/مقالات/ عرض الخبر

الإطار الإيديولوجي لتشريع الاستيطان.. كتب: محمد صوّان

2014/12/13 الساعة 08:19 ص

من المعروف ان سياسة الاستيطان والتوسع وقضم الأراضي الفلسطينية هي سمة أساسية في الأيديولوجيا والممارسة الصهيونية، ومن المعروف أيضاً أن اساليب الاستيطان ومصادرة الأراضي قد طورت وفقاً للأوضاع والتحولات السياسية والاقتصادية والبنيوية في فلسطين قبل نكبة عام 1948.. لقد تحول الاستيطان إلى قيمة صهيونية مركزية.. وارتقى إلى مستوى «الفضيلة» التي انعكست في الفكر والممارسة السياسيين على مدار عمر الحركة الصهيونية و»دولة إسرائيل«.

وأدت التحولات الطارئة على المجتمع الإسرائيلي إلى نمو مزيج ايديولوجي جديد ـ قديم يوائم بين النزعة الدينية المتشددة عقائدياً وسياسياً، وبين الفكر الإقتصادي والليبرالي الحر، وشكل هذا المزيج المتمثل بالائتلاف اليميني المتطرف الذي يقوده حزب الليكود وزعيمه نتنياهو، بديلاً عن الفكر الليبرالي ـ العلماني الذي فقد السيطرة على مختلف مرافق «دولة إسرائيل»، فقد أحيا هذا الإئتلاف الفكر «القومي ـ الديني» وأعطى زخماً جديداً للحركة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

وكانت حركة «غوش إيمونيم» الأكثر حضوراً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها ليست الأكثر فاعلية على الأرض، عند الحديث عن مساحة الأراضي المصادرة وعدد المستوطنين الذين يقطنون فيها قياساً بما قامت به «دولة إسرائيل» نفسها من خلال بناء المستوطنات المحيطة بالقدس مثل «التلة الفرنسية، نفى يعقوب، معاليه أدوميم، غيلو، هار حوماه»، ومستوطنات مدينية أخرى مثل «ارنيل ميتار عيليت». فعدد المستوطنين الذين يقطنون هذه المستوطنات هو ضعف الذين يقطنون في مستوطنات صغيرة أقامها مستوطنون متطرفون.

[ الخلفية الايديولوجية والأمنية للاستيطان:
لا تقلل التوطئة أعلاه من أهمية ومركزية المستوطنين المتمثلين في حركة «غوش إيمونيم» فهؤلاء هم رأس الحربة بإقامة العديد من المستوطنات المتطرفة على المستوى الايديولوجي والجغرافي والتنظيمي على حد سواء، وقد شكلت هذه الحركة نواة مهمة في تطوير الفكر الايديولوجي والأمني لحركة الاستيطان بشكل عام، ومنحتها الشرعية الدينية من خلال تنظيرات الحاخام يهودا كوهين كوك الذي كان الحاخام الأكبر للمدرسة الدينية «مركازهراب» التي أقامها والده الحاخام الاشكينازي الأول في فلسطين إبراهام كوهين كوك عام 1924.

وكانت رؤية الأخير مركزية في التصدي للفكر الديني الذي يدعى «التناقض» بين العقيدة الدينية والحركة الصهيونية، إضافة إلى تشريعه للعلاقة بين الفرائض الدينية اليهودية والاستيطان لإقامة «دولة يهودية قومية في فلسطين» بناء على «الحق التاريخي لليهود في ارض الميعاد» التي تشمل البقعة الجغرافية الواقعة بين نهري النيل والفرات.

أضفت رؤية الحاخام يهودا كوهين كوك الشرعية على حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وحول كوهين المدرسة الدينية «مركازهراب» إلى نواة لتنمية الفكر «القومي ـ الديني» وتنشئة أجيال جديدة من القيادات التي ترى في الاستيطان «فريضة دينية» ترتبط بشكل مباشر بفكرة «خلاص الأرض» التي تعتبر الأرض «أرض الميعاد مقدسة» يتعين على كل متدين أن يدلو بدلوه فيها، وأعلن الحاخام يهودا كوهين كوك عن رؤيته في خطاب له قبل حزيران عام 1967، وذلك في احتفال بذكرى «إعلان دولة إسرائيل» التاسع عشر بقوله: «اين خليلنا ونابلسنا واريحانا؟ وأورشليم هل ننساها!؟ وكل أرض الأردن كلها لنا، قطعة قطعة، هل باستطاعتنا ان نتخلى عن شبر واحد منها؟» وتحول هذا الخطاب بعد احتلال عام 1967 إلى نوع من التنبؤ، وأضفي قدسية على الحاخام في أعين أتباعه، وحول الاستيلاء على «اراضي الأجداد» إلى هم جماعي يجب عدم التردد في تحقيقه حتى لو كان «الثمن غالياً»، وتحولت المدارس الدينية لحركة «المتدينين ـ القوميين» إلى أوكار مركزية لتنمية الفكر الديني العملي الذي يرى بالاستيطان واجباً دينياً إلى جانب أهميته ومكانته القومية، وذلك على غرار «الصهيونية العملية» التي قادت الحركة الصهيونية بأفكارها «الاشتراكية العمالية» منذ نشأتها، وتراجعت قوتها الفعلية مع فقدانها السيطرة السياسية.

ويتجلى التمازج الفكري بين العقيدة الدينية والنزعات «القومية المحافظة» في الخطاب السياسي المهيمن في إسرائيل بالعقدين الأخيرين، إذ أن شرعية الاستيطان تحولت الى جزء لا يتجزأ من العقلية السياسية لجميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها تلك التي اسست «لمفاوضات السلام» مع الجانب الفلسطيني، وراوغت على مدار أكثر من عقدين ارتفع خلالها عدد المستوطنات إلى مئات الآلاف وانكشفت أنياب الاستيطان بعد مقتل اسحاق رابين الذي قاد احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، ووفر للمستوطنين المساعدات المادية والعسكرية والأمنية على مدار عقود، وذلك عندما حاول «التمييز» بين ما اسماه المستوطنات «الأيديولوجية» وتلك «الأمنية».. بالرغم من أن هذا «التمييز» لا يخدم سوى شرعنة المستوطنات وبنائها في مناطق تعتبرها المؤسسة الأمنية «مهمة لأمنها» كما هي الحال في «الفصل» بين مستوطنات «أمنية» ومستوطنات «عشوائية» التي تخدم الهدف نفسه، إلا أن المستوطنين لم يكتفوا بهذا التوجه، بل شرعوا باستهداف الفكر الذي «يفصل» بين المستوطنات التي تقع داخل «إسرائيل» وتلك التي تقع في أراضي 1867 المحتلة، وفقاً لادعاء فحواه: أنه إذا لم تكن هذه المستوطنات شرعية وتتنافى مع القانون الدولي فماذا يشرع «حق اسرائيل في الوجود داخل الاراضي المحتلة عام 1948؟ «إن ادعاء الحركة الاستيطانية التي تمتد لتشمل قوى سياسية داخل «الخط الأخضر» هو ان القدس ونابلس والخليل هي جزء من «ارض الميعاد» والانتفاص من مكانتها يمس القواعد الأساسية للحركة الصهيونية بكاملها، الأمر الذي يلزم «الدفاع عن مستوطنة ارنيل مثل الدفاع عن تل أبيب».

[ الاستيطان قيمة مركزية صهيونية
على الرغم من جميع المتغيرات في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً «لبرلة» الاقتصاد، فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واصلت، بل كثّفت وطبعت سياسة الاستيطان كقيمة مركزية «للسيادة الإسرائيلية» وأنشأت حكومات الليكود المتعددة آلاف المستوطنات داخل «الخط الأخضر» وخارجه، وذلك كجزء من التزامها «بيهودية الأرض» كما أعيد التشديد على الرابط «الإثني القومي» بين اليهود والأرض، باعتباره سبب وجود الصهيونية، وأصبحت رفاهية المجتمع بالمعنى اليهودي لا بالمعنى الاقتصادي «دين الدولة» وتم إيجاد تماثل بين «الأمة والاستيطان والتهويد» وأصبح المستوطنون داخل «الخط الأخضر» أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، «أسياد الأرض: حسب توصيف الصهيونية العملية، وتم تمجيد القادة ممن اعتبروا من المنتمين إلى حركة الاستيطان، وبينهم نتنياهو، وشارون كأبطال، خصوصاً أنهم جمعوا بين «مجد الخبرة الأمنية، واحتلال الأرض».

لقد تم التعبير عن هذا التوجه عبر المصادقة على برنامج «المواقع التاريخية» التي ضمت الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة.. وشمل هذا البرنامج مواقع متنوعة منها في الأراضي المحتلة منذ عام 1967.. وعبّر نتنياهو عن التوجه العقائدي الذي يغذي هذا البرنامج بقوله: «وجودنا هنا لا يتعلق بالجيش فحسب، بل بما ننقله للجيل المقبل وبعلاقتهم بالأرض».. وتنظّم وزارة المعارف الإسرائيلية زيارات دورية لطلاب المدارس الثانوية إلى مدن «القدس، الخليل، نابسلس« كجزء من مهمتها في «رفع وعي الطلاب» لأهمية «مواقع تاريخية» مركزية في التاريخ اليهودي.. كما عبّر وزير المعارف الإسرائيلي جدعون ساعر الذي بدأ بهذا «البرنامج التثقيفي لطلاب المدارس في شباط 2012، عن أهمية هذا المشروع الذي تمّت تسميته: «زيارات الأرض والأجداد» عند زيارته الأخيرة للجليل.

خلاصة القول: إن الجانب الأيديولوجي والأمني كمصْدَري قوة للاستيطان لا يتوقفان عند العقيدة المجردة نظرياً، وإنما له جوانب تطبيقية وعملية تمارس على أرض الواقع ليس من جانب المستوطنين فحسب، بل من جانب جهات رسمية على مستوى «الدولة» تروّج للفكر الذي يغذي المستوطنات والاستيطان، ويحاول توسيع رقعة أولئك الذين يؤمنون «بحق الشعب اليهودي بأرض الميعاد»، خصوصاً تلك التي تقع في الأراضي المحتلة منذ عام 1967.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/67721