/مقالات/ عرض الخبر

الانتخابات الإسرائيلية واحتجاز السياسة الدولية

2014/12/22 الساعة 07:18 ص

حلمي موسى

ينظر معظم "الإسرائيليين" بغير حماسة إلى الانتخابات المبكرة التي فرضت عليهم. وفي نظر الكثيرين فإن هذه الانتخابات لم تأت لتحسم أي مواقف جوهرية لا على المستوى السياسي ولا حتى على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. ورغم أن هذا الكلام يبدو خارج السياق في ظل الحركة السياسية الواسعة التي تشهدها الحلبة الدولية والأوضاع الإقليمية وأيضا في ظل المخاطر الاقتصادية المتزايدة، فحسم المواقف يتطلب رؤية لا يدعي أي من أقطاب الأحزاب والائتلافات داخل إسرائيل امتلاكها.

ففي أفضل الأحوال، على الصعيد السياسي، هناك خلاف بين من يؤمنون أن المفاوضات مع الفلسطينيين جيدة لـ "إسرائيل" حتى وإن لم تقد إلى أي حل، وبين من يؤمنون بأنها صارت تشكل عبئا لمجرد إجرائها. لكن المؤيد للمفاوضات والمعارض لها لا يملكان حلولا يمكن أن تكون واقعية وتقود إلى انهاء الصراع سواء عبر مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة وعبر رعاية أميركية أو من دونها. وهذه حقيقة حال حزب العمل وائتلافه مع ليفني مثلما هي حال كل الأحزاب اليمينية التي صارت مقيدة أكثر من أي وقت مضى بقيود أفكارها عن أرض إسرائيل الكاملة.

ولهذا السبب فإن عناصر الإثارة السياسية تبدو مصطنعة حيث يجري التركيز على أن الخطوات الجارية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية لجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 67 صارت اقرب ما تكون إلى التدخل في الانتخابات "الإسرائيلية". وفيما يرى كثيرون أن الصيغة الأوروبية التي تبلورت ويجري التداول فيها في أوساط دولية تعبر جدا عن رؤية الإدارة الأميركية فإن أميركا مقتنعة بأنها ليست في وارد تأييدها هذه الأيام على الأقل.

واندفع وزير الخارجية الأميركي جون كيري لإقناع الفلسطينيين بوجوب تأجيل التصويت على مشروع القرار الذي أعدوه لأن التصويت عليه يخدم اليمين "الإسرائيلي". وقد حاولت تسيبي ليفني وإسحق هرتسوغ، وهما حصانان تراهن عليهما الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي لتغيير الموقف "الإسرائيلي"، اقناع أوروبا وأميركا بعدم عرض مشاريع قرارات حاليا على مجلس الأمن وتأجيل ذلك إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.

ويرى البعض أن الفائدة التي يمكن أن يجنيها اليمين "الإسرائيلي" من قرار في مجلس الأمن مزدوجة. فإن صوتت الولايات المتحدة ضد القرار واستخدمت حق النقض (الفيتو) أو لم تتوفر للفلسطينيين الأغلبية الكافية لاتخاذ القرار فإن اليمين سيعتبر ذلك دلالة على قوة مكانة إسرائيل الدولية تحت حكمه. أما إذا تم تمرير القرار في المجلس فإن اليمين سيدعي أن هذا اثبات على أن العالم كله يقف ضد إسرائيل وأن من واجب الدولة العبرية الاتحاد ورص الصفوف لمواجهة العالم الذي يغدو أشد لاسامية.

وعلى الصعيد الاقتصادي حدث ولا حرج. فالذاكرة العامة قصيرة وهي تحفظ لنتنياهو أنه صاحب فضل على الاقتصاد الإسرائيلي عندما جنى نتائج ما فعله السابقون له، وهي تنسى أنه رئيس الحكومة الذي في عهده تراجع الاقتصاد وتدهور إلى هذا الحد. فالنمو الاقتصادي كان سلبيا هذا العام لكن نتنياهو حاول أن يحمل وزير ماليته، خصمه السياسي من «هناك مستقبل» يائير لبيد كامل المسؤولية. فعدم إقرار الميزانية لأسباب تتعلق بالخلاف حول أولوية الأمن على المتطلبات الاجتماعية يحاول نتنياهو إثارة غموض حوله.

أيا تكن الحال فمن الواضح أن الجانبين السياسي والاقتصادي الاجتماعي متداخلان بشكل كبير خصوصا في كل ما يتعلق بالعلاقات الدولية. فمن شبه المؤكد أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يمكن له أن ينطلق أو يحل مشاكله من دون الاتفاق مع الشريك التجاري الأكبر في أوروبا أو مع الداعم المالي الأكبر في الولايات المتحدة. ويحاول بعض الإسرائيليين الإشارة إلى النموذج الروسي كمثال على ما يمكن أن يصل إليه وضع إسرائيل في ظل تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب عموما.

ومن المعروف أن روسيا تعاني من ضائقة اقتصادية خطيرة رغم امتلاك موارد طبيعية هائلة. وتعود الضائقة بشكل أساسي إلى سوء العلاقات مع الغرب والتي يرى البعض أنها نتيجة مراهنات خاطئة وغطرسات شديدة تشبه إلى حد كبير الوضع القائم حاليا في الدولة العبرية. فحكومة نتنياهو تتحدى العالم يوميا في كل ما يتعلق بحل الأزمة الفلسطينية وهي تحاول أن تفرض على العالم بأسرة رؤية لم يعد أحد يقبل بها. والأدهى أن هذه الرؤية تعرض للخطر الأمن العالمي بأسره خصوصا إذا تم ربط العديد من النزاعات، ومن بينها المشروع النووي الإيراني ومواجهة داعش والقلاقل في المنطقة العربية، بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي كل حال من المنطقي الافتراض أن الحديث الأميركي والغربي عن الحاجة لأخذ الانتخابات "الإسرائيلية" بالحسبان يدلل على مكانة "إسرائيل" والصراع الإقليمي في الواقع الدولي. وإذا صحت التقديرات فإن أمورا عديدة يمكن أن تتجمد إلى حين اتضاح صورة ونتائج الانتخابات "الإسرائيلية". وفي هذه الأثناء يبدو أن الناخب الإسرائيلي متردد جدا تجاه الوصول أصلا إلى صناديق الاقتراع. وهذا يشجع الكثيرين على الاعتقاد أن التأخر في مناقشة مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يقود إلى أي تغيير فعلي في الصورة الانتخابية. فاليمين الإسرائيلي على الأرجح يملك أغلبية لن تسمح بإحداث تغيير في الموقف من التسوية.


المصدر: السفير

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/68130

اقرأ أيضا