليست تكراراً لما سبق.. كتبت: عبير بشير

2014/12/23 الساعة 12:55 م

في السياسة كما في المفاوضات، يوجد قانون مهم يسمى قانون الانعكاس ويشير هذا القانون إلى أنه قبل أن تبدأ عملك كسياسي ناجح أو أن تبدأ عملك كمفاوض محترف تخيل نفسك في مكان الطرف الآخر وعندما يصبح لديك إدراك جيد لموقف الطرف الآخر، وطريقة تفكيره تستطيع عندئذ أن تفاوض بشكل فعال للوصول إلى أفضل صفقة لفريقك وللفريق الأخر أو الوصول إلى تسوية سياسية ما. ولكن المفاوض الإسرائيلي والمسؤول الإسرائيلي لا يؤمن بهذا القانون لا في المفاوضات ولا في السياسية، ووضع بديلا عنه -قانون المواجهة المواجهة في كل شيء وفي كل مكان لفرض أمر واقع على الفلسطينيين وعلى المفاوض الفلسطيني. ولم يكتفِ بذلك بل أنه يستنكر دفاع الفلسطيني عن نفسه وأرضه ومقدساته، ويستنكر مقاومته ويصفها بالإرهاب، رغم ما يتعرض له الفلسطينيون يوميا من تدنيس لمقدساتهم، ومصادرة أراضيهم في الضفة وحصار خانق في غزة، وقمع وملاحقات أمنية وإرهاب دولة، واستفزازات وعربدة من المستوطنين ومن قوات الامن، لم يسلم منها شخص بحجم -زياد أبو العين -ذهب ليحتج سلميا على مصادرة أراضي في ترمسعيا، فإنهال عليه أفراد الجيش الإسرائيلي بالضرب المبرح أمام الكاميرات وقتلوه بدم بارد.

غير أن ما كتبه جدعون ليفي في صحيفة هآرتس، هو محاولة للتفكير -خارج الصندوق ولكسر الصورة النمطية المصنوعة من قوالب إسمنتية في وعي وعقل الإسرائيلي عن الفلسطيني ومقاومته، ومحاولة لخلق- مقاربة في المتخيل الإسرائيلي، ليفهم الجمهور الإسرائيلي حقيقة ما يعانيه الفلسطينيون من قمع واضطهاد من قبل سلطات الاحتلال، وليتفهموا ردود الأفعال الفلسطينية والتي تبدو في بعض الأحيان عنيفة وغير مقبولة. يقول ليفي - مخاطبا الإسرائيليين: «تخيلوا أنفسكم انكم فلسطينيون، وخلفكم 47 عاماً صعبة من الاحتلال، وامامكم ظلمة ويأس شديدين، حيث يقول الحكام الإسرائيليون : لن تكون لكم دولة فلسطينية». وتابع «تخيلوا انفسكم فلسطينيين، وان شعارات مثل «الموت للعرب» تكتب على جدران بيوتكم، وعلى اي مكان تتجهون اليه، وان بيوتكم معرضة للاقتحام كل ليلة بكل بربرية ووحشية من مستوطنين إسرائيليين وبحماية القانون. ويتابع ليفي تخيلوا بأنكم فلسطينيون، وترون كيف يهدم بيت المخرب الفلسطيني ولا يهدم بيت المخرب الإسرائيلي ...فستجنون من ذلك. ويضيف ليفي «تخيلوا انفسكم فلسطينيين من غزة ولا يمكنكم الخروج الى اي مكان بحيث يتمكن الاسرائيلي من الوصول الى «بلاد النار» بين الارجنتين وتشيلي بصورة اسرع من خروج الفلسطيني من القطاع. ويتابع ليفي: «تخيلوا انفسكم فلسطينيين واسرائيل قوية واميركا في الجيب، وقيادتكم ضعيفة السلطة- وحماس منعزلة ومحاصرة والعالم بدأ يفقد صبره حول قضيتكم» فماذا انتم فاعلون؟.

« امامكم احد امكانيتين، الاولى: الاستسلام والخنوع والتنازل والثانية والانفجار والمقاومة، وتخيلوا انكم فلسطينيين فستختارون المقاومة بل المقاومة هو واجبكم لأنه لم يحدث عبر التاريخ ان يستسلم شعب تحت الاحتلال، وعليهم ان يستمروا في المقاومة، احيانا بأساليب مشروعة واحيانا بأساليب بشعة «.

غير أن الشارع الإسرائيلي غير مسكون بهاجس التوصل إلى تسوية سياسية عادلة مع الجانب الفلسطيني عشية انتخابات الكنيست المبكرة وما يعنيه بالدرجة الاولى هو الحفاظ على أمنه وحالة الهدوء على مختلف الجبهات، بغض النظر عن أي طريقة يتم ذلك، وما يهمه بالأساس هو الملف الاجتماعي والاقتصادي ومن هو الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين يقربونه من تطلعاته الاقتصادية وليس الملف السياسي أو الشخص أو الحزب القادر على إنجاز صفقة سياسية مع الفلسطينيين. ويحذر المختصون في الشأن الإسرائيلي، من النظر إلى اهتزاز مكانة نتنياهو على أثر سلسلة الإخفاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية وفشله في إحياء عملية السلام، على أنه اهتزاز لمكانة اليمين الإسرائيلي أو اليمين القومي أو إلى تقدم اليسار أو يسار الوسط. بل العكس هو الصحيح، إذ تشير آخر استطلاعات الرأي بأن اليمين بمختلف أطيافه هو من يهيمن على الكتلة التصويتية في الدولة العبرية، حيث ينقسم الناخبون في اسرائيل حسب انماط محددة وموازين واضحة: المتطرفون من مقدسو ثقافة القوة وكارهو العرب وهم يشكلون كتلة كبيرة جدا وسيصوتون لليمين، أما رجال ونساء اليمين الذين يريدون أرض إسرائيل الكاملة وإقامة الهيكل فهم يمثلون كتلة كبيرة وسيصوتون لليمين القومي، فيما محبو الدولة الديمقراطية والسلام والمساواة فسيصوتون للوسط يسار، أما المتدينون ومن يقبلون بسلطة الحاخامات فسيصوتون للأحزاب الحريدية.

وما يميز انتخابات الكنيست العشرين هو ظهور حزب يمين جديد بزعامة المنشق عن الليكود موشيه كحلون -ومن المرجح أن يسحب الكثير من الخزان الانتخابي الليكودي، كما ان الانتخابات الحالية تمتاز بسخونة عالية بسبب الصراع على موقع رئيس الوزراء، حيث كانت في الانتخابات السابقة المنافسة محصورة على حصة كل حزب من الكتلة التصويتية، ليتسنى لها دخول الحكومة بقوة، أما الآن وحسب قادة الفكر في الدولة العبرية فستكون الانتخابات القادمة استفتاء شعبي على استمرار حكم بنيامين نتنياهو من عدمه. وسيكون هناك سؤال مركزي واحد: هل يريد الجمهور الإسرائيلي انتخابه لفترة ولاية رابعة، أو يُفضل أن يودعه ويرسله إلى بيته في فيساريا، بعد عقدين كان فيهما الشخصية المهيمنة في السياسة الإسرائيلية. هذه هي القصة: هل سيُحافظ نتنياهو على كونه السياسي الوحيد الذي يمكنه تركيب الذي يمكنه تركيب ائتلاف حكومي، كما فعل خلال الدورات الانتخابية السابقة ـ أو سينجح خصومه هذه المرة بالتوحد ضده وابقائه خارجاً وبعيداً عن رئاسة الحكومة العتيدة.

أما ما يجمع كافة القوى الإسرائيلية من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار فهي الأجندة الاقتصادية الاجتماعية التي اصبحت تقليعة حزبية لكل من يرغب بتحقيق شعبية ونجومية سريعة. وحزب كحلون وفقا لمركز أطلس للدراسات الإسرائيلية - «هو واحد من أحزاب الموضة، أحزاب المزاج العام، يملأ فراغ غياب الحضور الكبير السابق للأحزاب الرئيسة: العمل والليكود، والفراغ الناتج عن تحطم أو تراجع أحزاب الموضة السابقة (كاديما الحركة يوجد مستقبل)، وهو مثل الأحزاب السابقة يقوم على التلويح بالأجندة الاقتصادية كما يعتمد على نجومية الزعيم الذي يجب ان يتمتع بصفات الجاذبية الزعامية حيث يظهر كحلون كـ ليكودي أصيل جاء من القاع الاجتماعي ، شرقي ويميني ومشبع بالتقاليد اليهودية، معتد بنفسه ولا يشعر بالدونية، يظهر بوضوح لكنته الشرقية» -.

غير أن موشيه كحلون الذي عرفه الجمهور الإسرائيلي على انه الوزير الوحيد الذي تجرأ على الوقوف امام أباطرة شركات الاتصالات وعمل على تخفيض أسعار سوق الهواتف المحمولة بشكل كبير مع نجاحاته التنفيذية والاصلاحية جعلت نتنياهو يطلب من وزرائه أثناء احتجاجات صيف 2001 ان يكونوا كحلونيين. لا يتردد الآن في مهاجمة حزبه السابق الليكود ورئيسه بنيامين نتنياهو في الإعلام : الليكود الذي آمنت به كان ليكود مناحيم بيغن، الذي مثّل طريقًا اجتماعيًا تتمثل في تقليص الفجوات ودعم المستضعفين، وكان أيضاً براغماتيا، عرف متى وكيف يصنع السلام عند الحاجة». ووفقًا لكحلون، فإن الحزب في عهد نتنياهو غير طريقه وسيطر اليمين المتطرف على مؤسسات الحزب. في المقابل علينا ان نتذكر بأن كحلون هو الذي رفض تجميد الاستيطان سنة 2009، وطالب بفرض السيادة الاسرائيلية على أراضي الضفة كعقاب للفلسطينيين على ذهابهم للأمم المتحدة لنيل عضوية الدولة المراقب، كما طالب بتبني توصيات القاضي المتطرف ادموند ليفي الخاصة بالاستيطان، حيث استنتج القاضي ان إسرائيل ليست دولة محتلة، وان المستوطنات تحظى بالشرعية القانونية .

ولكن مهما شهدت الساحة الحزبية الإسرائيلية من ولادة نجوم سياسيين نيو ستارز أو أفول نجوم آخرين، وبغض النظر عن أصولهم الأيديولوجية والعقائدية، ومواقفهم الأساسية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن هناك - حالة جدية - من التململ تشكلت في وعي وعقل السياسي والمقرر الإسرائيلي من الوضع الراهن في الدولة العبرية بسبب فشل عملية السلام والعزلة الدولية التي تعيشها إسرائيل، وإحساس عميق لدى الساسة الإسرائيليين بأنه حان أوان التوصل إلى تسوية سياسية في الشرق الأوسط، وإلا فإن البديل هو الطوفان والانفجار الكبير. يتقاطع كل ذلك مع لحظة إقليمية في غاية الخطورة والانسيابية.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/68190