/مقالات/ عرض الخبر

عن إسرائيل الحائرة في هويتها! كتب: ماجد كيالي

2014/12/09 الساعة 08:42 ص

لدى مناقشة مشروع القانون المتعلق بتعريف إسرائيل لذاتها، بوصفها الدولة القومية لليهود، يجدر التذكير بمسألتين، أولاهما، أن إسرائيل تتصرّف، أساساً، ومنذ قيامها باعتبارها دولة يهودية، أو على نحو أدق باعتبارها دولة اليهود الخاصة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال «إعلان الاستقلال»، وشبكة المؤسسات، والعلم والنشيد والرموز، ومنظومة القوانين، وبخاصة من قانوني «العودة»، الذي يمنح أي يهودي مهاجر إليها مكانة مواطن، و»ملكية الأراضي»، الذي يجعل أراضي فلسطين، أي ما تسميه «أرض إسرائيل»، ملكاً حصرياً لـ»شعب إسرائيل»، عبر «الوكالة اليهودية»، يحظر بيعه أو نقل ملكيته. وثانيتهما، أن إسرائيل هذه لا تعتبر نفسها دولة ليهود العالم، وليس فقط دولة اليهود الإسرائيليين من مواطنيها.

ينجم عن تشريع هذا القانون ثلاث مشكلات، أولاهما، تتمثل في التناقض بين اليهودية والإسرائيلية، أو بين ما يمكن تسميته بالقومية الإسرائيلية الناشئة، عن قيام إسرائيل، واعتبار اليهودية بمثابة هوية أو رابطة قومية. وثانيتهما، تتعلق بتعريف من هو اليهودي: هل هو المتدين حصراً، أم أن ذلك يشمل اليهودي العلماني؟ وهل اليهودية قومية، أم هي دين؟ وبديهي أن هذه الأسئلة تفتح على علاقة الدين بالدولة، وعلاقة الدين بالقومية، التي استغرقت نقاشات مضنية في الوسط الأكاديمي الإسرائيلي، فضلاً عن أوساط المتدينين والسياسيين والمثقفين. أما المشكلة الثالثة، فتمسّ المبنى الديموقراطي في المجتمع والدولة الإسرائيليين، تبعاً للسؤال عن العلاقة بين الدين والدولة. إذ إن تعريف إسرائيل باعتبارها الدولة القومية لليهود يعني إخراج المواطنين من غير اليهود من دائرة المواطنة، من الناحية القانونية، بمعنى التمييز ضدهم على أساس الدين، واعتبارهم مواطنين من درجة أدنى؛ وبديهي أن ذلك يتهدد أساساً الفلسطينيين من مواطني إسرائيل. وكما قدمنا فإن إسرائيل تتصرف منذ قيامها باعتبارها دولة لليهود، بوجود قانون أو من دونه، لكن تشريع هكذا قانون يشرعن التمييز، ويحد من قدرة الفلسطينيين على مقاومة الإجراءات التمييزية ضدهم. لكن هذا المشروع يتضمن التمييز ضد اليهود العلمانيين، نتيجة تغليب الطابع الديني، والهوية الدينية، على الطابع العلماني للدولة، مع ما يعنيه ذلك من صعود للتيارات اليمينية الدينية في السياسة الإسرائيلية.

هذا يفسر المعارضة القوية أن القانون، الذي يدعمه رئيس الحكومة الإسرائيلية، وحلفائه في اليمين المتطرف، القومي والديني، يواجه معارضة كبيرة، ليس بسبب الاختلاف على اعتبار إسرائيل دولة يهودية، وإنما للاشتباه بأن نتنياهو يحاول المزايدة عليهم، لتعزيز موقفه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، ولأنهم يرون أن إسرائيل لا تحتاج أصلاً لهكذا قانون يضعها في مشكلات مع الفلسطينيين من مواطنيها، ويخفف من المبنى الديموقراطي في نظامها السياسي، ويضر بصورتها أمام العالم، في حين أن اعتبارها دولة لليهود هو تحصيل حاصل، وبمثابة أمر واقع منذ قيام إسرائيل.

يقف في مركز القوى المعارضة لهذا المشروع، حزب «يش عيتيد» (هناك مستقبل)، بزعامة وزير المالية يائير بيليد (الحزب الثاني في الكنيست وله 19 مقعداً)، وحزب «الحركة» بزعامة تسيبي ليفني ( له 6 مقاعد)، وحزب العمل (له 15 مقعداً) وميريتس (له 6 مقاعد)، بمجموع قدره 46 مقعداً، وإذا احتسبنا الأحزاب العربية في هذا المعسكر (لها 11 مقعداً)، فإن الأحزاب المعارضة تستحوذ حينها على 57 مقعداً (من أصل 120) في الكنيست، أي أن نتنياهو لديه كتلة تصويتية من 63 صوتاً لكنها غير مضمونة.

وعدا عن هذه الأحزاب، ثمة شخصيات مهمة في هرم السياسة الإسرائيلية عارضت هذا المشروع ضمنها رئيس الدولة، روبي ريفلين، وهو أحد قادة حزب الليكود، والرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، وموشي ارينز القيادي السابق في ليكود، ويوسي ساريد الزعيم السابق لحزب ميريتس. كما ثمة عديد من منظمات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، التي أعلنت معارضتها للمشروع.

مثلاً، فقد صاغ المعهد الإسرائيلي للديموقراطية» وجهة نظر حول هذا الموضوع، أعدها الخبيران القانونيان البروفسور مردخاي كريمنيتسر والمحامي عمير فوكس، اعتبرا فيها أن فكرة القانون الخاصة بيهودية الدولة «تقصي الأساس الديموقراطي من المركز إلى الهامش.». وأشارا إلى أن مؤسس الصهيونية وواضع فكرة «دولة اليهود»، ثيودور هرتسل، ومؤسس التيار التنقيحي اليميني في الحركة الصهيونية، زئيف جابوتينسكي، «لم يرغبا فقط بإقامة دولة قومية يهودية. وإنما أرادا أن يؤسسا.. دولة مثالية وفقاً لأفضل مبادئ التراث الديموقراطية الليبرالية».

وذهب جدعون ليفي أبعد من ذلك باعتباره أن تأثيرات هذا القانون «ستكون أيضاً على نحو نصف سكان دولة التمييز العنصري. وهذا هو الهدف الحقيقي.. الذي ما زال يؤمن بحل الدولتين لن يحتاج أبداً إلى قانون قومية. حل الدولتين من شأنه أن يضمن أغلبية يهودية واضحة وقاطعة وبالتالي فلماذا كل هذه الضجة. هذا القانون حيوي فقط في دولة ثنائية القومية. فيها فقط يجب إرساء الامتيازات التي هي لصالح شعب واحد على حساب شعب آخر.. هذا القانون يضمن التمييز العنصري القانوني والفصل القانوني.. قانون القومية سيشكل طابع الدولة الواحدة مثلما يريد، بروح التمييز العنصري، وسيضمن.. ما قاله اليمين القومي دائماً وهو أنه في هذه البلاد يوجد مكان لشعبين، أحدهما سامي والآخر منحط. أحدهما له جميع الحقوق والآخر ليست له حقوق. ومن الآن سيكون ذلك في ظل القانون. كانت إسرائيل في السابق سيادية ومحتلة وقريباً ستكون الكولونيالية أيضا«. (هآرتس 27/11/2014)

ما يفترض ملاحظته أن التوجه نحو تشريع القانون المذكور، والاختلافات بشأنه، لا ينم عن واقع قوة في إسرائيل، وإنما عن توتر وتأزم وقلق، في أوضاعها الداخلية، وفي رؤيتها لذاتها، وفي علاقتها مع الفلسطينيين، والمحيط العربي، رغم كل قوتها الظاهرة. كما أن هذا التوجه يبين أن إسرائيل، التي طالما اعتبرت ذاتها واحة للعلمانية والحداثة في المنطقة، تتراجع لصالح اليمين القومي والديني فيها، لا سيما أننا نتحدث عن دولة ما زالت لم تعرف حدودها الجغرافية ولا البشرية.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/67519

اقرأ أيضا