قائمة الموقع

التوظيف الإسرائيلي لداعش (الحدود والمحددات).. كتب: ثابت العمور

2014-12-09T07:51:12+02:00

تعددت ادوات التوظيف الإسرائيلي لما يحدث في الساحتين الاقليمية والدولية، وهو توظيف ليس وليد اللحظة او مستحدثا، فقيام إسرائيل كان اثر متغيرات دولية واقليمية اعقبت الحرب العالمية الثانية، وقبولها بتسوية الصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية والدخول في ماراثون التسوية السلمية تولد لديها عقب التفرد الامريكي الكوني وانتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينات نتيجة خروج الدب الروسي من المشهد الدولي وتلاشي تأثيراته، حتى بات كل متغير اقليمي او دولي محط توظيف إسرائيلي يصب في خدمة اهدافها، وحتى اذ لم يرتبط بها او يستهدفها كما هو الحال في التوظيف الإسرائيلي لاحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وما تلاها وترتب عليها.

 آخر هذه المتغيرات تبلور فيما بات يعرف بداعش وهي اختصارا للدولة الاسلامية في العراق والشام، ورغم ان إسرائيل لم تشارك ولم تتحمل تكلفة مواجهة ايا من المتغيرات السالفة القريبة والبعيدة، الا انها استطاعت توظيف كل هذه المتغيرات لصالحها وحصاد نتائجها، فكيف وظفت إسرائيل داعش؟، وهل تهدد داعش إسرائيل او تضر بمصالحها في المنطقة  ام انها تخدمها كيف؟، ما هي حظوظ إسرائيل في خطاب داعش؟، وكيف ترى إسرائيل داعش؟،ما ملامح الرؤية الإسرائيلية لداعش؟، وما هي سيناريوهات التوظيف الإسرائيلي لداعش في المنطقة عموما وفي المحددات الإسرائيلية الداخلية والاقليمية ؟.

إسرائيل في رواية داعش
غابت إسرائيل فكرا وممارسة من خطاب داعش ، فلم يسجل ان داعش افردت تهديدا او تلويحا لإسرائيل في ايا من خطاباتها، أو ممارساتها ولم يسجل قيام داعش بمهاجمة او تهديد لاي من مصالح او رعايا إسرائيل في المنطقة او خارجها، رغم الاذرع الطويلة والممتدة لخلايا داعش ، لاسيما وان اذرع داعش تبايع الخليفة البغدادي من امام الحدود الإسرائيلية في سوريا ومصر دون ان تلتفت لإسرائيل او تلوح بتهديدها ووعيدها مثلما هو الحال في ممارسة داعش وخطاباها للدول العربية. ففي خطاب امير الدولة الاسلامية ابو بكر البغدادي عندما بويع بالخلافة وفي حديثه عن الارهاب الذي تتعرض له فلسطين مر عليها عرضا دون توقف او افراد اية مساحة كحال باقي التنظيمات الجهادية الاسلامية.

 الأمر الذي فسره البعض بأن داعش تقدم دولة الخلافة في محيط فلسطين على تحريرها، او بصيغة أخرى ترى داعش ان الحرب النهائية لتحرير فلسطين تقودها الدولة الاسلامية او دولة الخلافة بعد ان يتم لها التمكين والتمتين؛ وهذا لا يتحقق حسب داعش الا بالسيطرة على بغداد ودمشق وكل بلاد الشام اولا، ودلالات ذلك ان مواجهة إسرائيل لم تعد حاضرة ولا مبررة الان الا بعد سيطرة داعش على ما سلف ذكره، ما يعني تغييب إسرائيل فكرا وممارسة في خطاب داعش وادبياتها. لاسيما وان داعش تغلب وتقدم قاعدة (قتال المرتد القريب أولى من قتال الكافر البعيد) ويبدوا ان إسرائيل لا تزال الكافر البعيد، حتى وان شنت ثلاثة حروب على غزة في مدة لا تتعدى اربعة سنوات. فإن داعش لم ترى ضرورة للتدخل لنجدة مسلمي فلسطين، الأمر الذي يعني اريحية إسرائيلية مفادها لسنا في مواجهة او حرب او تهديد من داعش .

 ترتب على خطاب داعش تجاه إسرائيل سعادة لم تخفيها صحيفة هآرتس التي استحضرت ادبيات داعش القائلة "إن الله في القرآن الكريم لم يأمرنا بقتال إسرائيل أو اليهود حتى نقاتل المرتدين والمنافقين"، وبعنوان داعش غير معنية بقتال اليهود، قالت الصحيفة إن هناك قائمة طويلة بالقادة العرب الذي وضعهم تنظيم داعش كأهداف له، أما اليهود وإسرائيل فليسوا على رأس هذه القائمة. وأضافت الصحيفة " في الوقت الذي تضرب فيه إسرائيل قطاع غزة، شئ رائع أن نعرف أن هناك على الأقل تنظيم إسلامي واحد لم يسارع بتهديد إسرائيل، وهو تنظيم داعش". وقد اعقب هذا الموقف حالة من الحيرة والتساؤلات عن عدم محاربة داعش لإسرائيل بدلا من قتال المسلمين في العراق وسوريا فاجابت داعش بأن الله لم يأمر بقتال اليهود والإسرائيليين.فكيف تلقت إسرائيل هذا الخطاب؟.

داعش في الرواية الإسرائيلية
تلقت إسرائيل خطاب داعش تجاهها باريحية كبيرة، وبكلمات مقتضبة عبر وزير دفاعها موشيه يعلون عن الموقف قائلا " تنظيم داعش يعمل بعيداً ولا يشكل خطراً على مصالحنا"، في حين اعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين تهديد داعش كمنظمة جهاد عالمية لإسرائيل لا يختلف جوهرياً عن تهديد تنظيم القاعدة الذي تتعايش إسرائيل معه منذ ما يربو على عشر سنوات. وأضاف أنه " في حال قيام داعش بنقل نشاطه من العراق إلى إسرائيل، فإنه سيقع فريسة للاستخبارات الإسرائيلية وطائرات سلاح الجو والسلاح الدقيق المتطور الذي بحوزة القوات البرية الإسرائيلية".

متعددة الروايات الإسرائيلية حول داعش وكثيفة لا يمكن الاتيان عليها كلها او حصرها ما بين تهويل وتهميش ، لكن العامل المشترك الوحيد بينها هو توظيف إسرائيل لداعش على كل الوجوه، وتصريحات نتنياهو دليل واضح على هذه التوظيفات المستمرة باستمرار داعش وتمددها، فكيف ترى إسرائيل تمدد داعش؟. وكيف توظفها؟.

ترى الرواية الإسرائيلية ان سبب نجاحات داعش وتمددها يعود للاسباب التالية : اولا الضعف البنيوي والأدائي للدول القومية العربية. ثانيا المبنى الشبكي والمتناثر للمنظمات مما يسهل عملها حركتها وخطوط تموينها في المنطقة ويجعل من الصعب التصدي العسكري لها. ثالثا اهمال الاسرة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، والنابع من الحرج والبحث عن حل قابل للتطبيق لمشاكل الشرق الاوسط، الى جانب عدم الاستعداد للتدخل العسكري. رابعا تآكل في صورة القوة العظمى للولايات المتحدة وقدرتها على حل المشاكل الاقليمية. اضافة الى الخوف المتعاظم لدى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من أنها في يوم الاختبار لن تقف الى جانبهم.

تروج إسرائيل بأن ما يحدث في العراق اخطر مما حدث عقب سايكس بيكو 1916 وتقول روايتها هنا بأن دول المنطقة امام حالة تفكيك وتقسيم داخلي جديد، وهي بهذا تروج بأنها الدولة الوحيدة المتماسكة والبعيدة عن تداعيات وتبعات مخططات التقسيم، وهذا يعني ترويج ان إسرائيل دولة محصنة ضد التقسيمات وانها قد تكون الدولة الاكبر قوة والاكثر مقدرات لاحقا. وقد عرضت سيناريوهات تتعلق حتى بسقوط النظام الملكي في الأردن وجاء حرفيا "ما زالت الاحداث في العراق لا تنذر بسقوط الأسرة المالكة الهاشمية التي اجتازت الى اليوم بنجاح ثلاث سنوات ونصف سنة من الزعزعة العربية".

توظيف إسرائيل لداعش
تصوير الرواية الإسرائيلية لداعش بانها بعبع يهدد المنطقة، الهدف منه تأسيس تحالف عسكري إسرائيلي امريكي اردني خليجي غير مسبوق وان كان موجود سابقا لكنه غير معلن، وهو الامر الذي عبر عنه مثلا "عاموس هرئيل" في صحيفة "هآرتس" في 29 حزيران /يونيو 2014، عندما كتب يقول في مقال بعنوان "الولايات المتحدة : الأردن قد تطلب مساعدة من إسرائيل على داعش"، ويقول فيه "ومن المحتمل اذا حدث تصعيد عسكري أن تريد الأردن مساعدة من إسرائيل ايضا، لكنها ستفعل ذلك بأكبر قدر ممكن من السرية كي لا تثير الانتقاد عليها في العالم العربي لكونها حليفة لإسرائيل". ويمكن هنا مراجعة مقال يوسي ميلمان بعنوان "ميراث الحسين" في صحيفة معاريف في الاول من تشرين ثاني / نوفمبر، يتحدث فيه عن اثر داعش على العلاقات الإسرائيلية الأردنية في شقها الاستخباراتي.

تضخيم إسرائيل لقدرات داعش وانه بامكانها –داعش – تهديد دول مجاورة للعراق كالسعودية والأردن مثلا، ومدلول التضخيم هنا ان إسرائيل تريد الدخول لاحداث اختراق امني في التعاون العسكري والاستخباراتي مع هذه الدول لا سيما السعودية. وتثبيت ان إسرائيل قوة عسكرية وامنية وحيدة ومنفردة بالمنطقة. وهناك العديد من الاشارات الامريكية والإسرائيلية التي تفيد بأن إسرائيل تقدم خدمات استخباراتية هامة جدا عن داعش لدول المنطقة ما يعني دخول التعاون الاستخباراتي بالفعل الى حيز التنفيذ.

تفويت الفرصة على ايران في تقاربها مع الغرب فالخطاب الإسرائيلي يروج ويصور بان البرنامج النووي الايراني هو الخطر وليست داعش، وان اي مشاركة لايران في الحرب على داعش ستؤدي الى صرف انظار العالم عن برنامجها النووي. وبالتالي اعادة انتاج الحشد الغربي ضد ايران ، فإسرائيل ترى ان ظهور داعش في العراق يلهي العالم وينسيه الخطر النووي الايراني، لذلك تعمل -إسرائيل- من اجل اعادة هذه الرواية والابقاء عليها وهو ما عبر عنه "بوعز بسموت" في صحيفة "إسرائيل اليوم" في 29 حزيران / يونيو 2014 في مقاله بعنوان "يجب ألا تخاف إسرائيل من داعش بل من ايران"؛ ويحذر الكاتب من استمرار المفاوضات بين ايران والغرب لانها قد تفضي الى ان تصبح ايران شرطي المنطقة حسب رواية "بسموت" السالفة.

ان واحد من اهم محددات الموقف الإسرائيلي من داعش هي التحريض الامريكي على ايران، هذا الموقف عبر عنه البرفسور ايال زيسر يوم 25 تشرين ثاني / نوفمبر في مقال بصحيفة إسرائيل اليوم بعنوان "يتحدثون في الطريق الى اللامكان" ، ويقول فيه " يستطيع اوباما أن يسجل لنفسه أنه خلال فترة حكمه لم تتحول ايران الى دولة نووية، وفي نفس الوقت منع هجوما عسكريا على ايران، الامر الذي كان سيورط الولايات المتحدة من جديد في وحل الشرق الاوسط ، وهذا ما لا تريده بسبب تهديد داعش". في حين يذهب رئيس وزراء إسرائيل لأبعد من هذا حينما اعاد التحذير من قيام الغرب وواشنطن من تقديم تنازلات لايران ما يجعلها دولة حافة نووية اكثر خطرا من داعش".

الربط بين المقاومة الفلسطينية وبين داعش ووصف الحركة الاسلامية في فلسطين بأنها تتشابه مع داعش، وهو ما ابرزه نتنياهو عندما عرض على حسابه في تويتر صورة الصحافي الامريكي جيمس فولي مزدوج الجنسية الامريكية والإسرائيلية والذي اعدمه تنظيم داعش، فزعم نتنياهو ان إسرائيل تواجه النسخة الفلسطينية من داعش ممثلا في حركة حماس، ورغم الاختلاف والخلاف بين كل من داعش وحماس الا ان نتنياهو اصر على الربط بينهما قائلا : " "نحن بحاجة إلى دعم العالم الحر، يتوجب رص الصفوف في مواجهة الإسلام المتطرف، نحن نقاتل حماس التي تماثل داعش، حماس وداعش يتشاركان الأيديولوجية الظلامية نفسها، التي لا تعرف إلا القتل والدمار". وهو ما عبر عنه عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس عبر مقاله المعنون بمميزات الحرب الدينية في التاسع عشر من تشرين ثاني /  نوفمبر، وفيه يربط بين عملية الكنيس اليهودي التي نفذها الشهيدان ابو جمل وبين ما تقوم به داعش من عمليات قتل وقطع للرؤوس. رغم ان الشهيدين لا ينتميان لحركة حماس.

قبل ذلك وظفت إسرائيل انشغال العالم بالحرب على داعش في الخروج لشن حرب همجية على قطاع غزة في رمضان الماضي، واستمر توظيفها بالانشغال الدولي والاقليمي في الهاء العالم عن نتائج حربها على غزة ومحاسبتها على الجرائم التي ارتكبتها والاهم تعطيل وتأجيل اعادة اعمار قطاع غزة دون اي ملاحقة مدنية او جنائية او مسؤولية تتحملها.

لن تتوقف إسرائيل عن محاولات الترهيب والترعيب والتوظيف للحالة الداعشية الحاصلة، وستوظف هذا المتغير لاحداث تحولات جذرية في علاقاتها الاقليمية اولا في تحقيق محددات مشروعها الاستيطاني ثانيا، وفي الانتهاء من اهداف المشروع الصهيوني ثالثا واهمها قانون القومية اليهودية ويهودية الدولة ، وهو المحدد الذي قدمته داعش لإسرائيل حتى بدا الامر وكأنه دوية يهودية للرد على الدولة الاسلامية التي اعلنها التنظيم، ولم يكن ممكنا ولا متاحا لإسرائيل الذهاب في قانون يهودية الدولة لو لم تكن الحالة الداعشية قد تحققت وتبلورت. اما في محدد توظيف إسرائيل لداعش اقليميا فيمكن القول بان اختراق غير مسبوق قد حدث بالفعل وهو ما ذهب اليه وعبر عنه نداف شرغاي صحيفة إسرائيل اليوم التي توصف  بأنها اللسان المعبر عن حكومة نتنياهو بمقاله بعنوان حارس الأملاك الأردني نشر في 28 تشرين ثاني / نوفمبر ويقول فيه :" الأردن يقوم بدور الوساطة بين إسرائيل والعراق وبين سوريا والسعودية التي هي دولة النفط الأكبر والأغنى وحليفة الولايات المتحدة". هذه الوساطة ستكون محدد سيناريوهات التوظيف الإسرائيلي ومحدداته لاحقا لا في الداخل الإسرائيلي وتقاطعه مع الوجود الفلسطيني، ولكن في التوغل والتغلغل الإسرائيلي في الاقليم ايضا.
 

 

المصدر: أخبار العالم

 

اخبار ذات صلة