قصص المقاومة لدى أبناء القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، في مواجهة العصابات الصهيونية قبل وأثناء وبعد العام 1948، لا تنتهي، فشكلت جزءاً من حياتهم، وأحاديثهم، وتاريخهم.
لا يخلو منزل من سرد بعض الوقائع، ولا تجد فلسطينياً، بخاصة من جيل الآباء والأجداد، إلا وسطّر ملحمة، أو حكاية على هذا الصعيد، حتى يخال المتابع أنه أمام شعب مقاوم، قل مثيله على مر التاريخ.
من بين هذه القصص، تلك التي رواها "لنشرة الجهاد"، المجاهد محمود علي قاسم (92 عاماً)، من قرية سميرية قضاء عكا، وفيها حديث عن المواجهات اليومية مع العصابات الصهيونية، المدعومة من جيش الانتداب البريطاني على فلسطين.
نصب الكمائن ومواجهة العصابات
يروي قاسم، دور أبناء القرية، في التصدي لغزوات الصهاينة وممارساتهم ضد القرى والبلدات والمزارع الفلسطينية، فقال: كنا نركز على نصب الكمائن لصد أي عدوان، ولمنع تسلل العصابات الصهيونية التي كانت ترتكب المجازر بحق أهلنا، أو تقوم بعمليات تخريب ونهب.
وأضاف: لقد اشتبكنا مراراً مع دوريات وتحركات من قبل هذه العصابات، وأوقعنا في صفوفها العديد من القتلى والجرحى، حيث كنا نسمع صراخ المصابين. وكان الجيش البريطاني يؤازرهم ويساعد في سحب هؤلاء، وتقديم الدعم والمساندة لبقية الأفراد، حتى يتم انسحابهم.
وأوضح أنه عندما كان أبناء القرى المجاورة يستنجدون بنا لمواجهة أي عدوان، كنا نسارع لتلبية ندائهم، فنقاتل إلى جانبهم، ونقدّم لهم بعض الذخيرة المتوافرة والسلاح.
وأكد أنه، على الرغم من إمكاناتنا المتواضعة أمام ما تمتلكه تلك العصابات، وما يقدمه الجيش البريطاني لها، كنا نصد بعض الهجمات عن قرانا، ونوقع بالعدو الخسائر. كنا نتفوق عليهم بروح الايمان والعزيمة والصبر، والحماس في الدفاع عن أرضنا وأعراضنا.
قتل صهيوني وبريطاني
وتذكر قاسم ما جرى في إحدى ليالي العام 1947، عندما حاولت ناقلة جند بريطانية، أن تمر من قريته بشكل وصفه انه "مشبوه"، وقال: على الفور أقمنا حاجزاً وأوقفنا الناقلة، وكان بداخلها مهندس مساحة صهيوني، مغطى بحرام، وبعد التدقيق بالأمر، تبين أن هذا المهندس مكلّف بمهمة معرفة الطريق، وكل التفاصيل عن القرية، ورصد العوائق الموجودة فيها. وعلى الفور طلبنا من السائق النزول لكنه رفض، وبعد ملاسنة مع عدد من شباب القرية، أطلق واحد من شبابنا النار عليه وأرداه، ثم استدار الى المهندس الصهيوني وقتله، وقد دفنا الأثنين في قرية سميرية.
مواقف جيش الانقاذ
وبشيء من الحسرة والألم، تحدث عن جيش الانقاذ، ومواقفه المثيرة للسخرية، وقال: في اليوم التالي، حضر عناصر من جيش الانقاذ الى القرية، وبدأوا يفتشون عن السلاح ويسألون عن الشباب الذين تصدوا للدورية البريطانية- الصهيونية، وطلبوا تسليم الشاب الذي تلاسن مع السائق والمهندس وتوقيفه، ما أثار اتهجان أهل القرية واحتجاجهم الشديد، معتبرين ان هذا الاجراء استفزازي ولا يخدم المقاومة، ولا أبناء القرية، ولا يصب الا في مصلحة العصابات الصهيونية والاحتلال البريطاني. وقال: منذ ذلك الحين وجد شرخ عميق بين الأهالي وجيش الانقاذ، إذ شعرنا بأن ما يقوم به لا يتناسب مع حجم الخطر الذي يتهددنا.
ويعود المجاهد قاسم بذكرياته الى قريته بتنهيدة عميقة، وبسرد على مسامعنا الحياة الهانئة والهادئة التي كان يعيشها الأهالي، لافتاً الى أن قرية سميرية كانت تشتهر بزراعة القمح، والشعير، والذرة، والعدس، والحمص، والفول، الى جانب تربية الأبقار والمواشي.
أضاف: كانت أياماً مليئة بالسعادة، غير أننا اليوم نعيش وضعاً قاسياً وصعباً. كل ذلك بسبب الاحتلال الصهيوني ومآسيه، والمؤامرات التي حيكت ضدنا.
ووجه قاسم نصيحة الى الشباب الفلسطيني قائلاً: في اعناقكم أمانتين: الأولى المقاومة، والثانية العودة الى فلسطين مهما طال الزمن.
المصدر: نشرة الجهاد