يُعتبر موضوع الشهادة لدى الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي (1951ـ 1995)، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ركناً أساسياً في الفكر والممارسة.
فالشهادة كدرب خلاص هي من أهم ركائز الخطاب وبالتالي الممارسة لدى الشهيد د. فتحي الشقاقي. ويدلل على هذا ما قاله الأمين العام لحركة الجهاد د. رمضان عبد الله شلح: "كان الإيمان العميق والصبر الجميل هما زاده وزوادته في مواجهة سيل الأعداء الذين ينهمرون عليه من كل صوب، ويطلعون من تحت الجلد، فيستعذب العذاب، ويقبل التحدي والمنافسة، بحسن النية، وصدق الكلمة، وقداسة المسؤولية، وشجاعة الموقف، وعلو الهمّة، ويطاردنا بلا هوادة، شعاره: قليل من العناد والصبر ينفلق الصخر، والذي ينتظرنا ليس هو الموت إنه الحياة أو النصر".
الشهادة
يتسم خطاب المعلم فتحي الشقاقي عن الشهادة والشهداء بالصدق والربط بين الديني والوطني، والإصرار على خوض المعارك حتى النهاية الطبيعية للصراع بالانتصار على إسرائيل ومن يساندها.
فوفق المنطق السابق، فإن الشهداء يصطدمون بجبروت العدو ليحققوا توازن الأمل للأمة حين ينقطع الرجاء، ويواجهون الموت بأجساد بأبسط أدوات المواجهة، لينتقلوا بالآخرين إلى ضِفّة الحياة الكريمة، فهم بهذا المعنى يكرهون الحياة القصيرة والمحدودة والممزوجة بالقهر والظلم، ويطمحون إلى الحياة الجميلة والمستمرة، محلّقين بذلك فوق المادة ومتجاوزين العالم المحدود...
والشهداء في غياب أجسادهم عنا لا يخسرون، بل نحن الذين نُستنزف بحزن قاتل يزيد من بشاعة هذه الحياة ومرارتها، أما هم فإنهم يلتقطون الفرح الموصول بالزمن اللامتناهي... وتمتد أيامهم في عمر يزيد ويزيد ليعانق الخلود الأبدي في وحدة تصيّرهما معاً: عشقاً وفرحاً طليقاً... يقول الشهيد الشقاقي عن الشهداء: "الشهداء لا يموتون، إنهم أحياءٌ يهبون لأمتهم مزيداً من الحياة والقوة. قد يلغي القتل أجسادهم الظاهرة ولكنه يستحضر معنى وجودهم مكثفاً خالصاً من نوازع الجسد وثقله، متحرراً من قيوده، ويطلقُ أرواحهم خفاقةً حيةً، مؤثرةً بحجم المعاني التي قتلوا لأجلها وهم يدافعون عنها وحتى ينتصر دمهم على السيف، سيف بني إسرائيل وحلفائهم وأتباعهم". ويضيف: "الشهداء يعيدون تشكيل الحياة بزخم وإبداع أعظم، ويهبوننا حياة أكثر عنفواناً وتمرّداً، فدمهم شريان الحياة لشجرة المقاومة وشجرة الحرية...".
ومن الأمثلة الواقعية التي يشهد بها للدكتور الشقاقي، هي جدية الجهاد الإسلامي في غرس مفاهيمها، ومنظومتها الفكرية لدى قطاعاتها، مما لا يدع مجالاً للشك حول أهمية هذه الفكرة التي تحاول غرسها في عالم لا يرى إلا بمنظار صهيوني واحد مع ادعائه رعاية حقوق الإنسان والعدالة... والتدليل على ذلك من خلال نص واحد فقط، اعتقد أنه كاف لذلك، من خلال وصية الشهيد خالد شحادة منفذ عملية حولون والتي قال فيها: "هذا هو قدرنا... قدرنا أن نقوم بواجبنا المقدس، وهذا القدر الرباني الذي نحياه لا يعني إلا استمرار تواصلنا الحضاري الذي انقطع منذ عدة قرون، واستمرار جهادنا نحو وجه الله... وقدرنا أن نكون أهل وأبناء هذا الوطن المنكوب الذي تمكن فيه العدو الصهيوني وأعوانه من اغتصاب كل شيء، فإذا ما تأملنا حولنا ماذا نجد؟ إنسانيتنا مداسة، حريتنا مصادرة، إرادتنا مسلوبة، ولا نملك من أمرنا شيئاً بالله عليكم ما الذي يجبرنا على هذه الحياة، وما الذي بقي لنا حتى نحرص عليه".
هذا التساؤل يقودنا إلى تساؤل آخر طرحه الشهيد المعلم فتحي الشقاقي: "ماذا يعني أن نستشهد؟ ماذا يعني أن نستشهد في هذا الوقت؟ أن نستشهد في هذا المكان؟ الوقت هو الزمن الأمريكي الصارخ، بالهيمنة والظلم والنهب، والممتد إلى أربعة جهات الكون صلفاً وغروراً واستكباراً. المكان هو حدود فلسطين باتجاه بيت المقدس حيث تمطي بيوت إسرائيل حلفاء الزمن الأمريكي وامتداده علواً... وفساداً".
بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993، حصل فرز واضح في الساحة الفلسطينية، ما جعل المقاومة، وعلى رأسها حركة الجهاد الإسلامي، أن تؤكد عبر رسائل ممهورة بالدم أن الوحدة والمقاومة هما بداية طريق الانتصار على العدو الإسرائيلي... فقد قال الشهيد الشقاقي، كلمات سطع معها الأمل مع دم الشهداء عبر السيف وسطوع شمس النهار: "ملعون من يساوم، ملعون من يتراجع، ملعون من يقول لكيانهم المسخ: نعم، فالصف الأول يستشهد، والصف الثاني يستشهد، والصف العاشر يستشهد، نحن شعب الشهادة، ولو على حجر ذبحنا لن ننكسر، ولن نستسلم، ولن نساوم".
فبحسب الشهيد الشقاقي: "وحدهم الشهداء قادرون على وقف المهزلة، وإعادة النجوم إلى مداراتها وحركة التاريخ إلى اتجاهها الصحيح، ووحده الدم سيهزم السيف". ويوضح: "أن الحرب مع العدو الصهيوني مستمرة وأن باب الجهاد مفتوح ونعمة الشهادة باقية، وأن معاناة الجهاد أكرم عند الله وفي الدنيا من معاناة الاستسلام وهوانه ومذلته".
ويقول: "لقد كشف عملنا الجهادي ارتباك العدو وضعفه وإصابته بالهستيريا، وبات واضحاً أنه قابل للانكسار، فإذا كانت فئة قليلة استطاعت أن تسبب كل هذا الرعب والهلع للعدو، بتصديها له في فلسطين وفي جنوب لبنان، فكيف سيكون عليه الوضع عندما تقف الأمة بكل طاقاتها في مواجهته؟". مؤكداً أن "الاحتلال هو السبب وهو الهدف وطالما استمر فجهادنا قائم ومستمر".
وكان يرى أن القدس تقف في مواجهة تمام الباطل، يقول: "في هذا العالم، في هذا الزمان تختصر فلسطين الكون... جغرافيا ومعنى، وتختصر القدس فلسطين... إذ يعني أن يدوم الصراعُ حتى حل مشكلة الموازين المختلة، وأن يدوم الصراع حتى يكبر الخير ويشتد عوده، حتى يكتمل ويتم في مواجهة تمام الباطل. إذ يعني ألا تكون أورشليم... بل بيت المقدس الذي تُهدى إليه الأرواح ولا تُهدى روحه لغيره كما قال المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. مسرى محمد عبر المكان المحدود ومعراجه عبر الزمان المطلق بالقدرة واللطف... عبر المعنى الموعود بإساءة وجه بني إسرائيل ودخول المسجد الأقصى وتتبير المشروع الصهيوني القائم على الإفساد وغلبة الشر وطغيان المادة".
خطاب متميز
يتميز خطاب الشهيد الشقاقي بصدق العبارة المستندة إلى فكر يجمع الديني مع الوطني. كما يتميز بالوضوح والسلاسة، وإيصال المعنى بجمل قصيرة وهادفة. ومن خلال كلماته وخطبه يتضح مدى الانسجام مع الذات وهذا ما يؤكده استشهاده لاحقاً؛ إذ كان يتحدث عن الشهادة والشهداء بحسرة الفراق وتمنّي اللحاق بركبهم متوثّباً للحاق بالشهداء شهيداً، يتلفّع عزيمة المجاهد بالصبر وبخيار النصر أو الشهادة طريقاً وحيداً نحو وجه الله الكريم.
وفي الختام، أبا إبراهيم: لم تعد فلسطين ومضة حلم كما أراد البعض وتمنى؟ والتراب أمسى والدم يرويه. وأفق الأمل بات يزداد أن النصر تصنعه سواعد المقاومين القابضين على جمر القضية، الحارسين للقدس والمقدسات، المنافحين عن كرامة فلسطين كل فلسطين.. لم يسكت بركان الغضب العارم، ولم يُخمدوا صوته الصادح بالحق مع دوي نداء الفجر، بل عند ندى الصباح يُجدّد القسم للوطن والشهداء.. فتحي الشقاقي دوي الانفجار آتٍ، فالدم ـ كما قلت ـ عنوان المرحلة، وفلسطين تبقى القضية المركزية بها نعرف أولوياتنا، وعلى صخر جبالها نقهر الأعداء.
وأختم بقوله: "إنني أرى بعقلي وبروحي.. وطني وقد تحرر.. ففلسطين ستعود إلينا وسنعود إليها.. إن فلسطين غالية وتستحق منا البذل.. إنها أرض الرسالات.. إنها وطني المقدس إنني أراه عائداً وأنا إليه عائد.. مهما طال السفر والغربة".
المصدر: نشرة الجهاد