الوحشية "الإسرائيلية" التي واجهت المصلين في المسجد الأقصى في 5-11-،2014 شكلت صدمة في الأوساط العربية والإسلامية، وكانت لافتة من حيث وقاحتها، ومن حيث التغطية السياسية التي رافقتها .
نائب رئيس الكنيست موشيه فيغلين كان على رأس مقتحمي باحات أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في القدس، كما أن الشرطة "الإسرائيلية" تجاوزت كل الحدود، ودخلت إلى الأقصى، وداس أفرادها على السجاد وصولاً إلى المحراب، وضربوا وزير شؤون القدس في السلطة الفلسطينية عدنان الحسيني، وسقط من جراء اعتداءاتهم في ذلك اليوم أكثر من 20 جريحاً من المصلين .
سبق ذلك إحراق الفتى الفلسطيني الذي حاول الانتقام من المتطرف اليهودي "يهودا غليك" الذي كان يقود عصابات المستوطنيين المطالبين بالصلاة داخل الحرم القدسي، في سابقة تُعدُ انتهاكاً صارخاً للقيم الإسلامية، وتدنيساً لموقعٍ يعتبر شرفاً للمسلمين جميعاً، وللإنسانية بأسرها . وقد لجأت "إسرائيل" إلى إغلاق أبواب المسجد بالكامل، في سابقة لم تحدث إلا إبان عدوان يونيو/حزيران ،1967 على ما أعلن وزير الأوقاف الأردني الذي يشرف على إدارة موقع المسجد منذ ذلك التاريخ .
العدوانية "الإسرائيلية" الجديدة، استدعت استنهاضاً فلسطينياً واسعاً، لاسيما بين أبناء القدس الشرقية، وفي صفوف عرب ،1948 الذين يشكلون أكثر من 20% من السكان في "إسرائيل" وقد أضرب هؤلاء احتجاجاً على الاعتداءات، وكان ذلك بمثابة الإنذار لسلطات الاحتلال، وهو أمر لم يحصل منذ مدة طويلة، ما أثار رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الذي دعا عرب 1948 إلى الرحيل إلى الضفة الغربية وغزة، وهددهم بإسقاط الجنسية عنهم، إذا ما استمروا بالاحتجاج . مما لا شك فيه أن الحملة "الإسرائيلية" تأتي من ضمن خطة لتهويد القدس، واغتصاب الأقصى، بدأت ملامحها تظهر منذ فترة طويلة . وهذه الخطة تعتمد على تهجير المقدسيين من أراضيهم وبيوتهم المحيطة بالمسجد، وسلطات الاحتلال تتمادى في سياسة القضم، عن طريق استخدام مجموعة من الأساليب، منها تهديم منازل الناشطين الفلسطينيين، ومنها مصادرة أراض وأبنية بحجة إقامة حدائق، أو إنشاء طرقات، ومن بعد ذلك يتم تغيير وجهة استعمال هذه الأراضي لإقامة مستوطنات يهودية عليها . والمؤشرات الديمغرافية تدلّ على تناقص عدد الفلسطينيين في القدس، مقابل تنامي عدد المستوطنيين اليهود .
العدوانية "الإسرائيلية" الجديدة فرضت مقاومة من نوعٍ جديد، يقوم بها الفلسطينيون، وهذه المقاومة هي التي أجبرت سلطات الاحتلال على إعادة فتح بوابات المسجد الأقصى أمام كل المصلين، وليست وساطة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، وفقاً لما تم الإعلان عنه .
إن الهجوم الانتقامي الذي قام به اثنان من المقاومين الفلسطينيين داخل معهد يهودي في القدس نهار الثلاثاء 18-11-،2014 وأسفر عن مقتل خمسة من المستوطنيين وجرح عدد آخر، يعتبر باكورة انتقام فلسطيني على التجاوزات "الإسرائيلية"، وقد برزت مجموعة من الأعمال الانتقامية الأخرى في اسدود وغيرها، ولن يتوقف الأمر، إذا ما استمرت الوحشية "الإسرائيلية" .
"إسرائيل" بالتأكيد، تستغل الانشغال العربي في الأزمات المتلاحقة، والمتفاقمة، في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وتمارس سياسة التهويد بوتيرة متصاعدة، وهي لا تتورع عن إطلاق ادعاءات باطلة، وليس لها أساس من الواقعية، عنيتُ زعم بعض المتطرفين اليهود عن حقهم في الدخول إلى حرم المسجد الأقصى، وممارسة الشعائر الدينية هناك، تلك مقولات غير واقعية، وفيها من الوقاحة، والاستخفاف، ما لا يمكن السكوت عنه، وسيؤدي إلى انتفاضة فلسطينية عارمة، مدعومةٌ من رأيٍ عام عربي وإسلامي، لا يمكن تجاهل تأثيراته .
من نافل القول، إن "إسرائيل" تستفيد من ممارسات بعض المنظمات الإرهابية، ولاسيما أفعال "داعش"، و"تل أبيب"، كان لها الدور الأساسي في التغطية السياسية للأعمال الإجرامية التي ارتكبت بحق الشعبين السوري والعراقي، لاسيما في الأوساط الدولية، وعلى وجه التحديد لدى الإدارة الأمريكية التي تجاهلت مخاطر ما يجري في سوريا والعراق، وسكتت عن القتل والتدمير الذي أصاب البلدين، والذي يندرج معظمه في خانة الجرائم ضد الإنسانية التي كان يفترض أن يتحرّك العالم من أجل معاقبة مرتكبيها من خلال القضاء الجنائي الدولي، كما حصل في يوغسلافيا السابقة، وفي دارفور، وسيراليون .
واستغلال "إسرائيل" للخلافات الفلسطينية الفلسطينية يعطيها ورقة رابحة في مسيرتها العدوانية، وما جرى من تفجيرات في غزة لمناسبة الذكرى العاشرة لغياب القائد التاريخي للثورة الفلسطينية ياسر عرفات، يشكّل دليلاً على استهتار بعض القيادات الفلسطينية بأهمية وحدة المقاومة في وجه الاحتلال . وهو أيضاً استهتارٌ ببعض ملامح القوة التي اكتسبتها القضية في المدة الأخيرة، عنيتُ اعتراف السويد وإسبانيا بفلسطين كدولة .
ربما يكون الزمن الصعب الذي تمر به القضية الفلسطينية، حافزاً نوعياً لتوطيد عُرى المقاومة في وجه العدوانية "الإسرائيلية" الجديدة .
صحيفة الخليج