قائمة الموقع

نعم... الإنتفاضة آتية، ولكن!..

2014-12-12T07:39:50+02:00

قد يختلف المحللون والعاملون في الشأن السياسي على إطلاق تسمية محددة لما يجري في القدس والأراضي الفلسطينية المغتصبة والمحتلة، من عمليات فدائية فردية وتحركات شعبية شاملة معظم المدن والقرى... هل هي ردات فعل متفرقة على اعتداءات قطعان المستوطنين، وسياسات حكومة العدو الإستيطانية العنصرية الفاشية والإعتداءات الممنهجة على المسجد الأقصى، سرعان ما تخبو؟.. أم هي فورة شبابية مؤقتة يفجِّر من خلالها المقدسيون موجات غضبهم المتراكمة بفعل استفزازات قطعان المستوطنين وقوانين الطرد والإبعاد وسحب الجنسية وهدم المنازل؟.. أم هي هبَّة شعبية قابلة للتوسع والتصاعد أو التراجع، بشكل ممرحل وتدريجي؟.. أم هي انتفاضة تشبه سابقاتها (الحجارة 1987 والأقصى 2000) بأحداثها اليومية وتطوراتها الميدانية ونتائجها المتوقعة؟.. أم هي إرهاصات لانتفاضة جديدة مقبلة لها مميزاتها الخاصة، ما تزال تستجمع قواها وعناصر قوتها وتبحث لهاعن صاعق تفجير يشعل الأرض، وأي أرض تحت أقدام الصهاينة؟
قد يختلفون على تسمية ما يجري في القدس والأراضي المغتصبة والمحتلة، لكن الأغلبية الساحقة من المحللين السياسيين والقادة الفلسطينيين باستثناء قلة منهم يُجمعون على أن الشيء المؤكد الذي لا يقبل الجدل هو أن الظروف الموضوعية التي تحيط بالقضية الفلسطينية من كل جوانبها؛ وبأوضاع الشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه الإجتماعية ومناطق وجوده على مساحة الوطن المغتصب والمحتل مهيأة ليس لاندلاع هبَّة أو انتفاضة شعبية فحسب، وإنما لتجديد روح الثورة الموؤودة على دروب اتفاق "أوسلو" وإفرازاته ونتائجه الكارثية على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، والتي يشكل "التنسيق الأمني" بين مؤسسات كيان العدو الأمنية وأجهزة السلطة الفلسطينية عنوانها الأساسي والأبرز، وهو الشيء الوحيد الذي بقي منها...
فهذا "التنسيق الأمني" الذي ألصق به أبرز رموز "السلطة" صفه "القداسة" كان له نتائج كارثية على قوى وحركات المقاومة الفلسطينية، التي وجدت نفسها محاصرة، ورأت خيرة مجاهديها ومناضليها يلاحقون ويُزجون في المعتقلات الصهيونية وسجون "السلطة"... في حين أن العدو الصهيوني اتخذ من اتفاق "أوسلو" ومساراته التفاوضية على مدى أكثر من عشرين عاماً ستاراً لأوسع عملية سطو صهونية لما تبقى من أرض فلسطينية، وغطاءاً لتضييق الخناق على الفلسطينيين ومحاصرتهم بشتى القوانين العنصرية والإجراءات الفاشية التعسفية التي تبدأ بهدم المنازل وطرد السكان من بيوتهم ومصادرة ممتلكاتهم وترحيلهم إلى مناطق نائية، وصولاً إلى سحب الجنسية، وإقرار حكومة بنيامين نتنياهو مؤخراً مشروع قانون "الدولة اليهودية" العنصري الذي يبيح لها طرد مليون ومائتي ألف فلسطيني من أراضيهم وممتلكاتهم وبيوتهم التي ورثوها أباً عن جِد وجبلوا ترابها بعرقهم وبدمائهم الزكية إلى "الدولة الفلسطينية" الموهومة!..
إن كل تلك الممارسات تجري بالتزامن مع تسارع سياسات التهويد والصهينة التي وصلت مفاعيلها إلى المقدسات التي أُحرق بعضها، بينما أغلق العدو الصهيوني أبواب المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين ومنع رفع الأذان من على مآذنه، في حين ظلت باحاته وساحاته مستباحة من قبل قطعان المستوطنين الذين ينتظرون لحظة إقرار "الكنيست" قوانين "التقاسم المكاني والزماني" بين المسلمين وشذاذ الآفاق الصهاينة، لتتكرر في المسجد الأقصى، وعلى مرآى أكثر من مليار ونصف من المسلمين بمن فيهم من عرب وفلسطينيين تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل...
إن مشهد فلسطين على امتداد مساحتها التاريخية التي لا تقبل القسمة ولا التجزئة من النهر إلى البحر، تشي بأن الظروف الموضوعية التي أنجبت إنتفاضتين شعبيتين تاريخيتين، مهيأة اليوم لاندلاع انتفاضة ثالثة، إلا أن ثمة عوامل تعيق وتؤخر تفجرها بالشكل الذي يتمناه الفلسطينيون وكل من يقف معهم وإلى جانبهم في صراعهم المرير، وأبرزها:
- إشهار أهل "السلطة" وبشكل وقح ومخزٍ، رفضهم المطلق لنهج المقاومة والإنتفاضة، وسعيهم الدائم والحثيث لخنق شراراتها، وإعلانهم على الملأ أنهم عملوا ويواصلون عملهم على منع اندلاعها وتعطيلها...
 – حالة الإنقسام والتشرذم على المستويين القيادي والشعبي (ناهيك عن الإنقسام الجغرافي) الناجمة عن الصراع المفتوح بين حركتي فتح وحماس، والذي يزداد عمقاً وقساوة ...   
  – تعطيل كل أشكال العمل القيادي المشترك بين الفصائل والحركات الفلسطينية، بما فيها مؤسسات "م. ت. ف"، واستفراد نفر باتخاذ القرارات وفرض منطقه ونهجه الذي أثبتت وقائع عقدين ونيف عبثيته ومخاطره الثابتة والمؤكدة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية...
 – إرتباط شرائح مختلفة من الشعب الفلسطيني مصلحياً بـ"السلطة" ومؤسساتها، من أجهزة أمنية ووزارات وإدارات، وهي تعد بعشرات الآلاف، والتي باتت مصالحها مرتبطة باستمرار "الهدوء" و"الإستقرار" و"الأمن" التي تشكل مجتمعة الكلمة السرية لاستمرار تدفق أموال المساعدات والهبات، وخاصة تلك التي تصرف كمخصصات ورشاوات وتنفيعات شهرية (هذا إلى جانب وجود طبقة من المنتفعين والسماسرة الذين ارتبطوا مصلحياً بالعدو الصهيوني)...
إن الشعب الفلسطيني الذي فجَّر ثورة مسلحة في ستينيات القرن الماضي، وانتفاضة الحجارة في ثمانينياته، وانتفاضة الأقصى المطعمة بالعمليات الإستشهادية في نهاياته... قادر اليوم ونحن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين على إشعال انتفاضة جديدة قد تفاجيء الصديق قبل العدو في أماكن تفجرها وانتشارها!..

 

اخبار ذات صلة