بتصويت الكنيست الإسرائيلي على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في آذار المقبل، تكون الدراما السياسية المصطنعة - في الدولة العبرية قد وصلت إلى نهايتها. وبالطبع فإن هذه الدراما هي من تأليف وتمثيل وإخراج بنيامين نتنياهو الذي وقف يسوّق الحجج والمبررات في مؤتمره الصحافي عن سبب إقالته لسبعة من وزرائه وعلى رأسهم يئير لبيد وتسيبي ليفني، وقراره بحل الكنيست وتبكير الانتخابات. لم تستطع رواية نتنياهو ومسرحيته إقناع أحد من المحللين أو المتابعين للشأن الإسرائيلي، لأنه وببساطة شديدة كانت تمثيليته تعاني ركاكة في الحبكة الدرامية، وقصوراً واضحاً في فن الإخراج.
تحدث نتنياهو عن وجود مؤامرة تحاك ضده، واتهم أقطاباً في حكومته بتدبير انقلاب - عبر السعي إلى إيجاد ائتلاف حكومي بديل للإطاحة به وبحكومته - في الإشارة إلى ليفني ولبيد. وقال إنه أصبح من المستحيل الاستمرار في عمل هذه الحكومة بوجود أعضاء بداخلها، يرفضون التصويت لقانون - يهودية الدولة - ويعرقلون تحويل الأموال إلى ميزانية الجيش. ولكن كان من اللافت تصريحه أنه لم يعد يطيق وجود معارضة صعبة المراس داخل حكومته، لا تكف عن انتقاده أمام الجمهور الإسرائيلي، ولا يمر يوم من دون أن تبعث له إنذارات وتهديدات بالانسحاب من الحكومة. ولكن كل هذا بدا شديد الغرابة لكل من استمع لكلام نتنياهو لأنه لأول مرة في تاريخ إسرائيل يتم حل الكنيست لمجرد وجود تلاسن أو حزازيات داخل الائتلاف الحاكم، وبغياب أسباب قهرية أو جوهرية تدفع في اتجاه هذا القرار، كموضوع السلام أو الحرب.
وإذ ظهر للعيان، بأن مشروع يهودية الدولة هو الذي فجر الائتلاف الحكومي الذي يقوده نتنياهو، فإن المشروع ليس إلا -صاعق تفجير- بينما عبوة التفجير كان نتنياهو يحضرها في مكان أخر ولحسابات أخرى. وما كتبته باروخ ليخم في صحيفة يديعوت أحرنوت يرسم صورة لما حصل: «لقد كان قانون القومية اليهودية عمليا مناورة - صرف انتباه - قام بها كبير السحرة في تاريخ الشعب اليهودي - نتنياهو - حتى ننسى ما يشغل بالنا حقاً في الفترة الاخيرة: تعاظم الارهاب، تخفيض مستوى التصنيف الائتماني لإسرائيل والارتفاع في البطالة، ويضطر مواطنو اسرائيل الى حل اللغز الدراماتيكي: هل نحن دولة يهودية وديمقراطية أم ربما العكس ديمقراطية ويهودية !!!
وبحسب كثير من المتابعين للشأن الإسرائيلي فقد اخترع نتنياهو مشروع الدولة اليهودية الآن، للتغطية على سلسلة الإخفاقات التي منيت بها حكومته: حرب غزة، والمواجهات الصعبة في القدس والضفة والتي أصابت المستوطنين بالذعر، فشل عملية السلام، والتراجع الاقتصادي في إسرائيل.... واختار أن يمتطي - الحصان القومي - في محاولة لتجديد بريق نجوميته التي خبت بين جمهوره في معسكر اليمين.
وبمصادقة مجلس الوزراء الإسرائيلي على قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهود الذي أثار نقاشاً عاصفاً بين اعضاء الحكومة وخارجها، وهاجمه بشده وزراء من حزب «هناك مستقبل« بزعامة ئئير لبيد، ووزيرة العدل تسيبي ليفني رئيسة حزب الحركة لأنه يهدف لإعطاء وزن مساو لديمقراطية الدولة ويهوديتها، ويعتبر الشريعة اليهودية هي مصدر القانون والقضاء في إسرائيل، كان نتنياهو قد اختار طريق التصعيد. ورغم ادعاء نتنياهو عند عرضه للقانون، بأن القانون يتطرق إلى المساواة في الحقوق الفردية بين مواطني دولة إسرائيل، إلا أن نتنياهو أكد بأن الحقوق القومية هي للشعب اليهودي فقط في دولته الوحيدة الذي ليس له دولة غيرها، وتشمل الحقوق القومية العلم والنشيد الإسرائيلي وهجرة اليهود فقط إلى إسرائيل، ويخوّل الدولة اليهودية بتخصيص الأراضي لأبناء اليهود فقط، ويحرم في الوقت نفسه التجمعات السكنية العربية بالتوسع الأفقي. ولكن ما يعني تسيبي ليفني وغيرها من التيار العلماني أو التيار المدني ليس حقوق الفلسطينيين، بل الخشية من أن تتحول إسرائيل من دولة مدنية إلى دولة دينية، وأوضحت ليفني بأن الحكومة الحالية كانت ستجر إسرائيل والمنطقة إلى حرب دينية. وأضافت انها لن تؤيد أي قانون متطرف ويتعارض مع المبادئ الصهيونية، ولن تسمح بأية قوانين تستفز العالم.
غير أن نتنياهو استمر في مسلسله الدرامي، حين استدعى يئير لبيد إلى مكتبه، ووضع له خمسة شروط من أجل عدم إقالته وتفكيك الحكومة والذي اعتبرها يئير مذلة وهي: دعم مشروع يهودية الدولة الذي صادقت عليه الحكومة، تحويل مبلغ الستة مليارات شيكل إلى ميزانية وزارة الدفاع، إلغاء بند إعفاء أزواج شابة من دفع ضرائب إضافية على الشقق السكنية من الموازنة العامة وهي المسألة التي يعتبرها لبيد - بؤبؤ عين حزبه - وقف كل أشكال التآمر على الحكومة، التوقف عن انتقاد الاستيطان في القدس وسياسات الحكومة.
غير أن يئير لبيد رفض شروط نتنياهو، وشن هجوماً عليه بعد الإعلان عن حل الكنيست حيث قال: «بأن نتنياهو تصرف كإنسان عديم المسؤولية، حين قرر أن يجر إسرائيل إلى انتخابات مبكرة لا لزوم لها، وإهدار اموال طائلة على انتخابات لا مبرر لها بعد أن أبرم صفقة مع الحرديم تضمن له تكوين تحالف انتخابي معها.
ويبدو بأن قرار نتنياهو بفركشة الحكومة الحالية، والذهاب إلى انتخابات مبكرة، قد تم بعد أن بني حساباته على دعم الأحزاب الدينية له مقابل التراجع عن قانون إلزام الشبان الحرديم بالخدمة العسكرية، وتوفير الدعم والمخصصات المالية للأحزاب الدينية، ويراهن نتنياهو في تلك الحالة على فوز حزبه وأحزاب اليمين والمتدينين بـ52 54 مقعداً لتشكيل حكومة مستقرة ومتجانسة. اما السبب الرئيسي لمسرحية الانتخابات المبكرة فإن نتنياهو بات مقتنعاً بأن الزمن لا يعمل لصالحه، وإنه إذا جرت الانتخابات في موعدها الطبيعي، فهناك احتمال كبير بأن يخسرها لصالح حزب موشيه كحلون الوليد - الذي قالت استطلاعات الرأي بأن قطاعاً واسعاً من ناخبي الليكود سيصوتون لصالحه بعد سنتين، أو لصالح العديد من الأحزاب اليمينية الصاعدة.
من جهته استعرض المعلق السياسي في صحيفة هآرتس الخارطة السياسية القادمة لإسرائيل، وفقاً للسيناريوات المحتملة لنتائج الانتخابات المقبلة، مؤكداً أن هيمنة اليمين على صناعة القرار هي الأكثر احتمالاً. وقال إن الانتخابات القريبة سيكون لها نتيجتان: الأولى حكومة شراكة بين اليمين والحاريديم، بحيث تحافظ على سلم أولوياتها اليميني التقليدي: زيادة ميزانية الأمن، تعزيز الاستيطان والمستوطنين ودعم الحاريديم. وزيادة اضطهاد العرب داخل الخط الأخضر. البديل الثاني، هي حكومة يسار وسط برئاسة يتسحاك هرتسوغ معززة بالأحزاب الحاريدية وحزب يميني واحد على الأقل. لكنه يضيف أن حكومة من هذا النوع لن يكون بمقدورها التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين يترتب عليها انسحاب وإخلاء مستوطنات وذلك بسبب تعلقها باليمين. وفي المقابل يمكنها أن تعكس اعتدالاً سياسياً وتحسن علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة وأوروبا، وأن تعمل على تهدئة الصراع الداخلي بين اليهود والعرب من خلال سحب مشاريع القوانين العنصرية كقانون الدولة القومية. ويخوض المعلق الإسرائيلي في احتمالات أقل فرصاً في الوقت الراهن حسب ما تعكسه استطلاعات الرأي كأن يحقق نفتالي بينيت تقدماً على نتنياهو ويقود معسكر اليمين بدلاً عنه، أو أن يحقق موشي كحلون وحزبه الجديد فوزاً كاسحاً. يضيف: حتى نتائج من هذا القبيل لن تغير سياسات الحكومة المستقبلية، ففي كل سيناريو ممكن سيكون لليمين «فيتو» عملي على أي اتفاق تسوية وإخلاء مستوطنين.
المصدر: المستقبل
